من المعروف أن مبدأ التعميم في الحكم على الأفراد والمجتمعات وعلى الظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لا يمكن أن يعطي صورة صحيحة عن أولئك الأفراد المتباينين الذين يشكل كل منهم حالة خاصة قائمة بذاتها , ولا عن المجتمعات التي كثيراً ما تختلف عن بعضها بعضاً بسبب اختلاف بيئاتها وظروفها. وهذا أيضاً ينطبق على جميع الظواهر الأخرى التي أشرنا اليها آنفاً. أسوق هذه المقدمة من وحي مقالة بعنوان (الاضمحلال) كتبها الكاتب أحمد عمرابي, في زاوية خط مباشر وفي صفحة قضايا وآراء وذلك بتاريخ 11 مايو ,1999 حيث لاحظ توقف الأمة العربية عن إنجاب المبدعين والموهوبين العباقرة في الفترة الراهنة. مضمون مقالة: الاضمحلال يتلخص مضمون المقالة في إيراد عدد من أسماء المشاهير العرب مثل محمد عبد الوهاب, فريد الأطرش, فيروز, الرحابنة في مجال الموسيقى والغناء, ومثل أحمد شوقي والشابي والبياتي وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ في مجال الادب, وكذلك إحسان عباس وعلي الراعي في مجال النقد. إضافة الى محمد حسنين هيكل في مجال الصحافة. وبعد أن يؤكد الكاتب أنه لا يوجد أحد من العرب حالياً يمكن ان يقارن بمن أتى على ذكرهم, يتساءل: لماذا توقفت الأمة العربية عن إنجاب عبقريات؟ زاعماً بأن ظهور العبقريات يعد بداية لمرحلة ازدهار حضاري والعكس صحيح ثم يشفع الكاتب تساؤله الأول بتساؤل آخر هو: لماذا كانت عقود الثلاثينات والأربعينات والخمسينات أفضل حضارياً في الوطن العربي مما أتاح مولد ونشوء عبقريات في كل المجالات؟ وهنا يبدأ الكاتب بالإجابة عن تساؤلاته حيث يقول: ان نوعية التعليم ونوعية البيئة الثقافية العامة هي التي تقرر مدى حيوية أو موات الطبقة الوسطى.. ويرد السبب في نشوء الموهوبين خلال العقود الزمنية التي ذكرها, الى عالمية الثقافة الأوروبية المتمثلة في الثقافتين الاستعماريتين البريطانية والفرنسية اللتين سادتا في العالم العربي خلال خضوعه لهاتين الدولتين. حيث يرى الكاتب أن الثقافتين المذكورتين كانتا غالبتين على المناهج التعليمية من الابتدائية حتى الجامعة وما بعد الجامعة الأمر الذي أتاح للدارسين فرصة تعلم اللغة الانجليزية أو الفرنسية, وجعلهم يتشربون ثقافة وأفكار أهل هاتين اللغتين!! وأخيراً يقرر الكاتب ان الطبقة الوسطى قد تلاشت من العالم العربي حالياً, بسبب ما أسماه رسوخ نظام اقتصاد السوق الحرة الذي ضرب أصحاب المؤهلات العلمية لصالح الحرفيين والسماسرة. مضيفاً الى ذلك أن ضمور دور الدولة أدى الى انهيار التعليم والنظام الصحي والى الغزو الثقافي الأمريكي للعالم العربي. الرد من الطبيعي ألا يختلف أحد مع الكاتب أحمد عمرابي على تميز وعبقرية وإبداع الأسماء العربية التي ذكرها في بداية مقالته, في مجالات الغناء والموسيقى والشعر والنقد الأدبي والصحافة, كما لا يستطيع أحد أن ينكر الدور الحيوي الذي قام به أولئك الموهوبون في تنوير الوعي العربي في أكثر من جانب, لكن الاستهانة بمن أتى بعد هؤلاء ونفي صفة الإبداع والموهبة عنهم هو أمر لا أعتقد بأن أحداً يوافق الكاتب على ما ذهب اليه. والأمر الذي قد يكون مقنعاً أكثر, وواقعياً أكثر, هو أن المبدعين والموهوبين العرب حالياً في مختلف ضروب العلم والمعرفة والإبداع في كافة اتجاهاته, لا هم أقل ولا هم أفضل من سابقيهم. كما أن هؤلاء السابقين الذين أشار اليهم الكاتب, لا هم أفضل ولا هم أقل من نظرائهم في الوقت الراهن, لأن الجميع في نهاية المطاف هم أفراد من البشر, لهم نقاط ضعفهم ونقاط قوتهم الفكرية أو الإبداعية, وبالتالي فليس هناك أي مبرر الى معاملة السابقين بنوع من القداسة لهم أو