تمر روسيا حالياً بأسوأ فترات تاريخها الحديث على الإطلاق. ولم تفعل المجاعة الشهيرة التي ضربت انحاء الإمبراطورية الروسية سنوات الحرب العالمية الأولى, ما فعلته سنوات حكم الرئيس بوريس يلتسين للروس . أما إذا قارنا ما يحدث اليوم في روسيا بسنوات الحكم الشيوعي, رغم كل ما يقال عنه, فان الأمر سيغدو مثال تندر وتهكم لا حدود له. مشكلة الروس الأحياء انهم يعيشون اليوم تحت رحمة انهيار واسع ومجنون لدولتهم بات يضرب كل شيء. فالخزائن خاوية, وشبكات المافيا تعبث بكل ما تطاله يدها. من نهب الأموال الشحيحة أصلا وتهريبها الى الخارج, الى تدمير البنى الإنتاجية وحتى السيطرة الكاملة على السلطة السياسية. الضواحي والأرياف الروسية تعود تدريجيا ولكن حثيثا الى ما قبل عصر الكهرباء والآلة. فيما شبح المجاعة يحوم حول رؤوس الملايين من الفقراء الروس المنتشرين في الأصقاع البعيدة كما في ضواحي موسكو نفسها. أما رئيس الدولة فينام مستريحا في منتجع سوتشي على البحر الأسود, بعد أن أدى مهمته في إقالة حكومة رئيس الوزراء يفجيني بريماكوف, وهو التغيير الحكومي الثالث في غضون أقل من سنة. استطلاعات الرأي تشير الى أن أغلب الروس باتوا يحملون يلتسين مسؤولية اشعال حرب الشيشان ويدينون إقدامه على تفكيك الاتحاد السوفييتي السابق! لكن الرئيس الروسي لا يأبه بكل ذلك. وربما لانه مقتنع بأن هذا كله مجرد همهمات لن تغير من واقع الأمر شيئا. مثلها مثل همهمات أعضاء البرلمان (الدوما) الذين يملأون الفضاء السياسي بجعجعة سحب الثقة منه, لكن دون طحين! فالسلطة الفعلية والحقيقية تظل في أيد أمينة, من الخلصاء أمثال المرابي اليهودي الملياردير بوريس بيريزوفسكي واناتولي تشوبايس واضرابهما. هؤلاء هم الذي يملكون اليوم روسيا, من وسائل الإعلام الى البنوك والمصانع وحتى الكرملين نفسه. وقد دفع بريماكوف وحكومته ثمن محاولة المساس ببيريزوفسكي. ويقينا أن يلتسين نفسه لو حاول المساس بزعماء المافيا لما كان مصيره بأفضل من بريماكوف, ولما كان يستطيع اليوم الاستجمام في سوتشي. ولذلك فانه يرد ببساطة على المعارضة قائلا إذا كنتم تريدون أن تضربوا هذه المافيا, فان عليكم قبلها أن تفكروا في توفير البدائل. ثم عليكم أن تتدبروا أمور روسيا بأنفسكم. ليس مواجهة حالة الإفلاس والانهيار الاقتصادي فحسب, وانما أيضا مواجهة غضب المعسكر الغربي الذي يحمي المافيا. هنا يسقط في أيدي هؤلاء, فيضطرون للرضوخ وتفويض الأمر الى يلتسين. ومع هذا التفويض تستمر المافيا في جرائمها, والمتمثل أبرزها في استنزاف أموال البلاد وتهريبها للخارج (بمعدل ملياري دولار شهريا). هذا الأمر هو الذي يفسر عجز المعارضة الروسية حتى الان عن أخذ زمام المبادرة ومواجهة حالة الانهيار الشامل. كما يفسر بدوره عجز المواطنين الروس. الذين تدغدغ عواطفهم مساعدات وقروض صندوق النقد الدولي والمرهونة بالإبقاء على طواقم الفساد والإفساد في الحكم. الغريب أن جزءا مهما من هذه المساعدات يختفي بصورة مريبة, وربما باستثناء دائرة ضيقة محيطة بالرئيس الروسي, فانه لا البرلمان ولا غيره يعرف شيئا عن ذلك. وقد يفسر التغيير السريع للحكومات محاولة لمنع الوصول الى أي خيط يدل على اختفاء هذه الأموال, فضلا عن محاولة التصدي الفاعل