يكتسب موضوع حماية المدنيين العزل الضعفاء الابرياء في الصراعات المسلحة اهتماما متزايدا لتزايد تعرض المدنيين لويلات هذه الصراعات. ان كفالة احترام القواعد الاساسية للقانون الانساني الدولي تستلزم ايلاء الاولوية لهذا الموضوع . ومن الطرق الفضلى لحماية المدنيين منع نشوب الصراع. ومن الوسائل المثلى لمنع نشوب الصراع المسلح, وخصوصا الصراع الداخلي, الذي يذهب ضحية له كثيرون من المدنيين تفعيل الدبلوماسية الوقائية وقيام الامين العام للامم المتحدة واجهزتها الاخرى بدورها في حفظ السلم والامن الدوليين و تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية للشعوب بما في ذلك توفير التعليم والخدمات الطبية, والدفاع عن المدنيين, وفي المقام الاول الاطفال, ينبغي ان يكون من اهداف الدول والمجتمع الدولي ذات الاولوية. وكان من الممكن ان تكون مشكلة حماية المدنيين اقل خطورة لو حدثت في ظل ظروف غير ظروف الصراعات المسلحة, ولو احترمت مختلف الآليات المنشأة بموجب الصكوك الدولية التي اعتمدت طيلة السنوات المائة المنصرمة. فهذه السنة تصادف الاحتفال بالذكرى السنوية المائة للمؤتمر الاول للسلام الدولي, وهو المؤتمر الذي تناول القانون الانساني, والذكرى السنوية المائة لاتفاقية لاهاي, والذكرى السنوية الخمسين لاتفاقيات جنيف, والذكرى السنوية الثلاثين لاتفاقية منظمة الوحدة الافريقية التي تحكم جوانب متعلقة بمشكلات اللاجئين في افريقيا, والذكرى السنوية العاشرة لاعتماد اتفاقية حقوق الطفل. وينبغي للمجتمع الدولي ان يغتنم هذه الفرص لاعتماد مزيد من التدابير لحماية الفئات الاضعف في حالات الصراع. ان الاطفال يحتاجون في حالات الصراع, فضلا عن توفير الغذاء والدواء لمجرد البقاء الى الحصول على التعليم. ومن شأن ذلك ان يمد الاطفال بقدر اكبر من الاحساس بالحياة الطبيعية ومن الامل في غمرة الحالات الباعثة على القلق الشديد او اليأس, فضلا عن ان يشكل وسيلة لمنع تجنيد الاطفال وتسريح الجنود الاطفال. وتقوم هوة عميقة بين المعايير الدولية السارية واحترامها في الواقع. يشهد المجتمع الدولي تناقضا ظاهريا واضحا فبينما حظيت الصكوك الدولية المعنية بحماية المدنيين مثل اتفاقيات جنيف بتأييد يكاد يكون عالميا بانضمام مايزيد عن مائة وثمانين دولة اليها يجري تجاهل اغلبية احكام هذه الصكوك على ارض الواقع مع الافلات من العقاب. واحيانا لا تعرف اطراف الصراع مضامين هذه الصكوك ويقع ضحية ذلك التجاهل والافلات المدنيون, وخصوصا المرضى والمسنين والنساء والاطفال وتتزايد الهجمات على موظفي المساعدة الانسانية والتنكر للمبادىء الانسانية والابادة الجماعية, على سبيل المثال التطهير العرقي, اصبحت ظواهر تعم اماكن مختلفة والامثلة على ذلك كثيرة, منها ما حدث في رواندا والبوسنة والهرسك وما يحدث في كوسوفو حيث حرض ويحرض السياسيون الافراد على قتل جيرانهم لانهم ينتمون الى خلفية قبلية او دينية او عرقية مختلفة. ويجب الا يفلت مرتبكو جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد البشرية من العقاب. وكان واضعو اتفاقيات جنيف يدركون امكانية نشوء هذه الحالة, اي عدم تطبيق احكام الاتفاقيات. تنص المادة العامة 1 من اتفاقية جنيف الرابعة على مايلي: ان الاطراف السامية المتعاقدة تتعهد باحترام هذه الاتفاقية وكفالة احترامها في كل الظروف وعند اختتام مؤتمر جنيف في سنة 1949 رأى معظم المفسرين ان قصد نص هذه المادة هو الطلب الى الدول بان تكفل احترام الاتفاقية من قبل مؤسساتها وجيوشها وسكانها ومعنى ذلك الا تكتفي الدول باصدار تعليمات واضحة لادارتها الحكومية المختصة ولكن ان تنفذ تلك التعليمات ايضا. ومن العوامل التي تسهم في كفالة التقيد باحكام الصكوك الدولية المعنية بحقوق الانسان ومنها اتفاقية جنيف الرابعة اتخاذ الدول الموقعة عليها لخطوات منها ان تنشىء الدول شعوبها على الامتثال الكامل للقانون الدولي وان تثقفها بأهمية القانون الانساني. ويجب ان تدرج اتفاقية جنيف الرابعة وغيرها من الصكوك ذات الصلة ضمن مقررات التدريب العسكري. وينبغي للدول ان تستعمل اجراءاتها القانونية في توسيع نطاق احترام مواد الصكوك الدولية المعنية بحقوق الانسان وان توفر المساعدة القانونية لكل مدني يقع تحت ادارة عسكرية نتيجة لصراع مسلح وينبغي ان يتوفر حق الطعن او الاستئناف للفرد الذي تتخذ السلطة العسكرية قرارا اداريا بشأنه. ويجب ان يتخذ المجتمع الدولي تدابير اشد فعالية لحماية الاطفال في حالات الصراع. ويمكن