سينظر الكونجرس الأمريكي قريبا جدا في تشريع جديد يهدف لوضع قيود على وصول الأسلحة لأيدي الأطفال. يدعو هذا التشريع الذي مر مؤخرا بهامش ضئيل جدا من مجلس الشيوخ للقيام بعدد من الاصلاحات المعتدلة . مثلا, يطالب بشهادة حسن سلوك قبل بيع أية قطعة سلاح, بل وحتى لدخول معارض السلاح أيضا, كما يطالب أيضا بتزويد كل الأسلحة اليدوية بآليات أمان ضد عبث الأطفال. وقد عرض هذا التشريع لأول مرة بعد وقت قصير من المذبحة المروعة التي شهدتها مدرسة كولومباين الثانوية في كولورادو وأدت لمصرع 25 تلميذا. وفي البداية حكمت الأغلبية الجمهورية المعارضة على هذا التشريع بالفشل. لكن الغضبة الجماهيرية العامة ضد موقفهم هذا أجبرهم على اعادة النظر فيه. ثم أعيد التصويت على مشروع القانون بعد وقوع حادث اطلاق نار آخر في ولاية جورجيا. وتعكس نتيجة التصويت لصالح التشريع الجديد بفارق صوت واحد (51-50) حدة الاختلاف الحزبي على هذه القضية. ومن بين المعارضين الخمسين لقانون الحكم بالأسلحة, لم يكن هناك سوى واحد فقط غير جمهوري. بينما انضم 6 جمهوريين إلى 44 ديمقراطيا في تأييد مشروع القانون, لتصل النتيجة إلى 50-50 أي التعادل. وهنا تقدم نائب الرئيس آلبرت جور الذي يمنحه القانون حق كسر التعادل ليدلي بصوته إلى جانب مشروع القانون الاصلاحي. وتصويت جور ضد المعارضة الجمهورية الصلبة يعني بالتأكيد ان السيطرة على الأسلحة ستكون قضية رئيسية في الحملة الانتخابية لانتخابات العام 2000. وطالما كانت قضية العنف والسيطرة على السلاح مسألة مثيرة للعواطف في السياسات الأمريكية. فالمدافعون عن حق امتلاك الأسلحة يجادلون بأن وثيقة الحقوق في الدستور الأمريكي تضمن لهم هذا الحق. وفعلا فإن البند الثاني من تلك الوثيقة يدعم (حق حمل السلاح) . لكن الداعين للسيطرة على السلاح يشيرون فورا إلى الفصل الكامل للبند الثاني والذي يذكر: (ما دام وجود الميليشيات جيدة التنظيم أمرا ضروريا لحماية أمن وحرية الدولة, فلا يجوز انتهاك حق الشعب في الاحتفاظ وحمل السلاح) . ويقولون ان هذا النص هو أبعد ما يكون عن ضمان حق كل مواطن وغير المشروط أبدا في الحصول على السلاح. من جانبهم يهتم أعضاء حركة حقوق حمل السلاح ومن يناصرونهم بألا تعتدي الحكومة على حقوق الأفراد. ويعتقدون ان الهدف النهائي لدعاة التحكم بالسلاح هو تقييد الحرية الشخصية. وقام هؤلاء بافراز جماعة ضغط قوية هي جمعية السلاح الوطنية نجحت حتى الآن في افشال أي بنود على ملكية الأسلحة. وطول عقود كانت الجمعية مناصرا قويا للجمهوريين والعكس صحيح, اضافة لتلقيها الدعم من بعض الديمقراطيين المتحدرين من المناطق الريفية, حيث يصر الناخبون هناك على حقهم بامتلاك السلاح. كما ان جمعية السلاح الوطنية هي واحدة من أقوى جماعات الضغط في الولايات المتحدة وتضم ملايين من الأنصار المنظمين الذين يعتبرون حق امتلاك الأسلحة أمرا مصيريا لهم وينجحون دائما في تمويل حملات انتخاب مرشحيهم بملايين من الدولارات. لكن الأمة الأمريكية صدمت خلال العقود الثلاثة الأخيرة بأحداث عنف رهيبة. وهذه الأحداث هي التي نجحت في تحويل الرأي العام نحو ايجاد نوع من السيطرة على السلاح. ففي الستينات تم اغتيال الرئيس الأمريكي جون كنيدي والسيناريو روبرت كنيدي ومارتن لوثركينج, والتي على اثرها اتخذت أول خطوة في