هكذا طورت مافيا ا:كلمخدرات ــ مؤسسات الجريمة المنظمة العاملة في مجالات انتاج السموم البيضاء وتهريبها والاتجار بها ــ طورت هذه المنظمات العابرة للحدود نفسها وجددت اساليبها فأخذت بنظام اللامركزية بوصفه روح العصر ولزوم التطور والتحديث, وهو أسلوب تتساوى فيه المنظمات المحترمة والاخرى غير المحترمة على السواء. وقد جاء الاخذ باللامركزية بوصفه هدية تحجيم ابعاد هذا الوجود ومن ثم عمدت الى ترجمة كياناتها المافيوزية الضخمة (نسبة الى عصابات المافيا) الى كيانات أصغر ومنظمات أقل حجما وأساليب أشد دهاء وأكثر مراوغة وأبعد, بالتالي, عن اعين الشرطة. وبمناسبة الشرطة, ومع كامل الاحترام والتوقير لتلك المؤسسة العتيدة ذات الاعين المفتوحة ــ جعل الله كلامنا خفيفا عليها ــ إلا ان تقرير (رصد المخابرات الدولية) الصادر عن مقر الهيئة المذكورة في باريس, يفاجئنا بالاشارة الى ان بلدان انتاج المخدرات وقد نسميها كما في الاعراف التجارية باسم (بلدان المنشأ) شهدت نوعا من التواطؤ بين شرطتها وبين عصاباتها للاسف الشديد.. وفي هذا يقول التقرير الدولي, على نحو ما نقلته مجلة (كرنت هستوري) الأمريكية بالحرف الواحد: (... من المرجح ان تكون العمليات التي تمت (في كولومبيا ــ أمريكا اللاتينية) واطلق عليها وصف الاعتقال أو التوقيف بحق زعماء احتكارات المخدرات في ذلك البلد وهي (كالي كارتل) ــ لم تكن في حقيقتها سوى حالات استسلام مستترة تمت في ظل اتفاقات (بين الحكومة) وبين تلك الاحتكارات (الكارتلات) وفي ظلها عمد قادتها (يقصد اباطرة المخدرات لعنة الله عليهم واستمطار اللعنة من عندنا وليس من سطور التقرير الدولي) ــ الى انتهاج استراتيجية انتقلوا بموجبها من عالم المخدرات الى انشطة الاعمال التجارية القانونية والمشروعة بعد ان عمدوا الى التفاوض مع نظرائهم (من تجار الصنف كما يقول المصريون) في المكسيك لكي يتولوا تصريف شحنات المخدرات ويوصلونها الى الولايات المتحدة الأمريكية.. الأصغر هو الأفضل والحاصل, يضيف التقرير الدولي ان منظمات جرائم المخدرات في كولومبيا ــ وهي معقل الكوكايين بالذات ــ تحولت ــ بفعل اللامركزية ــ الى كيانات أصغر وربما افدح خطرا ــ كانت كولومبيا تضم اثنتين فقط من احتكارات ــ كارتلات المخدرات وكم هلل الناس عندما اعلنتا خروجهما من البيزنس.. في حين انهما انقسمتا في واقع الحال الى نحو 40 منظمة متوسطة وصغيرة وكل منها تضم شبكة من غمار الناس ومن آحاد المواطنين العاديين ــ تربطهم في العادة أواصر قربى أو علاقات مودة أو صداقة وهم ــ للاسف ــ يتولون التهريب في مجموعات صغيرة وبكميات صغيرة حتى ليقدر عدد تلك المجاميع بنحو ثلاثة آلاف مجموعة باتت تتولى في اطار من الحذر الشديد وبعيدا عن الشبهات نقل المخدرات بغرض الاتجار والتهريب الى أمريكا وأوروبا. أوغاد المافيا وبمناسبة الحديث عن أوروبا, تدل أحدث المعلومات على تحطيم أكثر من شبكة وعصابة من نوع المافيا في ايطاليا.. وفي هذا المضمار سجلت هيئات الشرطة والمكافحة في ذلك البلد الأوروبي نجاحات, لا في ضبط المخدرات ولا توقيف الشحنات ومن يقوم على امرها من المهربين, ولكن في شطارة اقناع عدد من افراد تلك العصابات بالانقلاب على زعمائهم وهي عملية مشروعة من شراء زمم المهربين (وهل هناك ذمة