التاجر الذي يعتقد أنه سيكون في منأى عن رياح العصر, فيحاول ان يحمي قلعته بأسلحة قديمة كنظام الحماية الوطنية أو نظام الوكالة التجارية وغيرهم ا, سرعان ما سوف يكتشف أنه واهم وان الرياح سرعتها اكثر من قدرته على الاستجابة والاستعداد لها ما لم يفتح ذهنه وعقله من الآن فيفكر بطريقة تلائم العصر والمستقبل. غير ان موضوعنا ليس التاجر الذكي من غيره, فالذكي من التجار من يعرف مصلحته وموضع قدميه وفلوسه ومن يستعد للتطورات ويكون في مستواها, وهو ما لا نلمسه بعد في اغلب رجال اعمالنا وتجارنا, من الذين لاتزال العادات التجارية والتقليدية تسيطر عليهم, حتى والحكومة, ممثلة في دوائرها المالية والاقتصادية تحاول انتشالهم من الماضي إلى المستقبل. وهكذا فان الذي يدافع عن مملكته التجارية الممثلة في وكالاته التجارية للسلع, وان بلغ عددها مئات وآلافا من السلع, سوف يجد نفسه في وقت قصير نسبيا, اقرب مما يتصور, امام ثورة التجارة الالكترونية مثلا, فاذا لم يبادر من الآن بتغيير طريقة تفكيره, واساليب عمله, وحصوله على حصة من هذه التجارة المقبلة, فانه سيرى بأم عينه ملكته تتهاوى وحصونها تنهار من دون ان يستطيع حمايتها ولا انقاذها. وبما ان التجارة الالكترونية لا تحتاج اكثر من جهاز كمبيوتر وخط انترنت في كل بيت أو مكتب, فان عشرات ومئات الشركات الامريكية والاوروبية وغيرها, سوف تلبي طلبات الزبائن عن طريق هذا البريد الالكتروني, فيمكن لي من منزلي في دبي تصفح كتالوجات شركة ما بأنواع بضائعها ثم طلب بضاعة في ثوان, والدفع عن طريق البطاقات الالكترونية ايضا, لكي تصلني بعد ذلك البضاعة في غضون ايام, من دون حاجة إلى وكيل أو ذهاب إلى معرض أو اضاعة الوقت والجهد في البحث الطويل. غير ان الاخطر من بعد تجارة الافراد عبر الانترنت وطلبهم للسلع المختلفة, وهي تجارة تظل محدودة ومحكومة بالتطور التقني في بعض البلدان ومنها بلداننا العربية, وبقدرة الافراد على الشراء, تجارة المؤسسات العملاقة والحكومات والوزارات, لان هذه تحقق لها التجارة عبر الانترنت بيعا وشراء على السواء, خاصة لجهة المشتريات, لا توفير الوقت وحده, وانما توفير مئات الملايين سنويا من الورق والمعاملات والموظفين وغير ذلك, على النحو الذي وفرت مشتريات البنتاجون من الادوات المكتبية والقرطاسية والهدايا الصغيرة بالاعتماد على التجارة الالكترونية. فالميزانية السنوية للاحبار وماكينات التصوير والورق وغيرها من ادوات مكتبية تصل سنويا إلى حوالي 700 مليون دولار, امكن توفير اغلبها بالانتقال إلى المشتريات عن طريق الانترنت, حيث لا حاجة لموظفين ومحاسبين وورق ومعاملات على النحو الذي كانت تتم فيه المشتريات سابقا, وبطبيعة الحال فان مثل هذه المشتريات السنوية للبنتاجون, وهي جزء بسيط من اجمالي مشتريات البنتاجون, هددت محلات ووكالات وغيرها من مؤسسات تجارية, نظرا لانها صارت تتم مع المصانع مباشرة أو شركات الانتاج عبر الانترنت والبريد الالكتروني. وهكذا, فان التجارة الالكترونية التي تتنامى في بلدان مثل الولايات المتحدة الامريكية, وتكاد تنتشر إلى العالم كله في السنوات القليلة المقبلة, تهدد صراحة الحصون التقليدية للتجارة, من دكان ومحل ومعرض ووكالة, ما لم تبادر هذه الحصون إلى تطوير محلاتها ومعارضها, فتنتقل بها من الارض إلى الكمبيوتر, لتلتحق بما يسمى بـ (المركز الالكتروني) في مقابل المركز التجاري, الذي يسارع تجارنا للاسف في بناء المزيد من هذه المراكز, في منافسة ضارة, بدلا من اللحاق بالعصر وتشييد مراكز الكترونية للمبيعات, ما يدل حقيقة انهم والعصر على مفترق طرق خطير.