تصور حاكما يدعو كل شعبه على العشاء ويقدم له بيده الشواء. تصور حاكما يعرف عن شعبه كل شيء .. من اصيب بالبرد .. ومن اشترى سيارة جديدة ... ومن تشاجر مع زوجته .. ومن لم يستطع ان يبيت ليلته بسبب الارق؟ تصور حاكما يمكن ان يحتفظ بارقام تليفونات شعبه في (اجندة) خاصة يضعها في مكتبه او بجوار فراشه. قطعا لايمكن ان يحدث ذلك في الصين .. لكنه يحدث في (موناكو) رغم ان كلا من الصين وموناكو لهما نفس الصوت في المنظمات الدولية وعلى رأسها الامم المتحدة. وموناكو امارة صغيرة .. شهيرة لاتزيد مساحتها على 4 كيلومترات مربعة .. وتقع مثل طابع البريد في جنوب فرنسا .. ولايزيد عدد سكانها على 6 الاف نسمة .. وتتكون حكومتها من رئيس وزراء وثلاثة وزراء فقط .. ويسيطر على امنها 150 شرطيا لم تختبر براعتهم الامنية حتى الآن لانه يندر ان تقع جريمة اكبر من الصراخ بسبب الافراط في الشراب. انها صورة ملونة بألوان الطبيعة .. تنام فيها الخضرة على رموش النجوم ... وتربت يد السماء على ظهر الجبال .. وتبدو الزهور ثروة من الالوان غير قابلة للافلاس .. ويبدو البحر شالا من الحرير حول عنقها. في يوم عيد ميلاده يدعو الامير رينيه شعبه على العشاء في ساحة قصره .. وهي ساحة مفتوحة ... بلا اسوار ... يعبرها السياح وتمتلىء بالمقاهي والمطاعم والمحلات التي تبيع الهدايا .. ولايحرس القصر سوى ثلاثة جنود يرتدون ملابس بيضاء ويحملون بنادق قديمة .. وقد يفاجأ الزوار بالامير او باحد ــ افراد اسرته ــ وهو يتمشى بملابس الرياضة او يحييهم من شرفة مكتبه او يتناول طعام الغداء على المنضدة المجاورة لهم في المطعم .. ولن يقدر الحرس على منع احد من الاقتراب منه لان الامير بلا حرس تقريبا .. فما الذي يهدد رجل حول مقاطعة الى دولة .. على عكس ماهو سائد احيانا .. حيث حول بعض الحكام في العالم دولهم الى مقاطعات. لقد اشترى جد الامير هذه البقعة الساحرة .. وعندما جاء اليها لم يجد فيها سوى جماعة من الرهبان قاوموه بدعوى انه شيطان جاء ليفسد عليهم نقاء الايمان .. وكان ان تنكر الرجل في ثيابهم .. ثياب الرهبان .. وتسلل الى الدير .. وذبح كل من فيه من رهبان .. واسقط دولتهم الدينية .. انها نفس المذبحة التي بنيت عليها الكثير من الدول .. فلا مفر على مايبدو من استخدام العنف في الوصول الى السلطة .. او في الحفاظ عليها ... ولا مفر ــ على مايبدو ايضا ــ من تعميد الحاكم بالدم والدموع. والاكثر جمالا وثراء من قصر الحاكم فندق يحمل اسم باريس يقع في اشهر ميادين مونت كارلو .. وفي الميدان ايضا كازينو للقمار ومقهى يحملان نفس الاسم .. باريس ... اما الضلع الرابع فهو نقطة بداية ونهاية سباق السيارات الشهير في العالم والذي يحمل اسم مونت كارلو .. وفي هذا المربع او في هذا الميدان تتلخص موناكو ... ويتحدد مصير دخلها القومي ... وهو دخل مصدره الاول جيوب اغنى أغنياء العالم ونجوم السينما والسياسة والمشاهير الذين يسقطون في هوى هذه الامارة الفريدة. ان ادارة فندق (باريس) لن تتردد في ان تعدد لك المشاهير والنجوم الذين رقدوا في الفراش الذي ستنام عليه .. واستعملوا الغرفة التي اختاروها لك ... في هذه الغرفة تشاجر الملك فاروق مع زوجته ناريمان .. وفي هذه الغرفة وقعت النجمة السينمائية التي كانت شهيرة في السبعينات اودري هيبورن في غرام زميلها في الشهرة كارل جرانت في الحب .. وفي هذه الغرفة كان الزعيم الفرنسي شارل ديجول يستجم بعد الحرب العالمية الثانية .. وفي المطعم الرئيسي في اعلى الفندق صالون يحمل اسم الزعيم البريطاني ونستون تشرشل على جدرانه مجموعة نادرة من الصور التقطت له وهو يستجم في مونت كارلو .. وكان هذا الصالون المطل على البحر هو مكانه المفضل لمراجعة اوراقه واستقبال ضيوفه. وفي كل مكان يبيعون لك هذا الوهم اللذيذ .. يسوقون لبلادهم بنسج اساطير حول النجوم والمشاهير