كانت طائرة خاصة في رحلة غريبة من الخرطوم الى القاهرة, وقد أقلت ثلاثة ركاب غير عاديين: نائب الرئيس المصري أنور السادات وفي صحبته الصادق المهدي رئيس حزب الأمة وعبدالخالق محجوب الأمين العام للحزب الشيوعي السوداني . كان السادات في ذلك الأسبوع الاخير من مارس 1970 قد جاء الى السودان موفدا من رئيسه (للاطمئنان) على أن العملية العسكرية التي أمر بها نظام نميري لضرب (الجزيرة أبا) , معقل طائفة الانصار تسير صوب النجاح المنشود. لا أحب ان أخوض في تفاصيل العملية العسكرية فهي منشورة ومعلومة لكن أطرح تساؤلا تاريخيا: هل صحيح ما ظل يدعيه نميري منذ ذلك الحين وحتى هذه اللحظة بأن ضرب الجزيرة (أبا) كان اجراء أمنيا صرفا كان على الحكومة اتخاذه من أجل احباط مؤامرة مسلحة أعدها امام الانصار تتضمن هجمات متزامنه على قيادات القوات المسلحة الحكومية في انحاء السودان بما في ذلك القيادة العامة في الخرطوم واغتيال كبار شخصيات السلطة ومن ثم استباحة الخرطوم لجموع مقاتلي الانصار لسفك الدماء على نطاق اسطوري؟ أم هل كان تدمير كيان الانصار وحزب الأمة بصورة ناجزة ونهائية نية مبيتة لدى السلطة في كل الاحوال بمساندة كاملة من القاهرة وبالتواطؤ معها؟ أنا شخصيا أرجح الاحتمال الثاني. وادعائي هذا ليس بغير شواهد. لنعد الى الذاكرة, أولا ان نميري أعلن على الملأ منذ أول بيان انقلابي وبعده أن على رأس أولويات السلطة الانقلابية الجديدة القضاء على الطائفية, كانت مثل هذه البيانات تصاغ بلغة التنظير الايديولوجي كخطوط استراتيجية لتوجهات السلطة. لكن على الصعيد التطبيقي كان من الواضح لكل من كان شاهدا استثناء طائفة (الختمية) مع تركيز العدوان السلطوي على طائفة الانصار وحدها ــ ومعها بالطبع حزب الامة كذراع سياسية. الشاهد الثاني هو ما حدث بعد العملية العسكرية (الأمنية) بشهرين حيث اتسع مدى العدوان ضد الانصار في الدائرة العسكرية الى الدائرة الاقتصادية والمالية. باسم مبادىء الفلسفة الاشتراكية جرت عملية تدمير منظم للقواعد المادية للطائفة وأسرة آل المهدي, ففي احتفالات الذكرى الأولى لانقلاب 25 مايو كان من بين قرارات التأميم والمصادرة المعلنة مصادرة ممتلكات آل المهدي جميعا من مشاريع زراعية كبيرة وعقارات وأرصدة النقد بالبنوك. ولم تستثن حتى ممتلكات النساء والأصهار, وفي المقابل صودر مشروع زراعي لآل الميرغني (ربما للتمويه) أعيد اليهم بعد عامين. وما بين ضرب الجزيرة أبا وقرارات المصادرة وبعدها لم تتوقف الملاحقات الأمنية. قتل الامام الهادي المهدي عند الحدود السودانية الاثيوبية, وملابسات الحادثة يلفها الغموض وتضارب الروايات حتى اليوم. وعرض نجل الامام الهادي في جلسة استجواب أمني متلفزة بغرض إلحاق المزيد من الاهانة الى الأسرة الكبيرة, وظل الألوف من عناصر الانصار داخل المعتقلات لمدى سنين الى ان جاء الفرج بعد استكمال اتفاق المصالحة في عام 1977 بين نميري والصادق المهدي. وتنفست القاهرة الصعداء وهي ترى (نهاية) (العدو التقليدي لمصر) وتلاشيه من الخريطة السياسية السودانية كما تراءى لها. وكان الترحيل القسري لكل من الصادق المهدي وعبدالخالق محجوب الى القاهرة في معية نائب الرئيس السادات ليكونا رهن الاقامة الجبرية هناك الفصل الاخير في مأساه الجزيرة أبا. كان عبدالخالق صوتا عاليا وحيدا يعارض ضرب طائفة الأنصار من منطلق مبدئي, فقد حذر ببصيرته التي تخترق الأستار وفكره النافذ القوى السياسية من ان مباركة ضرب الأنصار أو حتى السكوت عليه سوف يغري السلطة بضرب القوى السياسية الأخرى, وبالتالي انفرادها أخيرا بالساحة السياسية. وقد كان. كانت الخطوة التالية هي ضرب الحزب الشيوعي.