لهم) لكي يرشدوا السلطات الى قادتهم الكبار ويكشفوا اسرار عصاباتهم طبعا لقاء عفو جمهوري او تخفيف للعقوبة أو اسقاط أو بعض اسقاط للجرائم التي تحفل بها صحيفة سوابق الأبعد الذي قلب ظهر المجن ــ كما يقولون لاولياء نعمته وهم قادة المافيا التي ينتمي صاحبنا اليها.. لا عجب ان يستخدم القوم لهذه النوعية من المجرمين تعبيرا يترجم حرفيا من الانجليزية بعبارة (المعاطف المقلوبة) بمعنى المجرم الذي يشي بزملائه ومن ثم تؤدي وشايته ــ وهي أمر مطلوب في عرف الشرطة طبعا ــ الى الايقاع بحضرات الزعماء الذين يعرفهم الناس منذ فيلم مارلون براندو الشهير باسم الأب الروحي أو العراب ــ الجود فازر. قانون التواري نفسه من خلال الانقسام الى عصابات أصغر حجما واخفت صوتا وأقل بروزاً ــ طبقه العرابين الايطاليين فكان ان انقسمت مافيا المخدرات في بلدهم الى نحو 100 منظمة او مجموعة صغيرة تضم نحو 6000 عضو وهو عدد اقل من حيث الحجم ولكنه ـ ويا للخطورة ــ اخطر من حيث نوعية التسليح وقدرة المناورة وهوامش الحركة والفضل في ذلك ان كان ثمة فضل يرجع الى ميلوسيفيتيش رئيس يوغسلافيا الذي يأبى الا ان يضيف الى سجل جناياته كمجرم حرب حسب منظومة محكمة لاهاي الدولية, جريمة تزويد عصابات المخدرات المحدثة او النيو ــ مافيا في ايطاليا باحدث انواع الاسلحة واشدها فتكا.. وقد استطاعت هذه العصابات الاوروبية ان تمد نفوذها, لا عبر المتوسط فحسب بل من خلال التوغل في القارة الافريقية حتى وسعت شبكاتها المدمرة فأوجدت لها فروعا في نيجيريا قلب افريقيا مستفيدة في ذلك كما تقول مراجعنا الدولية التي المحنا اليها من الهياكل العشائرية والبنى القبلية ناهيك عن دوائر الفساد في تلك الاصقاع من القارة السوداء. اسواق اسيا الوسطى ثم اضيف الى تلك العوامل ذلك العنصر المستجد الذي ادى الى زيادة عرض المخدرات في اسواقها الدولية وقد تمثل في دخول بلدان من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة ومنها جورجيا مثلا في سوق زراعة وتحضير مادة الكوكايين وقد جاورتها زراعات الحشيش والمارجوانا وما في حكمهما من مؤثرات عقلية في اقطار اخرى في مناطق البلقان والقوقاز واسيا الوسطى وافريقيا جنوبي الصحراء ومعظمها بلدان نزلت بها وصفة (التكيف الهيكلي) الشهيرة التي اصطنعها صندوق النقد الدولي مثل جائحة او كارثة المت بحياتها الاقتصادية ــ الاجتماعية وخاصة بأفقر القطاعات من سكانها حيث ركزت هذه الوصفة على تكريس قانون العرض والطلب اتباعا لقوانين السوق وعلى رفع الدعم الحكومي عن السلع الاساسية. بيد ان اخطر ما في وصفة الصندوق الدولي انها هونت من شأن الزراعة, بحكم تخلفها النسبي في تلك البلدان, وبالتالي في ضوء ضعف القيمة المضافة للزراعة الى مجمل الناتج المحلي الاجمالي. ولم يكن في حسابات خبراء المكاتب الزجاجية المكيفة في مبنى الصندوق الدولي في واشنطن ان مثل هذه الوصفات يمكن ان تدفع قطاعات من فقراء الارياف في بلدان العالم الثالث التي المحنا اليها في اوروبا او اسيا او افريقيا الى التحول الى زراعة محاصيل المخدرات بحكم ماتدره من ارباح وبصرف النظر عن العواقب ومتى كان اليائسون يتدبرون امر العواقب؟ وهكذا افضت الامور من اسف الى ما اضحى الخبراء يطلقون عليه العبارة التي تقول : تدويل.. المخدرات.. او عولمة العقاقير المخدرة والمؤثرات العقلية الخطيرة. وقد زاد من عنصر التدويل هذا حقيقة ان محاصيل كولومبيا من المخدرات باتت تطرق بالحاح ابواب اوروبا.. بعد ان كادت تفقد سوقها التقليدية في امريكا.. لماذا؟ لان السوق الامريكية اصبحت متشبعة بالمعروض من المخدرات الوارد من المكسيك وجامايكا وهما اولى بذلك المعروف المدمر بحكم القربى والجوار الجغرافي من الولايات المتحدة يضاف الى ذلك ان اوروبا تستقبل ايضا شحنات مهربة من المخدرات الواردة من كمبوديا بل ومن جنوب افريقيا التي دخلت السوق حديثا بعد ان فاض المعروض لديها عن احتياجات اسواقها المحلية ثم انها محاطة الى جوارها والى الشمال منها باقطار افريقية مابين غانا الى الكونغو ومابين كينيا الى ملاوي وكلها اقطار نشب الفساد في هياكلها الادارية والاقتصادية وباتت تخطط لزراعة انواع شتى من المخدرات لزوم الاستهلاك الداخلي ومن بعده التصدير لحساب العصابات المحلية والدولية الى خارج الحدود. بروفيل احصائي عند هذا المنعطف من طرح القضية نتوقف مع البيانات المتوافرة للمراجع الدولية التي بين ايدينا كي نحاول ان نرسم صورة تخطيطية (بروفيل) بالاحصاءات لواقع الانتاج من المخدرات وقد اكتسبت طابعها الدولي الذي اشرنا اليه فيما سلف من سطور هذا الحديث. ..و .. خذ عندك: في عقد الثمانينات كان انتاج سموم الكوكاكين يتراوح في امريكا اللاتينية وهي اكبر مصادره وبخاصة في كولومبيا رقما يتراوح بين 500 طن و 700 طن سنويا. .. يقدر من خلال حساب الاسقاطات الاحصائية المعتمدة ان يكون هذا الرقم قد ارتفع الى نحو 1200 طن سنويا من المخدرات. .. بصورة احدث واقرب الى لحظتنا الراهنة فقد وصل انتاج الافيون في بورما وافغانستان الى نحو 4500 طن سنويا في عام 1996 بعد ان كان البلدان ينتجان في عام 1988 مايقدر بنحو الف طن فقط من هذا المخدر اللعين. هذا وقد عزفنا عاهدين ــ علم الله ـ عن استكمال البروفيل الاحصائي حتى لانرصعه للاسف بانتاج الحشيش الذي تشارك في تنميته بل واستفحاله اقطار عربية سواء في المشرق او في المغرب وكفانا ما نكابده في مجالات اخرى من اشجان وهموم. ومثل أي نشاط اقتصادي فان الاتجار في المخدرات تطبق عليه نفس القوانين الاقتصادية المعمول بها ومن ثم فان ارتفاع العرض لايعود فقط الى رغبة الربح الاوفر والكسب الاكثر سخاء ولو من هذا الطريق الحرام, بل ان زيادة العرض ترجع اساسا الى زيادة الطلب على المخدرات والمؤثرات العقلية (التقرير الدولي الذي نميل اليه لايستخدم في هذا المضمار كلمة زيادة او ارتفاع بل يعمد الى استخدام عبارة (ازدهار الطلب) )! عولمة.. المخدرات هنا نرجو ان نلفت انظار قومنا الى ان وباء المخدرات وقد اكتسبت طابعها الدولي او العولمي كما قد نقول هذا الوباء لم يعد بمقتصر على الاسواق التقليدية للمخدرات ولقد كانت تلك الاسواق تتركز عادة في منطقتين هما: (1) الولايات المتحدة. (2) واوروبا الغربية. وعامل الارتباط في هذا الصدد يتمثل اساسا في اساليب الحياة التي تميل الى التحررية الى حد الانفلات في هاتين المنطقتين من العالم وكذلك في نوعية الثقافة السائدة, ذات الاساس الهيليني الذي يكرس حرية الفرد في السلوك والاختيار الى حد مبالغ فيه بما يشكل احيانا نوعا من الحيف والتجاوز والاجتراء على