لم يكن ينقصنا الا ان تخرج التظاهرات في الشوارع العربية تعلن الفرحة بالنصر العظيم, وتطلق الزغاريد وتوزع (الشربات) احتفالا بفوز باراك في الانتخابات الاسرائيلية ...! واذا كانت بقية من عقل او من حياء قد جنبتنا مثل هذه الفضيحة, فإن ما شاهدناه ونشاهده من مظاهر الترحيب العربي المبالغ فيه بفوز باراك يبقى عصياً على الفهم, فلا تاريخ الرجل, ولا برنامجه الانتخابي, ولا تصريحاته العلنية تبرر صيحات الانتصار العربية بفوز السيد باراك...! ان باراك لم ينجح لانه قدم رؤية استراتيجية للمنطقة في ظل السلام العادل, ولا لأنه اعترف بما اقترفته اسرائيل في حق العرب, ولا لانه ادرك ان الارض العربية ينبغي ان تعود كاملة لاصحابها. وانما نجح لان خصمه في الانتخابات ارتكب كل الاخطاء الممكنة وغير الممكنة خلال سنوات حكمه الثلاث. وليس المقصود هنا اخطاءه في حق العرب ولا في نسف مسيرة السلام. فهذه (انجازات) تحسب له عند انصاره في الانتخابات, ولا يعترض عليها خصومه اعتراضا حقيقيا! اخطاء نتانياهو الاساسية اولها واهمها يتمثل في تردي العلاقة مع امريكا فكانت النتيجة قراراً امريكيا باسقاطه ثم تنفيذه بمعاونة الجميع... خاصة في ظل مناخ تدهورت فيه الاحوال الاقتصادية, وساد السخط بين أغلبية الاسرائيليين الذين وجدوا ان سياسات نتانياهو ادت الى عزلة اسرائيل والى انحسار اقتصادي وتراجع في الاستثمارات الاجنبية وتباطؤ في معدلات التنمية والنتيجة ازدياد نسبة البطالة وانهيار الثقة بالاقتصاد الاسرائيلي. وهكذا سقط نتانياهو لانه اصبح يمثل عبئا على الجميع. على الاسرائيليين بسبب سوء الاحوال الاقتصادية اساسا, وعلى امريكا لانه يفسد مخططاتها الرامية لبناء شرق اوسط جديد يكون لاسرائيل فيه مكان القيادة بعد تطبيع علاقاتها مع العرب, وعلى الفرقاء العرب والفلسطينيين الذين قدموا كل ما يمكنهم من تنازلات, فإذا نتانياهو يضعهم في موقف شائك برفضه حتى اعطاء القليل الذي يحفظ ماء الوجه و... مقاليد السلطة! سقط نتانياهو بسبب اخطائه وحماقاته, ونجح باراك لنفس الاسباب ودون ان يقدم البديل الحقيقي لسياسات نتانياهو, وبحملة انتخابية تعمد ان ترضي الجميع دون ان يقدم فيها التزاما حقيقيا الا بأمن اسرائيل وتفوقها... ومع ذلك فالافراح العربية مازالت قائمة دون مبرر حقيقي وبلا سند الا الاوهام التي يخلقها البعض... ثم يصدقونها! وللحق فإن الرجل (نقصد باراك) لم يكذب ولم يتجمل بالنسبة لنا, وفي الوقت الذي كانت كل الضغوط تمارس لكي تصب اصوات عرب 48 في مصلحته, كان الرجل يؤكد مواقفه بكل وضوح, ويعلن سياسات لا تختلف عن سياسات نتانياهو الا قليلا فيما يخص التسوية السياسية للصراع العربي الاسرائيلي. وكان يزايد على نتانياهو فيطرح نفسه على شاشات التلفزيون في افلام الدعاية الانتخابية على انه رامبو الذي عرف كيف يتعامل مع العرب باللغة التي يفهمونها... لغة السلاح, فهو قائد اشهر فرق الكوماندوز الاسرائيلي الذي حرر الطائرة المختطفة في مطار تل ابيب عام 1970 وبعدها تنكر في زي عامل فني ليقود عملية