يطرح الحوار الذي أدلى به سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الاعلام والثقافة لوكالة أنباء الامارات منذ أيام,الكثير من الأفكار والآراء حول واقع وسائل الاعلام في دولة الامارات, سواء من ناحية الفرص العديدة المتاحة أمامها أو التحديات المفروضة عليها . ويلفت النظر في هذا الحوار, تأكيد سموه على ان وسائل الاعلام في الامارات لم تستغل هامش الحرية التي يتيحها لها قانون المطبوعات والنشر الحالي, وان ثمة ترددا لدى وسائل الاعلام المحلية في استغلال مساحة حرية التعبير المتاحة أمامها, وان قانون المطبوعات الجديد في الامارات لم يعطل صدوره, وان السعي الآن هو العمل على تحقيق نقلة نوعية في منظومة عمل وسائل الاعلام في دولة الامارات, وجعلها تتعاطى القضايا المحلية بطريقة أكثر تفاعلا وأكثر مهنية. وحدد سموه معالم مشكلة وسائل الاعلام في دولة الامارات, مشددا على عدم وجود العدد الكافي من الكوادر الوطنية لتغطية احتياجات وسائل الاعلام المحلية, وإلى عدم رقي مستوى أداء وسائل الاعلام الاماراتية إلى مستوى المكتسبات التي تحققت في الدولة في كثير من الأصعدة. والرؤية السابقة لسمو الشيخ عبدالله تدعو للمساهمة في تحديد معالم الفرص المتاحة أمام وسائل الاعلام الاماراتية, وكذا التحديات التي تواجهها في عصر المعلومات والفضائيات والخصخصة والعولمة. فرص متعددة فمن ناحية الفرص المتاحة, تشير كل المؤشرات إلى توفير بنية تحتية أساسية لتدشين قاعدة قوية للاعلام الاماراتي في كل المجالات: الصحافة والاذاعة والتلفزيون... إلخ, حيث تتمتع هذه الأجهزة بامكانيات تكنولوجية وتقنية وطباعية متقدمة, تمكنها من ملاحقة الجديد والحديث في عالم تكنولوجيا الاتصال, وهو أمر يفترض أن ينعكس على مستوى الأداء الاعلامي وممارساته وجودته وحرفيته المهنية, وتقديم خدمة متميزة للمواطن في الدولة من جهة, وللتعبير عن مستوى التحولات الكبرى التي تمر بها الدولة من جهة أخرى, ومجالات المساهمة الاعلامية هنا متعددة بدءا من ملاحقة الأحداث ومتابعتها بشكل فوري وآني, وتعميق التغطية الاعلامية للأحداث, وانتهاء لتعبئة وحفز المواطنين تجاه المساهمة الوطنية والتنموية, وحماية الهوية الثقافية. ومن بين الفرص المتاحة أيضا, وجود رغبة كبيرة لدى المسؤولين عن وسائل الاعلام لتحقيق قفزة نوعية في أدائها, وحرص هؤلاء المسؤولين على ممارسة نقد الذات ومراجعة الأداء, وتوفير أفضل مناخ لعمل هذه الوسائل, والتطلع الدائم نحو الأفضل لمواكبة التطورات الحادثة في البلدان الأخرى. ومن بين الفرص المتاحة أيضا مراجعة القوانين والتشريعات والمواثيق المنظمة للعمل الاعلامي, سعيا نحو صيغ تحقيق نقلة نوعية, وليس مجرد التقدم كما يقول سمو الشيخ عبدالله لمليمترات فقط للأمام. وتشمل مجالات هذه المراجعة قانون المطبوعات والنشر وقانون الملكية الفكرية, ومشروع قانون البث الاذاعي بالدولة. ومن بين الفرص أيضا وجود تلاحم في الفترة الراهنة بين مزيج من الخبرات الاعلامية يسمح بتعظيم الافادة من هذه الخبرات للوصول إلى مستويات اعلامية أكثر حرفية ومهنية, كما تتوافر الوسائل الاعلامية بشكل يسمح باستيعاب عدد كبير من العاملين بها, وهو أمر قليل الحدوث في دول كثيرة, تعاني من زيادة الطلب وقلة فرص التوظيف المعروضة من قبل وسائل الاعلام, وفي ذات الوقت يوجد تحفيز كبير لتدريب الكوادر المحلية وهم في