للفساد المستشري. هكذا تمضي روسيا تترنح تحت ضربات المافيا وبطانة الرئيس وعجز المعارضة ولا مبالاة الروس. يقال أن هذه البلاد الشاسعة والغنية تمتلك ثروات وإمكانيات مادية وبشرية ضخمة, وان لها موعدا قريبا مع المستقبل. وقصة الثروات والإمكانيات صحيحة. لكن ما فائدة كل ذلك إذا لم يجر استغلاله. إذا لم يتحول الى عامل حقيقي في نهوض البلاد واستعادة دورها المفقود! ما الجدوى إذا لم تكن هناك الإرادة السياسية القادرة على استثمار ذلك كله, في سبيل إخراج روسيا من هذا التدهور الخطير! إن الأمر الملفت هنا هو أن الروس الذين تظاهروا يوميا في شوارع موسكو ضد الحكم السابق, وواجهوا انقلاب أغسطس 1991 الفاشل, يظهرون اليوم صمتا غير مفهوم إزاء حكم الرئيس يلتسين رغم المعاناة الرهيبة التي يحيونها, ورغم المخاطر الجدية التي تتهدد بلادهم ومستقبلهم. وإذا كان صمت الدول الغربية إزاء ما يجري في روسيا مفهوما, في موازاة الضجيج المتصاعد حول حقوق الإنسان في الصين أو في غيرها فان سلوك الطبقة السياسية الروسية وصبرها على الوضع أمران يتجاوزان حدود الفهم والمنطق. ليس المقصود هنا اللجوء الى العنف والانقلاب العسكري, اللذين باتا خارج دائرة العمل السياسي في روسيا, لكن المقصود هو رفع صوت الاحتجاج ضد هذا الوضع بالأساليب التي توفرها القوانين الروسية نفسها. ان هذا الأمر الأخير بالذات يبعث على الدهشة والحيرة في آن معا. يبقى أمر آخر متعلق بالدور الروسي الخارجي, لاسيما أن هناك من يعلق آمالا على هذا الدور سواء في الشرق الأوسط أو خارجه. لسنا في معرض التقليل من أهمية الدبلوماسية الروسية أو قدرات رجالها وخبرتهم في التعامل مع الشؤون الدولية لكننا في الوقت نفسه نشك في قدرة موسكو وفي ظل الظروف التي تعيشها, على القيام بأي عمل سياسي أو دبلوماسي حقيقي وفاعل على صعيد القضايا الخارجية. وربما تفصح الطريقة المهينة التي يتعامل بها حاليا حلف شمال الأطلسي مع روسيا فيما يخص حرب يوغسلافيا, تفصح عن فحوى وطبيعة الموقع الذي باتت تحتله موسكو على الساحة الدولية. أما فيما يختص بالقضايا الأخرى سواء عملية السلام الشرق أوسطية أو أزمة العراق, فان الدور الروسي رغم حضوره ليس سوى ظلال آثار لدولة كانت في يوم من الأيام قوة عظمى. صحيح أن لموسكو مصالح حيوية في المنطقة العربية, وصحيح أن لها تاريخا ومعرفة طويليم في التعامل مع هذه الدول وأنظمتها بيد أن ذلك كله يظل في إطار ما يمكن تسميته بالإرث السياسي والدبلوماسي للاتحاد السوفييتي السابق. وللأسف فإن جمهورية روسيا الاتحادية لم تستفد بما يكفي من هذا الإرث, ولم تعمل على تطويره في الاتجاهات الملائمة لطبيعة معطيات فترة ما بعد الحرب الباردة. ربما لان أوضاعها الاقتصادية والسياسية لا تسمح لها بمثل هذه الاستفادة, بقدر ما تضيف اليها أعباء جديدة فوق الأعباء التي تحملها على كاهلها المتعب. وربما لأن تقسيم النفوذ الدولي لمرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق قد جاء من بين ما جاء, على حساب الروس ومصالحهم ومناطق نفوذهم. ربما كان هذا أو ذاك هو السبب, غير أن النتيجة تظل واحدة, وهي أن بلدا يعاني من التآكل والعجز داخليا, لا يمكنه ولا يجب ان يتوقع منه أن يمارس أي دور خارجي, جدي وفاعل.