الشعور بالنقص أمامهم, مثلما ليس هناك أي سبب لتبخيس جهود ومواهب من أتوا بعدهم والذين يتواجدون حالياً على ساحة الفكر والإبداع في الوطن العربي. وعلى هذا, فإن من الموضوعية أن يخفف الكاتب من مغالاته قليلاً في التعصب لما مضى, وان يحاول أخذ المتغيرات والظروف المستجدة بعين الاعتبار لدى الحديث عن الراهن المعيش.. علماً بأن أية ظاهرة سبقت, لا يمكن أن تتكرر أبداً بالشكل الذي كانت عليه, إلا إذا تكررت كافة الشروط التي ساهمت في صنع تلك الظاهرة, فطه حسين مثلاً لن يتكرر أبداً, إلا اذا تكرر كل شيء يتعلق بولادته وأسرته وبيئته وظروف بلاده من كافة النواحي. أما ادعاء الكاتب أحمد عمرابي بأن نشوء العبقريات والمواهب العربية, نجم عن الثقافتين الاستعماريتين البريطانية والفرنسية وعن وجودهما في المناهج الدراسية, فهو ادعاء أبعد ما يكون عن الصواب, وفي هذا السياق نود أن نذكر بأن التعليم في العالم العربي خلال خضوعه للاستعمار, كان في أشد حالات الضعف واللا جدوى, حيث لم يكن معنياً بتدريس العلوم والمعارف التطبيقية, أو ملبياً لأقل احتياجات المجتمع, كما كان أشبه ما يكون بعملية ديكور لتزيين الوجه الاستعماري القبيح. أضافة الى أن التعليم خلال عهود الاستعمار كان محدوداً للغاية. فأعداد الدارسين ضئيلة جداً, وما كان يهم سلطات الاستعمار في المقام الأول إنما هو سيادة الجهل ونشر الخرافة وروح التواكل والاستسلام, أما قول الكاتب بأن تعلم اللغة الإنجليزية أو الفرنسية هو الذي أدى الى ظهور الموهوبين والعباقرة الذين ذكرهم فهو قول مردود ولا أساس له. فأولئك الموهوبون والعباقرة بذلوا جهوداً ضخمة في تثقيف أنفسهم من خلال الاطلاع على مختلف الثقافات العربية والفرنسية والانجليزية والروسية والالمانية وغيرها. والفضل كل الفضل لدأبهم وجهودهم الشخصية ومتابعاتهم المستمرة لحركة الثقافة والفكر, وليس لمجرد تعلمهم هذه اللغة أو تلك بالرغم من أهمية ذلك. ولو أجال الكاتب نظره في مختلف أرجاء وطننا العربي حالياً لوجد كثيراً من اسماء الموهوبين والعباقرة في مجالات الأدب والثقافة والفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي وفي مجال الموسيقى والطب وكثير من فروع العلم والإحصاء ليتأكد بأن الحاضر ليس مواتاً ــ كما يقول ــ بل هو حاضر واعد ينبض بالحياة والأمل. ونحب أن نؤكد على أنه لو كان المناخ العربي العام مستقراً ومساعداً على أمور البحث والإبداع بشكل أفضل, لكان من الممكن أن نفخر بحاضرنا وألا نحس بأي شعور بالنقص. والدليل على ذلك هو أن المواهب والعبقريات العربية مقيمة الآن في العديد من البلدان المتقدمة, وأن عدد من يعدون من أصحاب المواهب والاختصاصات النادرة في تلك البلدان, يقدر بمئات الألوف من العرب وهذا أمر لا حاجة الى البرهان عليه. أما قول الكاتب بأن الطبقة الوسطى العربية قد تلاشت, فهو قول عام لا تسنده أية إحصائيات موثقة, ومن المحتمل أن بعض الأقطار العربية قد شهدت بعض التأثرات بالنسبة للطبقة الوسطى, إلا ان هذه الطبقة موجودة في معظم الأقطار العربية. بقي أن نقول, إن دور الدولة في العالم العربي لم يشهد أي ضمور حتى الآن ــ خلافاً لما ذهب اليه الكاتب ــ وبالتالي فإن أنظمة التعليم لم تشهد انهياراً كما لم يشهد النظام الصحي أي انهيار, بالرغم من وجود جوانب ضعف فيهما, وفيما يتصل بالغزو الثقافي الأمريكي الذي أشار اليه الكاتب, فإننا نقول بأن الثقافة الأمريكية تحاول أن تغزو جميع بلدان العالم. ومن يود أن يتصدى لذلك الغزو, يترتب عليه أن يثبت بالممارسة الفعلية والعمل المتفوق أن منطلقاته الفكرية والثقافية والمسلكية هي الأكثر جدارة ومنفعة. * كاتب سوري