أثارة(رؤية 2020)التي طرحها وزير التربية والتعليم مؤخرا كثيرا من المناقشات وعقد من أجلها العديد من الندوات والمحاضرات وطرح بشأنها الكثير من الآراء مما يشير إلى أهمية هذا الأمر وحساسيته لدى أفراد المجتمع بكافة قطاعاته. أبدأ حديثي من فكرة ان التعليم شأن مجتمعي عام لا تختص به وتخطط له جهة واحدة فقط, بل يجب ان تشارك فيه كافة الجهات المعنية, على اعتبار ان هذا الأمر يرتبط بمستقبل الدولة ومسيرتها التنموية. يوجد لدي العديد من الملاحظات حول هذه الرؤية, فبصفة عامة, تمثل فكرة هذه الرؤية محاولة جادة من قبل الوزارة لتحسين وتطوير نوعية النظام التعليمي لدولة الامارات, إلا انها لا تخلو من القصور شأنها شأن أي وثيقة تطرح للنقاش, وخاصة إذا تم اعدادها من قبل شخص واحد أو شخصين بغض النظر عن مؤهلاتهم وخبراتهم, فهي تحتاج إلى تنقيح وتعديل من قبل المختصين والميدانيين, لكي تخرج بالصورة اللائقة بها لأنها تمثل حلم هذا المجتمع وتعكس تطلعاته. ويمكن تصنيف الملاحظات إلى دفعتين: ملاحظات شكلية وملاحظات منهجية. أولا: الملاحظات الشكلية: 1 ــ حجم الرؤية الحالية التي يقع عدد صفحاتها في 179 صفحة لا يتناسب مع حجم الرؤى المتعارف عليها عالميا والتي عادة ما تتصف بالتركيز والاختصار والمحدودية, إذ تقتصر الرؤية على الخطوط العريضة للتغيير المراد احداثه, كما انه لا يوجد توازن من حيث مكونات هذه الرؤية, إذ يوجد اسهاب ممل احيانا في بعض اجزائها واختصار شديد في اجزاء أخرى لا يؤدي الغرض. 2 ــ غلب على الرؤية طابع الترجمة الحرفية دون اعطاء اهتمام للدلالات المعنوية لهذه الترجمات, على سبيل المثال مصطلح علوم الاقتصاد الكوني (ص14) والتخطيط الاستراتيجي الحاكم (ص25), والقيم الكونية (ص80) وغيرها, كما يمكن ان يستدل بان هذه الوثيقة كانت محصلة ترجمة حرفية لم يتقن الناقل فبركتها, بدليل ان الاشكال المعروضة في ص 28 و ص 29 تبدأ من اليسار إلى اليمين كما هو متبع في الكتابات الاجنبية وبعكس ما هو متبع في الكتابات العربية, فكان من البديهي ان يتم تعديل مسار هذه الاشكال لتناسب القارئ العربي, فهذا أمر لا يحتاج إلا إلى قدر قليل من الذكاء فقط. 3 ــ استخدمت لغة ومصطلحات فنية بحتة بهدف الاستعراض والابهار فقط, دون ان يكون هناك تعريف لهذه المصطلحات وتوضيح لها سواء في متن الوثيقة أو في نهايتها كملحق. 4 ــ كتبت الوثيقة بأسلوب متعال, وكأن الكاتب شخص يسكن في برج عاجي وينظر من أعلى إلى الواقع التعليمي القائم وأفراد هذا المجتمع بعين صاغرة ومستهجنة, كما تركزت الصلاحيات في يد الوزير شخصيا ومدير مكتب التخطيط والتقويم المزمع انشاؤه الذي سيرأسه مستشار وزير التربية الحالي والذي فصلت شروطه بحيث لا تنطبق إلا عليه شخصيا فقط بدلالة انه اشترط توفر خبرة خليجية وعربية في هذا المنصب واكتفى فقط بالخبرة العربية والعالمية لبقية الخبراء الخمسة الذين سيضمهم مكتب التخطيط والتقويم. ثانيا: الملاحظات المنهجية: 1 ــ تعاني الوثيقة من عدم الترابط والتتابع بين مكوناتها وكأنها أجزاء منفصلة تم جمعها من مصادر مختلفة, أو انها كتبت بين فترات زمنية متباعدة, فقد تضمنت عناصر ومكونات لا ترتبط ارتباطا وثيقا بالرؤية المستقبلية وكأنها اقتحمت اقحاما في الوثيقة مثل مشاريع جار تنفيذها حاليا مثل منهج التربية الوطنية وبرنامج محو الأمية وبرنامج الفائقين والمبدعين وغيرها. 