هذا الطريق وهو حظر بيع الاسلحة عن طريق البريد. ثم أدت محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي رونالد ريجان إلى تمرير مشروعي قانونين. الأول هو قانون برادي بيل (على اسم مرافق الرئيس ريجان الذي جرح في تلك المحاولة) والذي يطالب بشهادة سلوك قبل شراء السلاح ثم قانون الأسلحة الهجومية التي يحظر امتلاك بعض أنواع من الأسلحة الهجومية الخطيرة. وخلال العامين الماضيين وقعت ستة حوادث اطلاق نار في المدارس الثانوية. وسقط نتيجة هذه الحوادث 29 قتيلا و70 جريحا. ويتراوح عمر القتلة في هذه الحوادث بين 11 و18 عاما. والصدمة التي سببتها هذه الحوادث هي التي قادت لسن التشريع الجديد. لكن الأهم من ذلك كله هو معرفة ان المشكلة التي تسببها الأسلحة وأعمال العنف أكثر تأثيرا على المجتمع الأمريكي من الصورة التي تتخذها هذه الحوادث العلنية. فالاحصائيات السنوية العامة الخاصة بالسلاح والعنف مذهلة حقا. واصبح العنف في المدارس مثلا مشكلة قومية خطيرة اذ انه وخلال السنوات الخمس الاخيرة وقعت 8 الاف حادثة عنف سنويا في المدارس الثانوية الامريكية. كما ان العنف الناجم عن السلاح مشكلة أكثر خطرا, حيث يتعرض 36 ألف أمريكي للقتل بالأسلحة النارية سنويا. وبينما لا تتجاوز نسبة القتل الاجرامي المعتمد ثلث هذا الرقم فإن الثلثين الآخرين هم ضحايا عشوائية لحوادث اطلاق النار. وتحتل الأسلحة المرتبة الثانية في مسببات الموت للأمريكيين بعد حوادث السيارات. ويبلغ عدد ضحايا الأسلحة من الشباب وصغار السن 5000 أمريكي سنويا! كما تشير الأرقام إلى ان المواطنين الأمريكيين يمتلكون الآن أكثر من 200 مليون قطعة سلاح ناري, يضاف اليها سبعة ملايين قطعة تباع سنويا. ولذلك فلا غرابة ان اكثر من ثلثي المواطنين الامريكيين يدعمون السيطرة على امتلاك الاسلحة بشكل او بآخر, وخصوصا التشريعات التي تطالب بمنع امتلاك الاسلحة الهجومية والزام الصانعين بتزويد الاسلحة بوسائل امان ضد الاطلاق واظهار شهادة حسن سلوك لكل من يريد امتلاك سلاح ناري. لكن ومع وجود معارضة قوية لمعظم اشكال السيطرة هذه والانقسام الحزبي العميق حول هذه القضايا, فانها بالتأكيد ستظل تشكل مثارا دائما للنزاع. ويشير المعارضون الجمهوريون لقوانين التحكم بالسلاح الجديدة الى ان القوانين الموجودة مسبقا لايتم تطبيقها بالشكل الكافي. ويذكرون مثالا على ذلك انه وفي السنوات القليلة الاخيرة تم ضبط ستة الاف طفل وهو يحاول ادخال السلاح الى مدرسته , ومع ذلك لم يتم التحقيق رسميا, الا بثمانية حالات فقط. كما يجادلون بان اية قوانين جديدة لن تساهم الا في خلق تعقيدات حكومية جديدة ولن تخفف بالضرورة من مستوى العنف, اضافة لذلك يقول الجمهوريون ان العنف لن تتم محاربته الا من خلال التأكيد على القيم والانضباط وفرض القانون. ومع ان هذه الامور قد تكون صحيحة. الا ان حوادث اطلاق النار في المدارس الثانوية مؤخرا, والمشكلة العامة التي يمثلها العنف المزمن قد خلقت مطلبا شعبيا عاما هو الحد من امتلاك الافراد للاسلحة باية وسيلة كانت. والاصلاحات المعتدلة التي تم اقتراحها مؤخرا هي احدى السبل لتلبية هذا المطلب الشعبي للتحرك وفعل اي شيء. لكن الاحصائيات على كل حال تؤكد ان المشاكل التي شملتها الاسلحة والعنف هي اخطر من أن تحتاج لتشريع واحد فقط لحلها.