ان تكون لاتفاقية حقوق الطفل اثارها في اعمال حقوق الانسان وكذلك في اعمال القانون الدولي المتعلق بالشؤون الانسانية. ومما يتضمنه تحسين حالة السكان المدنيين في حالات الصراع المسلح وحل مشكلة الاطفال المجندين وبالرغم من ورود المادة 38 في هذا القانون التي تطالب الدول باحترام القانون الانساني الدولي وتحدد ايضا السن الدنيا للتجنيد بــ 15 سنة فإن ارباب الحروب وغيرهم من الاطراف في حالات الصراع يتجاهلون احكام هذا الصك مع الافلات من العقاب. ويتزايد عدد الذين يقبلون مقترح منظمات حكومية وغير حكومية في الامم المتحدة بزيادة الحد الادنى لسن التجنيد الى 18 سنة, كما هو متوخى في البروتوكول الاضافي لاتفاقية حقوق الطفل, وادراج مراعاة السن الدنيا للتجنيد كشرط للالتحاق بقوات الامم المتحدة لحفظ السلام والشرطة المدنية الدولية ومن الجلي ان رفع سن المشاركين في الصراعات المسلحة الى 18 سنة وجه من وجوه هذه الحماية. وحتى بعد رفع سن التجنيد فإن المشكلة لا تكون قد حلت تماما لعدم خضوع الجماعات المتمردة وفقا لتعريفها للقانون الدولي وليست ملتزمة بالاتفاقيات. ان وضع آليات للقضاء على استغلال الاطفال والنساء والمسنين ليس من شأنه سوى التخفيف من حدة المشكلة والافضل من القيام بوضع الآليات هو القيام بالعمل الوقائي, الذي يستلزم معالجة الاسباب الجذرية للصراعات في شتى ارجاء المعمورة ويجب القيام بالنظر الجاد في اسباب الصراع ليكون من الممكن تلافيه واتخاذ نظرة جزئية لا تقوم على دراسة الحقائق ليس من شأنه ان يساعد في الاحاطة بسبب الصراع وقد ورد ذكر لهذه الاسباب في تقرير الامين العام للامم المتحدة المعنون (اسباب النزاع في افريقيا وتعزيز السلم الدائم والتنمية المستدامة فيها) والمؤرخ 13 ابريل 1998. ومن هذه الاسباب البيئة الاقتصادية الدولية الراهنة ونقص التنمية السياسية والتكنولوجية والاجتماعية والاقتصادية ونزعات الاستعمار الجديد والتركة الاستعمارية الثقيلة. كل هذه العوامل تسهم في جعل الاغنياء يزدادون ثروة والفقراء يزدادون فقرا. وتقوم علاقة متبادلة بين شتى المجالات مثلا بين التنمية الاقتصادية وميدان حقوق الانسان ان من الاسهل تجنيد الاطفال اذا لم توفر لديهم مدارس ولم توفر لآبائهم فرص العمل. وفضلا عن الحاجة الى السعي الى ازالة الاسباب الجذرية للصراع يجب على جميع الدول ان تتحمل مسؤولياتها التي تنبع من مختلف الصكوك الدولية التي تحدد التزاماتها بحماية المدنيين في حالات الصراع المسلح ويتعين ايضا على مجلس الامن ان يتحمل قسطه من المسؤولية عن حماية المدنيين في هذه الحالات في شتى بقاع العالم, فهو الجهاز المسؤول وفقا لميثاق الامم المتحدة, عن صون السلم والامن الدوليين. ومن المشكلات المطروحة حماية موظفي المساعدة الانسانية لدى قيامهم بالمساعدة ويجب ان يتخذ المجتمع الدولي التدابير الصارمة والضرورية لزيادة ضمان حماية وسلامة هؤلاء الموظفين, وخصوصا في الحالات التي تكون موافقة اطراف الصراع فيها محدودة وتجب مراعاة مبدأ امكانية وصول العاملين في مجال المساعدة الانسانية الى الناس الذين يحتاجونها. ومن شأن وجود الموظفين الدوليين ان يساعد في احترام القانون الدولي وبالتالي يسهم في منع ارتكاب الفظاعات ولذلك يجب ضمان الرصد والتطبيق الفعال للقانون الدولي وحقوق الانسان وانشىء مؤخرا صندوق استئماني لامن افراد الامم المتحدة. وقد دخلت اتفاقية سنة 1994 بشأن سلامة موظفي الامم المتحدة والجهات ذات الصلة بها حيز التنفيذ. ويجب منع استغلال وسائل الاتصال اداة في الصراعات. لقد مهدت حملات الكره القومي او العرقي التي شنت عن طريق وسائط الاتصال للقيام بالابادة الجماعية في رواندا. ومن المواضيع التي تتصل برفاهة الافراد وامنهم والتي يتعين على المجتمع الدولي ان يهتم بها حظر نقل الاسلحة الصغيرة والالغام الارضية المضادة للافراد . وتتطلب حماية المدنيين في حالات الصراع المسلح ان تعجل الدول بالانضمام الى اتفاقية الحظر الكامل لانتاج الالغام الارضية المضادة للافراد وانتاجها وتخزينها ونقلها نظرا لما تحدثه هذه الاسلحة الفتاكة من الاضرار. ان معلومات الاحاطة التي عرضها على مجلس الامن التابع للامم المتحدة في 12 فبراير 1999 ممثلا لجنة الصليب الاحمر الدولية ومنظمة الامم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) والممثل الخاص للامين العام لشؤون الاطفال في حالات الصراع المسلح ابرزت الخسائر الفادحة التي سببتها الحرب بين السكان المدنيين.