مقاعد الدراسة لدمج الدرس بالتدريب وبحوافز سخية. أبرز التحديات وفي ظل هذه الفرص تظهر عدة تحديات من بينها قلة الكوادر الوطنية العاملة في المجال الاعلامي, وهو أمر يؤثر في طبيعة الصورة الاعلامية المقدمة عن المجتمع الاماراتي وتاريخه وتراثه وتطلعاته, وقد ذكر سمو الشيخ ان ثمة دراسة لالزام وسائل الاعلام المحلية بتوظيف نسبة من المواطنين تتزايد مع مرور السنين, على أمل أن تصل إلى أكثر من 50% خلال فترة وجيزة. وفي هذا الصدد أذكر ان وزير الاعلام المصري قد أصدر قرارا بتخصيص أكثر من 80% من وظائف الاذاعة والتلفزيون المصري, لخريجي كلية الاعلام, لتحفيز النشء الجديد على ارتياد العمل الاعلامي طريقا في الحياة, فالتحدي الحقيقي الآن ليس هو امتلاك التقنية وإنما تأهيل الكوادر الوطنية. وتظهر فكرة الخصخصة أيضا كأحد هذه التحديات في ظل توافر الامكانيات المادية لدى أصحاب رؤوس الأموال للدخول في المجال الاعلامي والاستثمار فيه, وهو أمر متاح في بعض الوسائل حاليا, ويصعب في وسائل أخرى لحاجتها لامكانيات مادية كبيرة. والتحدي الثالث هو وجود تحول نوعي في بعض وسائل الاعلام الخليجية الأخرى من جهة, والعربية من جهة أخرى, مما يخلق حافزا أكثر نحو التجديد والتغيير, والبحث عن صيغ جديدة لتوصيل الرسالة الاعلامية وتحقيق التقارب مع الجمهور. والتحدي الرابع هو البحث عن صيغ أكثر جدوى للاستفادة من الفضائيات المتاحة, في صورة تعكس واقع المجتمع وطموحاته وتراثه ومشروعاته الوطنية والقومية من جهة, وتعظيم المنتج المحلي لهذه الفضائيات للوصول إلى انتاج مضمون اعلامي كاف وهادف ومفيد لتغطية حاجة هذه القنوات. والتحدي الخامس هو الوصول إلى أفضل طرق لدعم التعاون الاعلامي بين دول مجلس التعاون الخليجي لتحقيق أفضل استفادة ممكنة من امكانياتها الجماعية من جهة ولدعم مواقفها الجماعية من جهة أخرى, ولاقرار أفضل سبل التحاور بينها. والتحدي السادس هو تدفق المعلومات في عصر العولمة, بغثها وسمينها, واختراقها للحدود دون استئذان, واحتكار جهة معينة لانتاج أغلب المضامين الاعلامية, ونشرها وتوزيعها, وفقا لأغراضها ومصالحها وقيمها, والسبيل الوحيد للتعامل مع هذا التدفق هو في التحضير الداخلي الايجابي وفي تعزيز قدرة الأجهزة الاعلامية هيكلة ومضمونا, والسعي لحماية ثقافتنا وهويتنا الوطنية. مواكبة التطورات كما تفرض التطورات المتسارعة في عصر المعلومات والتكنولوجيا, السعي الدائب لمواكبة هذه التطورات واختيار الملائم من بينها, وهو تحد عاصف ومتسارع ومتجدد, يتطلب ذهنية متفتحة وقدرات ومؤهلات متجددة, واستحداث بنية معلوماتية وطنية شاملة تخدم قطاعات المجتمع, ومن بينها وسائل الاعلام في الدولة بما يعظم من قدرتها على الأداء, ويعمق طبيعة المضمون الاعلامي المقدم. والتحدي السابع يتمثل في التعامل مع القضايا الاتصالية الجديدة مثل حق حماية الملكية الفكرية وتطبيقاتها, ومواكبة ثورة الانترنت ومتطلباتها, واندماج وسائل الاعلام في تشكيلة جديدة, تخلق متطلبات جديدة. والتحدي الثامن هو تحويل رؤية وتصورات القيادات الاعلامية إلى واقع وممارسات فعلية في وسائل الاعلام المحلية, وتبني الاعلاميين لقيم جديدة تتوافق مع مساحة التعبير وهامش الحرية المتاح, بما يعكس التغير الحادث من جهة, ويبشر بمعالم وآفاق اعلامية واعدة من جهة أخرى. * أستاذ بقسم الاتصال الجماهيري ــ جامعة الامارات