الذين زاروها .. وهو نوع من الوهم يكسبون من ورائه اكثر مما نكسب نحن من وراء التاريخ العريض الذي نملكه .. فليس مهما ان تملك شيئا ... لكن المهم ان تملك الموهبة في استغلاله .. وهذا هو مفتاح الثراء في مونت كارلو وفي غيرها ... اضفاء الذوق على الاشياء البسيطة لتتضاعف قيمتها .. فالذوق له ثمن .. بل ان ثمن الذوق اعلى من ثمن الشيء المادي غالبا ... فالذهب الذي في احدى المشغولات التي يبيعها اسم شهير في عالم المجوهرات لاقيمة له ولا وزن اذا ماقورن ببراعة الصياغة وموهبة التصميم .. الثمن المرتفع ليس في الذهب الخام وانما فيما اضيف اليه من ابداع .. ومن ثم ليس مهما ان نملك آثار العالم ولا اجمل شواطئه .. الاهم هو كيف استفدنا منها؟ ان قرية سياحية واحدة في البحر الاحمر او في الساحل الشمالي تتفوق في مساحتها على امارة موناكو باكملها .. بل ان قرية واحدة من هذه القرى يمكن ان تكون في موقع اشد سحرا من مونت كارلو .. لكن ... ضعف الورق هنا وبراعته هناك .. جعل كل شيء ينقلب رأسا على عقب .. جعل السحر قبحا هنا .. والقبح سحرا هناك ... لقد اهدرنا الكثير من ثرواتنا الطبيعية وزرعناها بغابات من الاسمنت .. حجبت رؤية البحر .. وسدت الطريق الى السماء .. وقضت على عذرية الحياة .. ثم نتساءل بعد ذلك .. لماذا نحن فقراء .. ان الفقر ليس في المال او في الموارد وانما في العقل والموهبة. ان اليابان مثلا معدومة الموارد, مساحتها لا تزيد على 277 ألف كيلو متر مربع, أي ثلث مساحة مصر, وأكثر من 73% منها جبال, والباقي مساحة ضيقة جدا, أقل من مساحة الوجه القبلي, لكن على هذه الأرض التي أصبحت مثل أتوبيس مزدحم بالركاب يعيش 125 مليون ياباني يتنفسون ويأكلون ويسيطرون على جزء لا يستهان به من اقتصاد العالم, وليس في اليابان بترول, ولا معادن نفيسة سوى الانسان, بل ان اليابان محاصرة بالزلازل والبراكين والعواصف القاتلة ولكن, رغم هذه الأرض الضيقة المعدمة ورغم هذه الطبيعة الكافرة, المؤلمة ينتج اليابانيون حوالي 15% مما ينتجه العالم, ومتوسط الدخل عندهم حوالي 45 ألف دولار, ومتوسط أعمارهم يقترب من الثمانين عاما, مشكلة الفقر والتخلف لم تعد مشكلة موارد أولية ولا ثروات طبيعية, وانما أصبحت مشكلة موارد بشرية وثروات عقلية. ولو تأملت موناكو نفسها ستجد ان مساحة الأربعة كيلو مترات المربعة التي تشغلها هي مساحة يعيش عليها بعض الأثرياء في مصر, سواء في بيوتهم الريفية, أو في قصورهم الصيفية, وهي بيوت وقصور ربما لا يدخلونها إلا عدة أيام تعد على الأصابع كل عام, وهو ما يعني قدرة فائقة ومذهلة على تجميد الموارد واهدارها وحبسها وراء أسوار عالية في انتظار المضاربة عليها, وهو ضياع لثروات المجتمع وأصابتها بالشلل, فثروات المجتمع هي في النهاية هي جملة ما يملكه الأفراد ويضعون أيديهم عليه. بل لن تصدق لو قلت أن المقهى الذي في الميدان الشهير في مونت كارلو يكسب أكثر من أي فندق شهير وعريق في مصر, فزوار المقهى يصعب عليهم الحصول على مقعد يتابعون منه المشاهير والأثرياء ونجوم السينما الذين يتوافدون على الفندق أو الكازينو, ويتابعون أحدث الموضات التي يرتدونها, وأحدث السيارات التي يركبونها, ان هذه هي أكثر عناصر الجذب السياحي قوة, وهي عناصر جذب لا يمكن ان تقارن بما نملكه نحن, الهرم, والنيل, والشواطئ, لكن كيف يتفوق مقهى أو كازينو على كل ذلك؟ والكازينو أبرز المعالم السياحية في مونت كارلو, يبدو مبناه الذي يزيد عمره على أكثر من 125 سنة من الخارج وكأنه مبنى كنيسة ايطالية, فتماثيل الملائكة واضحة, والقبة الخضراء لا تخطئها العين, والأبواب والنوافذ الحديدية المنقوشة تبد و كأنها منزوعة من كنيسة سان سبستيان الشهيرة في روما, لكن في الداخل عالم آخر تسيطر عليه الشياطين, وتضع شركات السياحة الكازينو في برامج زياراتها, وتترك السياح يتجولون بين مناضد اللعب بشرط عدم استخدام الكاميرات والتليفون المحمول, ويشرح المرشد السياحي تاريخ الكازينو بحماس واهتمام وكأنه يشرح تاريخ الامبراطورية الرومانية, ويتحدث عن أول مقامر لعب فيه (في 24 نوفمبر 1857) وكأنه يتحدث عن تاريخ هبوط أول انسان على سطح القمر, انهم يتحمسون لكل ما لديهم حى لو كان مقهى أوميدان أو كازينو للقمار, بل انهم في موناكو يصرون على ان يرى السياح كيف ينبتون الأشجار في صوبات خاصة, وكيف نجحوا في تجميع القمامة من خلال نظام مركزي استخدموا فيه أجهزة شفط قوية, لا هم يجلدون أنفسهم, ولا هم يحقرون من شأنها. ويمكن ان تجد في المكتبات وفي المطاعم الشهيرة كتبا مؤلفة عن أشهر الطباخين وسيرة حياتهم, فهم يخلدون كل ما يفعل لبلادهم أي شيء حتى لو كان طبقا من اللحم, أو قطعة من الحلوى, أو نوعا من الزهور, ولست في حاجة للقول اننا موهوبون في التدمير, لا التخليد, فكل شخص في بلادنا يمكن سحقه وتدميره بسهولة وبساطة, عقابا له على ارتكابه الجريمة التي لا تغتفر, جريمة النجاح. ولا تصد أن الناس هنا تستمتع بالحياة لأنها ثرية, أو تملك كل شيء, أبدا, ففي بلادنا من يملك أكثر ويستمتع أقل, ان الاستمتاع بالحياة موهبة اجتماعية, أو عدوى اجتماعية, تماما مثل الاحباط والاكتئاب واليأس, والذين لا يعرفون كيف يستمتعون بالحياة هم الذين لا يعرفون انفسهم, ولا يعرفون كيف يرضونها, لأنهم يتصورون ان الاستمتاع بالحياة في القتال على مظاهر الحياة المادية فقط, ان الناس في مارينا مثلا يملكون ما يجعلهم سعداء, لكنهم في حالة قتال من أجل الحصول على أشياء في أيدي غيرهم دون ان ينتبهوا إلى ما في أنفسهم. لذلك فنحن دائما ندفع الكثير من المال مقابل ان نكون تعساء, وفي غياب القواعد التي تحدد العلاقات بين الناس لم يعد أحد منا يعرف اجابة عن سؤال واحد من الأسئلة الأساسية, ولو سألت الغني والفقير, القوي والضعيف, الناجح والفاشل, هل أنت سعيد, هل أنت راض عن نفسك, هل تحقق ذاتك؟ فلا أحد سيقدر على الاجابة, وهي حالة تحتاج لتدخل عاجل من الطب النفسي ليقدم المزيد من التفسير والتبرير. ولو حاولت مثلي ان تتابع عامل النظافة في الفندق أو في المقهى وهو يؤدي عمله باتقان ودون رقابة لعرفت حقيقة تبدو غائبة عنا وهي ان الاحتراف هو سر النجاح حتى في أبسط المهن, المحترفون هم الذين يعرفون وقواعد المهن التي يمارسونها, وهي في الوقت نفسه قواعد المحاسبة على النجاح والفشل, ليست هناك خواطر شخصية والاعتبارات الانسانية لو كانت معوقة للعمل فلا داعي لها, وأتصور ان هذا التفسير أحد أبرز مشاكلنا, فنحن بدعوى الاعتبارات الانسانية نفرط في كافة القواعد المهنية, ومن ثم نحن المجتمع الوحيد في العالم الذي يتفرد بضرب قواعد المرور في عرض الحائط, ويسعده السخرية من أي شخص يحاول احترام هذه القواعد, ولأن قواعد المرور هي الحد الأدنى اتصور انك توصلت الآن لكثير من المتاعب والمصائب التي تجري في اماكن أهم وأخطر. ومهما حاولت ان أفهم فانني سأفشل في تفسير اصرارنا على عدم النظافة في الشوارع والمطارات والمكاتب الحكومية, وسيبدو الأمر مزمنا في بلد فيها نهر النيل الذي هو واحد من أكبر أنهار الدنيا, ونهدر من مياهه في البحر مليارات الأمتار المكعبة من المياه, فهل النظافة تحتاج إلى امكانيات أخرى غير الايمان بها؟ مرة أخرى ليست المشكلة في الموارد وانما في العقول والضمائر. ان مونت كارلو التي تشعر وأنت فيها كأنك في فيلم سينمائي ليست سوى طريقة تفكير تتسم بالبراعة والذكاء لتحويل أضعف الموارد إلى جنة يحلم الناس في أربعة أنحاء العالم بدخولها, كل ما فيها نملك مثله ملايين المرات, بل اننا نملك الكثير من أشياء لا تملكها, فلماذا يحلم بها الناس بهذا الجنون, بينما نشعر نحن بالكابوس؟ في الاجابة عن هذا السؤال الصعب الحل السحري لكل مشاكلنا, لكن من يجرؤ على ان يتطوع بالاجابة.