2 ــ تمثل الأهداف العمود الفقري لأي مشروع فلابد من العناية الفائقة بتحديد هذه الأهداف وصياغتها صياغة علمية, وهذا للأسف ما تفتقده هذه الوثيقة, فمعظم الأهداف غير واضحة وغير محددة وغير مصاغة بلغة اجرائية وغير قابلة للقياس, كما ان معظمها مركب, يبدو ان الشخص الذي قام بكتابة هذه الأهداف غير مطلع على شروط كتابة الهدف ومصادر اشتقاق الهدف والوسائل التي يمكن من خلالها قياس هذا الهدف, كما لا يوجد ترتيب لهذه الأهداف وكأنه تم سردها بشكل عشوائي دون ان يكون هناك نظام يحكم ترتيب هذه الأهداف. فهناك أهداف تتصف بالعمومية وأهداف أخرى تتصف بالخصوصية, على سبيل المثال يمثل الأهداف 18 , 16, 20 في صفحة 18 و 19 أهم أهداف هذه الوثيقة إلا انها جاءت بعد أهداف فرعية وفيها نوع من الخصوصية مثل الأهداف 1, 2, 3, 4, 6 كما يمكن الغاء بعض الأهداف ودمج بعضها الآخر مثل الغاء الهدف 3, 4, 6 ودمج 17, 18, 7 و 24 فلابد من اعادة النظر في هذه الأهداف. 3 ــ ان الفترة الزمنية التي حددتها الوثيقة طويلة نسبيا, لانها تشتمل على كل شيء من أهداف وبرامج ومشاريع, ومن الصعب ان يتم التخطيط لهذه المشاريع في ضوء هذا المدى الزمني الطويل, فلو اقتصرت الوثيقة على الأهداف والمحاور فقط فقد يكون هذا المدى الزمني مقبولا نسبيا, فنحن نجهل نسبيا الصورة المستقبلية للتعليم خلال العشرين سنة المقبلة بسبب سرعة تدفق المعلومات وتجددها بشكل سريع جدا, فمن الصعب ان نخطط لمشاريع ستعمل على تنفيذها بعد عشر سنوات أو خمس عشرة سنة مقبلة, فقد تكون هذه المشاريع آنذاك عديمة الجدوى والفاعلية ويكون أمر استبدالها حتميا, فما الداعي لجدولتها من الآن؟ 4 ـ اعتمدت المشاريع والبرامج التنفيذية في الفصل الثالث من الوثيقة على نموذج التخطيط الاستراتيجي الفعال, الذي أعده برايسون 1986, فالمصدر قديم نسبيا إذ مضى على اقتراحه ما يربو عن 13 عاما وهذه فترة زمنية طويلة نسبيا في التخطيط الاستراتيجي, ان هذا الأمر يعزز مقولة ان هذه الوثيقة اعدت بشكل مسبق لزمان غير زماننا ومكان غير مكاننا. وقد يرد على هذه الملاحظة بأنه لا يوجد ضرر من الاستعانة بمصدر قديم نسبيا وخاصة إذا كان هذا النموذج فريدا من نوعه, ولكن أود أن أشير إلى ان وجود نسبة منقحة لهذا النموذج لنفس المؤلف تم اصدارها حديثا في شهر نوفمبر 1995 وتشمل هذه النسخة نموذجا مختصرا وواضحا للتخطيط الاستراتيجي حاول المؤلف من خلاله تجنب عيوب ومعوقات النموذج السابق له الذي تم نشره 1986 والذي اعتمدت عليه الوزارة في التخطيط لمشاريعها المستقبلية, فلماذا لم تستعن الوثيقة بهذه النسخة المعدلة من النموذج وتبنى المشاريع والبرامج التنفيذية على أساسها؟ 