برتراند راسل من فلاسفة القرن البارزين, ومن علماء الرياضيات المشهورين في بريطانيا والعالم, ومع ذلك فإن تهافت الناس على شخصه, لم يأت بناء على ذلك , وإنما لكونه قد شغف بالقضايا الإنسانية التي دافع عنها مثل حظر الأسلحة النووية والسعي لمنع الحروب. وهو إلى جانب ذلك كان حاضر البديهة يتمتع بروح النكتة وتوقد الذهن, وعدم المساومة على مواقفه. من عباراته التي تبقى عالقة في الذهن, عصية على النسيان, والتي تحمل دلالات كبيرة أكثر مما تعنيه من الفلسفة المجردة, قوله انه (لكي ينتج المجتمع شخصيات عظيمة, ينبغي أن تضيف الدولة إلى الحريات الأربع, حرية خامسة هي: حرية الخروج على المألوف) والعبارة تقف بقوة التحدي لتقول لكل الذين يعتقدون بأن أمان البشرية في قمع الحريات ومصادرة الآراء يكفي اغتيالا لانسانية الإنسان, فلا نتيجة لاغتيال الحرية سوى توالد المزيد من الشخصيات الممسوخة, والبشر الأقرب للموت أو الهيجان المخرب للذات والحياة. برتراند راسل يطالب بحرية الخروج على المألوف, فهذه الفضيلة هي الطريق الوحيد لولادة شخصيات عظيمة, وهو كلام أثمن من ماس الدنيا لو تأملناه جيدا. وجمعية (مراسلون بلا حدود) في نشرتها السنوية التي وزعتها في باريس الاسبوع الماضي, أفادت في رصدها السنوي بأن 19 صحفيا قتلوا خلال أداء واجبهم المهني عام 1998 في مقابل 26 في العام 1997 وان 93 كانوا مسجونين في جميع أنحاء العالم حتى 31 ديسمبر من العام المنصرم (طبعا هناك أنظمة لا تعطي معلومات رقمية صحيحة في هذا الشأن تحديدا). كما تفيد النشرة أيضا بأنه في العام 1998 استجوب 487 صحفيا, وتعرض 697 للاعتداء والتهديد, وخضعت 501 وسيلة اعلامية للرقابة. هذه الأرقام لا تحتاج إلى تحليل وذكاء كي يتوصل المرء إلى ان حرية الصحافة تتعرض للقمع من قبل بعض الأنظمة السلطوية, فيما لا يقل عن 30 دولة ــ حسب النشرة ــ يعيش فيها مليارا نسمة, ففي العام 1994 قتل 48 صحفيا في رواندا و18 في الجزائر, بينما قتل في العام ,1998 أربعة صحفيين في كولومبيا. تأتي روسيا والمكسيك ضمن الدول الأكثر تهديدا لحياة (الباحثين عن الحقيقة), حيث يتعرض الصحفيون للموت نتيجة اقدامهم على التوغل والتحقيق في قضايا فساد النواب, والاصطدام بجماعات المافيا الذين يقلقهم الاعلام المستقل فليجأون إلى التصفية الجسدية مباشرة! في ظل واقع كهذا يصبح البحث عن الحريات الأساسية هو المطلب الأكثر الحاحا في مناخ العالم الثالث, قبل المطالبة بحرية الخروج على المألوف, فهذه الحرية كما تخلق شخصيات عظيمة ــ حسب قول راسل ــ فإنها تقودهم للموت مباشرة, ذلك ان كثيرين يهمهم عدم وجود شخصيات من هذا النوع حرصا على مصالحهم, كما ان حرية من هذا النوع لا توفرها إلا حكومات خرجت هي نفسها على المألوف لانها آمنت بضرورة ذلك.