ذهبت المعارضة العراقية مرة أخرى إلى واشنطن الاسبوع الماضي, للبدء في تنفيذ خطة أمريكا المسماة (قانون تحرير العراق) , وكالعادة إلتقى الوفد الموحد للمعارضة مسؤولين أمريكيين أبرزهم مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية, غير أنه لأول مرة, ينقسم حول هذه المعارضة , لا العرب والعراقيون فحسب, وإنما الأمريكيون أيضاً, بإعلان العسكريين وعلى رأسهم قائد القيادة المركزية للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط الجنرال أنطوني زيني, معارضتهم تسليح هذه المعارضة. وهكذا سمعنا عن تسليح المعارضة العراقية بأجهزة فاكسميلي, وكمبيوتر وكاميرات تصوير وأجهزة سحب ونسخ ورق وكميات من القرطاسية من ورق وأقلام ومساطر ومحايات وما إلى ذلك, لزوم معركة تحرير العراق, بعد ان قررت واشنطن حسب الخطة تزويد المعارضة بمعدات ليس من بينها أسلحة قاتلة. وعلى ضوء هذا الدعم اللامحدود للمعارضة العراقية وعلى ضوء هذا التسليح نستطيع ان نقول لصدام: أبشر بطول سلامة يا مربع, لأنه من الواضح أن أمريكا تعد لاسقاط النظام بطريقة نظيفة لا تطلق فيها رصاصة ولا تسيل قطرة دم, فالفاكسات والكمبيوترات وأجهزة الهاتف النقال وغيرها من معدات وأجهزة يمكنها أن تقوم مقام الصواريخ والبنادق والرشاشات والقنابل, فنشهد بعدها عصر ثورة الفاكس والكمبيوتر والمحمول, الذي يستطيع القضاء على نظام حكم جبار مثل الحكم العراقي. غير أن الادارة الأمريكية واضحة أكثر من ذلك في موقفها إحقاقاً للحق, فهي تقول إنها تعد المعارضة لما بعد صدام, لا للإطاحة بصدام, بدليل معارضة تسليحها والاكتفاء بتمويل إداري لها, كتمكينها من فتح مكاتب وفروع وتدريبها على تسلم الحكم وإدارته إبتداء من اليوم التالي مباشرة على رحيل صدام, بما في ذلك تحصيل الضرائب وتنظيم المرور في الشوارع وتنظيف الارصفة من القاذورات وما إلى ذلك مما تتطلبه إدارة أي بلد متحضر في العالم, أما إطاحة صدام نفسه فليس من شأنها. مع ذلك فإن هذه المعارضة التي ذهبت الى واشنطن وتنسق مع المدعو ريتشاردوني وتتخذ من لندن مقراً لاتصالاتها وتصريحاتها, لم تسلم من نقد ذوي القربى, وهم هنا, لا العرب الذين لم يتحمسوا لخطة تحرير العراق الأمريكية, بل العراقيون أنفسهم بما في ذلك أجنحة من المعارضة, ذهب بعضها إلى حد إتهام المعارضة بالعمالة لواشنطن وبالخيانة, فذكرت بالإتهامات الرسمية العراقية. طبعاً موضوع الخيانة والعمالة غير موجود, لأنه إذا فتحنا باب الاتهام فإنه لن يسلم أي معارض من تهمة مماثلة, سواء في عمالته لواشنطن أو لغيرها, ذلك لأنه لم يحدث حتى الآن ان تمكنت معارضة أو ثورة من الانتصار على غريمها من دون مساعدات من جهات ما, كالحصول على ايواء مثلاً أو دعم مادي أو عسكري, فيما عدا الثورات الشعبية الداخلية التي تصنعها جماهير الشعب نفسها, وهذه اليوم ينطبق عليها للأسف قول الجواهري: نامي جياع الشعب نامي, حرستك آلهة الطعام... مع أنه لا طعام في العراق. وعليه, فإن الأنسب للمعارضة العراقية الضعيفة والمفككة والمشغولة ببعضها البعض أكثر من إنشغالها بالعراق, والتي تجد نفسها بين سندان العرب الرافضين لها وغير المؤيدين ومطرقة أجنحة من المعارضة تتهمها بالعمالة والخيانة, هو أن تحصل على الدعم اللازم, من صدام حسين نفسه, سواء دعم مادي أو عسكري, لكي تنجز مهمة ما يسمى بتحرير العراق, فيكون لدينا لأول مرة في التاريخ, لا ثورة تنتصر إدارياً كما تريد واشنطن, وإنما معارضة تنتصر بتمويل من النظام نفسه الذي تسعى لاسقاطه, لكي نسميها بعد ذلك معارضة وطنية حقاً, فيرضى عنها العرب وبعض العراقيين.