حقوق الجماعة البشرية التي ينتمي اليها الفرد.. وهو ما اوصل تلك المجتمعات الى تجاوز الحدود ومن ثم الى امراض اجتماعية بالغة الخطورة في مقدمتها تفكك مؤسسة الاسرة وتداعي آصرة القرابة واكتساب العلاقات الانسانية طابعا موغلا في المادية والغائية المغرضة وهم يتحايلون على ذلك الطابع فيخلعون عليه احيانا اسم البرجماتية او السمة العملية. الذي يعنينا من هذا كله ان انفتحت امام غائلة المخدرات اسواق جديدة غير تقليدية مما اصبح يشكل خطرا يتمثل في تحطيم منظومات القيم واعراف السلوك في مجتمعات كانت تحميها تلك المنظومات والاعراف مجتمعات من قبيل اليابان التي زاد فيها الطلب على الكوكايين ومن قبيل جنوب افريقيا وهي سوق مستجدة في هذا المضمار يضاف الى ذلك ان دخل سوق الاستيراد والطلب, بمعنى ازدهار او هو بالادق تفشي ظاهرة التعاطي والاستهلاك والادمان في اقطار شرق اوروبا ومثل روسيا ذاتها وتلك بلدان انتقلت من غلو الادلجة الى انفلات الانفتاح.. وفي بضع سنين معدودات, مما افقدها التوازن المطلوب لضبط ايقاع المجتمعات, وفي هذا الصدد بالذات يلاحظ التقرير الدولي الذي تشير اليه اتساع سوق الطلب على مخدر بعينه رهيب التأثير اسمه الهيروين. وباء المخدرات والخطر النووي ونلاحظ نحن من جانبنا ــ مستخدمين في ذلك منطق الاستيفاء الاحصائي المعروف (اكسترا بوليشين) ان الخطر يزداد فداحة وتفاقما حين نعي ان عائلة المخدرات باتت تجتاح روسيا وتوابعها السابقات في شرق اوروبا وفي اواسط اسيا وهي الاقطار التي مازالت تحوى منشآت نووية ومصانع وفعاليات وكفاءات لانتاج احدث وانجح ومن ثم اخطر انواع الاسلحة التقليدية وغير التقليدية, والمخدرات اللعينة لاتؤدي فقط الى سقوط الهمة ــ او تؤدي الى انك في حالة المتعاطين او المدمنين العاديين من غمار البشر.. لكن تعاطيها ــ ناهيك عن ادمانها يصل الى حدود الكارثية في حالة ان يكون المتعاطي او المدمن في موقع الضبط او مركز المسؤولية او القرار او السيطرة عن منشأة نووية او قلعة من قلاع تكنولوجيا السلاح الفتاك السوبر ــ المتقدم. هذا التنويع الاقتصادي ومرة اخرى, تصدق قوانين الاقتصاد الكلاسيكي على اسواق ترويج المخدرات بانواعها المختلفة ــ المزروعة او التخليقية المصنعة ــ وفي مقدمتها قانون التنويع الاقتصادي, حيث يلاحظ التقرير الدولي ان التنويع شمل مناطق الانتاج والمواد المنتجة (بالتاء المفتوحة) كما شمل اسواق الاستيراد والاستخدام, وفي هذا الموضوع بالذات تضيف مجلة (كرنت هستورى) تفسيرا لهذا الاتساع والتنويع في اسواق العرض والطلب وهو تفسير مفيد ونوافقها عليه تماما حين تقول بالحرف. ... ان هذا الاتساع انما يفسر تنامى مواقع التهريب والاتجار في المخدرات الصغيرة والمتوسطة الحجم, لاسيما في ضوء التزايد المطرد في عدد ضحايا الركود بل والانتكاس الاقتصادي سواء في اقطار العالم الثالث, او في (الاحياء النظيرة) بالمراكز الحضرية في بلدان العالم الاول المتقدم ذاتها (زنوج امريكا ومهاجرو فرنسا والعمال الغرباء في ألمانيا مثلا).. في تلك المواقع يمكن ان يكون انتاج المخدرات والاتجار فيها بل والتعاطي الفردي لها (الحقن الذاتي مثلا) ــ وسيلة ولو (تعيسه) من وسائل البقاء على قيد الحياة. والى الحلقة الاخيرة ان شاء الله * كاتب سياسي من مصر