عنتيبي, وهو الذي تنكر في صورة امرأة شقراء وشارك في عملية تصفية القيادات الفلسطينية في بيروت حيث تم اغتيال كمال ناصر وكمال عدوان وابويوسف النجار, وهو بعد ذلك مهندس عملية اغتيال ابوجهاد في تونس عام 1988. هذا هو الرجل الذي يفترض فيه ان يقود معسكر السلام في اسرائيل, في حين ان احد اسباب نجاحه كان تحويل حزب العمل ليكون اكثر يمينية, ولينافس نتانياهو على اصوات المتشددين والمتطرفين اليهود, ومع ان القيادات الفلسطينية والعربية كانت تطمئننا بأن هذا كله مجرد (كلام انتخابات) قابل للتعديل, فإن الرجل لم يترك لهؤلاء المتفائلين بلا سبب فرصة التقاط الانفاس, فما كاد يطمئن الى نجاحه حتى ذهب الى جماهيره المحتشدة في احدى ساحات تل ابيب حتى الفجر, ليعلن امامهم تمسكه بكل كلمة قالها فيما يخص مسيرة سلام الشجعان اياها. وهكذا اكد قائد فريق السلام السيد باراك اللاءات الأربع التي تمثل الخط الاحمر الذي لا يجوز الاقتراب منه في اي مفاوضات للسلام وهي... (لا) لتقسيم القدس التي ستظل عاصمة موحدة وابدية لاسرائيل, و(لا) لحق العودة للاجئين الى اراضيهم المغتصبة في فلسطين, و(لا) لاي وجود فلسطيني مسلح في الغرب من نهر الاردن و (لا) للتنازل عن المستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية التي ستبقى تحت سيادة اسرائيل! ولم يكن ذلك كله خافيا عن الذين نصبوا (مولد سيدي باراك) ودعوا العرب لتأييده, وأقاموا الاحتفالات لنجاحه العظيم وصوروه على انتصار للأمة العربية والقضية الفلسطينية سوف نتمكن بعدها ــ بإذن الله ــ من اقتحام القرن الواحد والعشرين ونحن في خير ... وسلام!! لم يكن ذلك كله خافيا عن الذين نصبوا (مولد سيدي باراك) ولكنهم كانوا يدركون ان نجاح نتانياهو سوف يضعهم في موقف عصيب, فلاهم قادرون على مواجهته, ولا هم قادرون على تقديم المزيد من التنازلات, ولا هم قادرون على القبول بالمزيد من المهانة, ولا هم يملكون اي تصور للمستقبل بعد ان قامروا بكل ما كان لديهم في أوسلو, ولم يعد لديهم إلا الرضوخ لما تقرره اسرائيل وتعتمده أمريكا, واللعب على الهامش الضيق بين مصالح واشنطن وطموحات تل أبيب! وبعيداً عن الأفراح العربية والليالي الملاح التي يعدنا البعض بها في ظل القيادة الرشيدة لحمامة السلام السيد باراك.. يبقى السؤال: وماذا بعد ان ينفض المولد وتظهر الحقيقة ويعود الجميع للتعامل مع الواقع الذي مازال ــ للأسف الشديد ــ مريرا؟! ان أقصى ما يقدمه السيد باراك وفقا لتوقعات المتفائلين هو ان يمضى في تنفيذ اتفاق (واي بلانتيشن) .. ليس لأنه يريد أن يكافىء العرب على جهودهم في إنجاحه, ولكن لأن الاتفاق يحقق مصالح اسرائيل ويفتح أمامها أبواباً أغلقها نتانياهو بحماقته وأخطائه.. فتتحسن العلاقات بين تل أبيب والإدارة الأمريكية, وتخف الضغوط الأوروبية على اسرائيل, وتتدفق الاستثمارات الجديدة لتساعد على تحسين الاقتصاد الاسرائيلي. وطبقا لهذه التوقعات المتفائلة ستبدأ المباحثات على القضايا الاساسية المؤجلة للمباحثات النهائية, وفي ظل (لاءات) باراك التي