من الواضح ان ايهود باراك يبدو مستعجلا لتحريك عملية التسوية السلمية في الشرق الأوسط بغض النظر عما اذا كانت طروحاته المعلنة , قبل الانتخابات وبعدها, يمكن ان تحقق هدف التوصل الى تسوية. فاستئناف المفاوضات, المجمدة منذ وقت طويل, لاسيما على المسارين السوري واللبناني, ويخرج اسرائيل من عزلتها الدولية, كما قد يشكل علاجا لمشاكلها الاقتصادية المتزايدة من خلال اعادة فتح بعض الابواب المغلقة في وجهها اقليميا ودوليا. وهذا في حد ذاته سبب كاف لحمل رئيس الوزراء الاسرائيلي الجديد على تركيز اهتمامه على هذا الموضوع, فضلا عن انه يرى في نفسه الوريث المناسب لاسحاق رابين والمؤهل من حيث تشابه شخصيتيهما لمتابعة مسيرته. بيد ان الافكار التي عبّر عنها باراك, خصوصا بعد اعلان فوزه الساحق على خصمه بنيامين نتانياهو, خلقت انطباعا سريعا بأن رئيس الحكومة الاسرائيلية الجديد يريد ان يحدد نتائج المفاوضات قبل ان تبدأ, وهو ما فعله سلفه نتانياهو من قبل, الأمر الذي أدى الى وصول تسوية مدريد وأوسلو الى طريق مسدود. فإذا كان مستقبل القدس غير قابل للبحث, كذلك مصير المستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة, ومثلهما تطبيق القرارات الدولية التي تنص على عودة اسرائيل الى حدود عام 1967. ناهيك عن موضوع الدولة الفلسطينية التي تصبح في ضوء الشروط الاسرائيلية المتجددة, متعذرة التطبيق, من ناحية الترابط الجغرافي على الأقل, اذا كان كل ذلك يبدو محسوما, مقدما, في رأي ايهود باراك, فما هي الموضوعات التي ستتناولها مفاوضات الوضع النهائي, فيما يتعلق بالشأن الفلسطيني أو غيره من شؤون التسوية وتعقيداتها؟! حتى الآن تحدث باراك عن اعتزامه تنفيذ اتفاق (واي بلانتيشن) من أجل ارضاء الادارة الامريكية المشغولة حاليا بأمور اخرى, وربما لاقفال الملف الفلسطيني بعد ذلك. مع العلم ان الاتفاق المذكور يمثل جزءا صغيرا من اتفاق أوسلو الذي يعتبره بدوره جزءا صغيرا من حقوق الشعب الفلسطيني. بذلك يصبح اتفاق (واي ريفر) الذي ينص على انسحاب اسرائيل من 13% فقط من مساحة الضفة الغربية, وكأنه نهاية المطاف بالنسبة للفلسطينيين. في حين تغدو مفاوضات الوضع النهائي كمسألة شكلية, لا أكثر ولا أقل, بعد ن حسمت موضوعاتها سلفا, بحسب المنطق الاسرائيلي السائد. على ان الموضوع الذي يشغل اهتمام ايهود باراك على نحو أخص هو اخراج اسرائيل من الاتون اللبناني, ولذلك يتوقع المراقبون ان يحاول رئيس حزب العمل انجاز الترتيبات الخاصة بتنفيذ اتفاق (واي ريفر) بسرعة حتى لا يتفرغ من ثمة للمسارين السوري واللبناني, اللذين ينظر اليهما باعتبارهما مسارا واحد. وذلك انطلاقا من الواقعية التي يتميز بها, كما يصف نفسه وأسلوبه في التفكير والعمل. فما يريده باراك في الواقع هو وقف النزيف الاسرائيلي في لبنان, حيث يجمع كبار ضباط الجيش الاسرائيلي على ألا علاج له بغير الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية, ومن أجل بلوغ هذا الهدف بسرعة, وعبر أقصر الطرق السياسية, فهو يطرح مسألة استئناف المفاوضات على المسار السوري, ثم اعتبار الموضوع اللبناني جزءا من هذا الملف الشائك. ومن يقرأ الاقتراحات الاسرائيلية التي يطرحها ايهود باراك (وفقا لما نشرته الصحف الاسرائيلية), يلاحظ فورا ان رئيس الوزراء الاسرائيلي يسعى الى تحقيق هدنة (مؤقتة) في جنوب لبنان, تبدأ مع انطلاق المفاوضات على المسار السوري, بحيث تتوقف المقاومة الوطنية اللبنانية عن التعرض لقوات الاحتلال الاسرائيلي طوال الفترة التي تستغرقها المفاوضات. ومن أجل ذلك فهو يوافق على استئناف المفاوضات من النقطة التي بلغتها في عام 1996 في عهد حكومة رابين ــ بيريز, وان كانت اشارته الى النتائج (الرسمية) لتلك المحادثات توحي بالتشكيك بما ذكرته دمشق في هذا الشأن, أو تحاط بتحفظات معينة على الأقل, قد تتحول فيما بعد الى قضية اشكالية تختلف الآراء والمعلومات حولها. باختصار, فإن ما يبغي باراك الوصول اليه بسرعة هو وضع حد لمأزق الجيش الاسرائيلي في الجنوب اللبناني من خلال تقديم تنازلات شكلية تتعلق بشكل المفاوضات وأسلوبها, في حين انه مازال يرفض الحديث بوضوح عن انسحاب اسرائيلي كامل من مرتفعات الجولان السورية المحتلة, وهو جوهر الموضوع بالنسبة لسوريا, فضلا عن تكرار الكلام حول العودة الى حدود ,1967 مما يتناقض مع مضمون القرارين اللذين يشكلان القاعدة الأساسية لتسوية مدريد, وهما القراران 242 و338. الى ذلك فإن ايهود باراك لم يتطرق في أي من تصريحاته الأخيرة الى النشاط الاستيطاني الاسرائيلي الذي سار بوتيرة متسارعة خلال الاسابيع التي سبقت الانتخابات العامة, وعلى الرغم من ان هذا الموضوع يشكل أحد أبرز الانتهاكات التي ارتبطت باسم رئيس الحكومة الاسرائيلية السابق نتانياهو ومجموعات المستوطنين المتعصبين. وكأنه بذلك يريد ان يصرف الانظار عن هذه المسألة الخطيرة التي أثارت غضب المجتمع الدولي, والتي تشكل أحد أبرز اسباب انهيار التسوية السلمية. المشكلة الجوهرية فيما يحدث الآن, بل فيما كان يحدث دائما, هو ان اسرائيل تقرر بمفردها ووفقا لمصالحها ما يجب وما لا يجب ان ينفّذ على صعيد علاقاتها مع الدول العربية, وربما يكون بنيامين نتانياهو قد عبر عن هذه العقلية بفجاجة يصعب احتمالها, لكن القادم الجديد من داخل المؤسسة العسكرية الاسرائيلية, وبقوة تأثيرها, لا يبدو مختلفا كثيرا في هذا المجال, وان كان يحاول الايحاء بذلك.