5 ــ تجاهلت الوثيقة انجازات الوزارات السابقة, فقد تحققت خلال السنوات الـ18 الماضية انجازات يحق للدول الاعتزاز بها, وقد شرعت الوزارات السابقة في عدة مشاريع حيوية منها اعداد السياسة التعليمية التي شاركت فيها كافة فعاليات المجتمع وفئاته والتعليم الفني والتقني الذي دعيت إليه بيوت خبرة أجنبية متخصصة, والتعليم الخاص الذي وضعت أسسه وقوانينه المناسبة, أليس ذلك اجحافا في حق من ساهم في ذلك كله؟ وأليس ذلك هدرا لأموال حرمت الدولة في استثمارها في مجالات أخرى؟ 6ــ التعدي على صلاحيات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي, إذ أشارت الوثيقة في صفحة 88 إلى تشكيل لجنة برئاسة وزير التربية والتعليم تقوم بمراجعة وتطوير البرامج الجامعية وتوجيه القبول في مؤسسات التعليم العالي. 7 ــ اهمال المتعلم أي الطالب الذي يمثل حجر الزاوية لأي نظام تعليمي, حيث جاء التركيز على الهياكل الادارية ومواصفاتها والمشاريع المرتبطة بها, وندر الحديث بشكل مباشر عن هذا الطالب الذي وجد النظام التعليمي من أجله, فما هوية هذا الطالب وما خصائصه المنشودة وكفاياته المتوقعة. فإذا كان الهدف الاستراتيجي للتعليم اعداد نخبة من الطلبة القادرين على خوض المنافسات الدولية والمشاركة في الأولمبياد العلمية, فانني أقول لن تضيف هذه الرؤية شيئا جديدا, إذ يوجد لدينا مثل هؤلاء الطلبة الذين حققوا للدولة مراكز متقدمة عربيا ودوليا في مثل المسابقات. 8 ــ تسعى الوثيقة إلى تخفيض كلفة التعليم مع الحفاظ على النوعية, لا أعلم كيف يمكن ان تتحقق هذه المعادلة وخاصة ان كلفة التعليم ستزداد سنويا لما تتطلبه المشاريع والبرامج المزمع تنفيذها, فالتعليم الجيد مكلف بطبعه وخاصة إذا حاولنا ان نحافظ على النوعية والتعليم الرديء أكثر كلفة مساقا بمخرجاته الرديئة والمنخفضة النوعية. 9 ــ لم تحدد الوثيقة الجهة التي ستقوم بتنفيذ تلك المشاريع البرامج, هل هو مكتب التطوير والتقويم الذي يضم خبراءه الخمسة والباحثين العشرة أو بيوت خبرة أجنبية؟ هل سيشارك الميدان في ذلك؟ وهل ستشارك الخبرات الوطنية من جامعة الامارات في تلك البرامج؟ أخيرا أود أن أؤكد بأننا لسنا ضد الوثيقة ولا التطوير, بل نحن كأكاديميين مهتمون كثيرا بالتطوير والتحديث ومواكبة التغييرات المستجدات من حولنا مع الحفاظ على الثوابت والانجازات السابقة. فالتطوير لا يتطلب نسف الماضي بل البناء عليه, كما أؤكد بأن شؤون التعليم مسؤولية جماعية تشترك فيها كافة فئات المجتمع, فلن يستطيع شخص ما مهما أوتي من مؤهلات وامكانيات ان يضع رؤية متكاملة تخلو من العيوب, فلابد من مساهمة الجميع وذوي الاختصاص كل في مجال تخصصه, وانني أدعو المسؤولين بالوزارة لوضع هذه الملاحظات وغيرها بعين الاعتبار عند اعادة صياغة هذه الرؤية لكي تظهر بصورة أفضل تكون قابلة للتطبيق ويشترك في تطبيقها كافة المختصون عن ايمان واقتناع, فالتعليم أمانة في اعناق المسؤولين المواطنين لأن مستقبل الاجيال القادمة متوقف على نوعية هذا التعليم.
التطوير مشروع ومطلوب مع الحفاظ على الثوابت والانجازات،قراءة أكاديمية في(رؤية2020)بقلم: د. محمد عبدالله البيلي