لا تختلف عن (لاءات) نتانياهو والمتطرفين اليهود فلن يتحقق شيء في هذه المباحثات ونفس الشىء فيما يتعلق بسوريا ولبنان, فقد يتم الاتفاق على بدء المباحثات مع دمشق من (نقطة ما) لا تلتزم بالضبط بما تم الاتفاق عليه مع حكومة رابين ولكنها تقترب منها. أما متى تنتهى المباحثات فتلك قضية أخرى أظن أنها تحتاج لانتخابات اسرائيلية جديدة قبل إتمامها! والأهم من ذلك أن العرب مطالبون بتقديم (عربون المحبة) للقادم الجديد في تل أبيب تحت زعم تشجيعه على اتخاذ هذه الخطوات الوهمية في طريق السلام! والضغوط قد بدأت من أجل المزيد من التنازلات, والدعوات ستتوالى لكي يترجم العرب بهجتهم بنتائج الانتخابات الاسرائيلية في خطوات عملية! ومن الان وحتى قبل تشكيل الحكومة الاسرائيلية الجديدة, بدأ الحديث الأمريكي عن خطوات عربية مطلوبة في طريق التطبيع لمساندة جناح السلام(!!) بقيادة الجنرال باراك. وبدأ البعض يطرح ضرورة (تسخين) السلام البارد بين القاهرة وتل أبيب, بل التساؤل حول إمكانية زيارة الرئيس مبارك لاسرائيل واتخاذ خطوات في العلاقات السياسية والاقتصادية مع الدول العربية.. وخاصة مع دول الخليج! ولم نتحدث عن قمة عربية مطلوبة لمواجهة التطورات الجديدة في المنطقة, بعد أن أصبح الحديث عن القمة ضربا من الأحلام العربية المؤودة. وإنما نتحدث فقط عن ضرورة التنسيق في المواقف العربية حتى لا يدفع العرب ثمن نجاح باراك كما دفعوا من قبل ثمن نجاح نتانياهو. ان الخطوات التي اتخذت في تحسين العلاقات بين عمان ودمشق يجب ان تستمر وتقوى. والقيادة الفلسطينية يجب ان تكون قد تعلمت الدرس فلا تواصل مسيرة التنازلات أو الانفراد بالقرارات. والدور المصري الهام يجب ان يستمر مهما كانت الضغوط, ومحور القاهرة ــ دمشق ــ الرياض لابد ان يتدعم. والرسالة العربية لابد ان تكون واضحة: لا أمن ولا سلام ولا استقرار في المنطقة إلا بعودة الحقوق العربية المشروعة كاملة وتخلى اسرائيل عن عنصريتها النازية الصهوينية. ان البعض يلخص الموقف بأن نتانياهو الرافض للتفاوض قد سقط, وجاء باراك المفاوض المتشدد.. فهل يستحق هذا ان نقيم الاحتفالات؟ وهل سيكون التفاوض في حد ذاته هو الهدف الذي يلجأ اليه الاسرائيليون كالعادة لكسب الوقت وفرض الأمر الواقع ويرضى به العرب لانهم لا يملكون حلاً آخر ولأنه يجنب البعض خطر مكاشفة حقوقهم بخطأ الطريق الذي بدأ بالتنازل ولن يؤدي ــ في كل الأحوال ــ الى حل يرضي الطموحات المشروعة للعرب. فهل يتوقف مولد سيدي باراك, ونستعد للمواجهة الصعبة التي يتوجب علينا ان نخوضها في ظل ظروف تختلف.. ينكسر فيها طوق العزلة الذي نجح نتانياهو بحماقته وأخطائة في اقامته حول اسرائيل, وتستعيد فيها تل أبيب أوراق الضغط الأمريكية والتفاهم الأوروبي؟ أم سيمضى وقت طويل قبل ان نكتشف الحقيقة.. وهي أن الأهداف الاسرائيلية لم تتغير, وإنما الطرق المؤدية لتحقيقها فقط هي التي يجرى عليها التعديل, والاشخاص الذين ينفذونها يتبدلون مع كل مرحلة ووفقا للمصالح الاسرائيلية وحدها؟! و... اسلمي أمة العرب!!!