عندما توفي ملك الاردن الحسين بن طلال في شهر فبراير الماضي, تساءل كثيرون أغلبهم يحدوه الشك عن الكيفية التي سيقود بها الملك الشاب عبدالله بن الحسين الاردن , خاصة وان الملك الابن جاء الى ولاية العهد قبيل وفاة والده بأيام قليلة, ولا يملك وقتها ظاهريا, الا نسبة قليلة من خبرة وتجربة الملك حسين, خاصة وان الاردن بموقعه الجغرافي وأوضاعه السياسية يحتاج الى حنكة ودهاء لا تقل عن حنكة الملك الراحل وقدرته المميزة على ادارة الازمات والقفز فوق الألغام الكثيرة التي يبرز بعضها فجأة, دون مقدمات, مثل احداث معان والطفيلة عام ,1986 وما تلاها من انفراج سياسي عام قرر بموجبه الملك, آنذاك الدعوة لانتخابات برلمانية ووافق على الاحزاب السياسية, ما أعطى دفعة مهمة للحياة الداخلية رغم اشكالية الاقتصاد. ولم تكن آثار حرب الخليج الثانية (1990) سوى محطة مفصلية في تاريخ الاردن, حيث تراجعت المساعدات الخليجية الى مستويات هددت الواقع الاقتصادي والاجتماعي, خاصة بعد طرد نحو ثلاثمائة ألف اردني وفلسطيني من الكويت اثر الاجتياح العراقي في الثاني من أغسطس كردة فعل على موقف الاردن من هذا الاجتياح, مما ضاعف عدد العاطلين عن العمل وفرض معطيات جديدة في الواقع الاقتصادي الذي تشير بعض الاحصائيات المستقلة الى نسبة البطالة بين الشباب كتجاوز الاربعين بالمئة. جاء الملك عبدالله الثاني وأمامه استحقاقات كثيرة على الصعد الداخلية والاقليمية والدولية, فكيف يتعاطى الملك القادم من خلف الصف مع كل هذه المعطيات؟ أولى الخطوات الذكية التي أقدم عليها الملك عبدالله هي التفاصيل التي أتى بها خطاب العرش, حيث حدد برنامجا للحكومة الجديدة ولعهده تلخص في تعزيز الوحدة الوطنية (الجبهة الداخلية) من خلال الانفراج الداخلي المتمثل في تعزيز النهج الديمقراطي وفتح حوار مع المعارضة وخاصة الاسلامية, اذا ترجم ذلك عمليا باللقاء الذي تم مع قادة بعض تياراتها, اضافة الى الاقدام على انفراج عام مع باقي احزاب المعارضة, وتركز ذلك بتنصيب وزير للاعلام في الحكومة الجديدة مشهود له من قبل المجتمع بانفتاحه وسعة صدره لما تحويه صحف المعارضة من موضوعات داخلية واقليمية والتأكيد على الرقابة الذاتية المسؤولة أمام الحرية الممنوحة حقا ونصا في الدستور الاردني. لقد كان للخطوة الديمقراطية التي أقدم عليها الملك عبدالله بعد أسابيع من توليه العرش الأثر الكبير في احداث انفراج نفسي وأمني وسياسي في الاردن, ترافق مع تشديده على ضرورة مكافحة الفساد والمفسدين الذين تسببوا للاردن بخسائر كبيرة على جميع المستويات, ومشكلة المياه الملوثة ليست استثناء, كما كان لخطواته المدروسة في معالجة مشكلة البطالة والبحث عن السوق لعمالة الاردن في دول خليجية اثر آخر لقي صدى ايجابيا لدى كافة فئات المجتمع الاردني التي تواجهه استحقاقات وضع اقتصادي مترد حسب وصف أكثر من مسؤول في الحكومة الاردنية, إذ تراجعت الصادرات بنسبة 2.2% وانخفضت الواردات بنسبة 6.6% خلال العام الماضي وتراجعت الاستثمارات, ما أثر على القطاع الصناعي بشكل خاص وبقية القطاعات على وجه العموم. الوضع الاقتصادي ألقى بظلاله على جولة الملك عبدالله العربية والدولية, فالاردن يعاني من ديون خارجية تزيد على سبعة مليارات دولار وتبلغ خدمتها السنوية اكثر من خمسمائة مليون دولار امريكي, ويشكل الدين الخارجي قرابة مائة بالمائة من الناتج المحلي الاجمالي بزيادة نحو ثمانية بالمائة عن العام ,1997 وارتفعت تكاليف المعيشة بنسبة 4.5 بالمائة في العام المنصرم مقابل 3بالمائة في العام الذي سبقه. لذلك فان الجولة التي قام بها الملك في الدول الغربية كانت تهدف إلى شطب نصف ديون الاردن وسعى من اجل اعادة جدولة اكثر من مليار دولار منها 800 مليون لنادي باريس والباقي لدول خارج نطاق عضويته, ولم يكن صندوق النقد والبنك الدوليين غائبين عن التوجهات الاخيرة لعمان, فقد اتفقت الحكومة الاردنية والبنك الدولي على برنامج للتصحيح الاقتصادي تقدر قيمته بثلاثة مليارات دولار يقضي بضرورة زيادة نمو الناتج المحلي للوصول إلى نسبة نمو تقترب من الاربعة بالمائة, والشروع في خصخصة عدد من مؤسسات القطاع العام كالاتصالات والخطوط الجوية, وتخصيص الحد الاقصى للتعرفة الجمركية من 40 بالمائة إلى 35 بالمائة وتعديل قانون الضمان الاجتماعي واصلاح نظام التقاعد, وفي هذا السياق تسعى الحكومة الاردنية للحصول على 600 مليون دولار لتمويل العجز وتضييق الفجوة في تطبيق البرنامج الاقتصادي الذي حاز على موافقة صندوق النقد الدولي الدائنة. اما في جولته العربية فقد استطاع الملك عبدالله من تحقيق اختراق مهم في العلاقات مع سوريا, حيث اعيد الاعتبار لاتفاقيات سابقة جمدت منذ العام ,1987 اثر الفتور الذي اصاب هذه العلاقات وبلغ ذروته حين وقع الاردن اتفاق وادي عربة مع الكيان الصهيوني, الا ان التوجه الجديد للملك عبدالله مكنه من الوصول إلى اتفاق مائي مهم مع دمشق التي وافقت على تزويد عمان بثمانية ملايين متر مكعب من المياه, بعد ان نكثت الحكومة الصهيونية بوعدها وضربت اتفاقها مع الاردن عرض الحائط رافضة تطبيق الشق المائي الذي بموجبه تتزود الاردن بقرابة ستين مليون متر مكعب من المياه, بحجة الجفاف الذي اصاب المنطقة. لقد كانت اولويات الملك واضحة من حيث التحرك والاهداف, حيث تبوأ الاقتصاد وتعزيز الديمقراطية والعلاقة مع دول الجوار العربية الاهمية القصوى, اذ يمكن القول ان الاردن استطاع تحقيق اجزاء مهمة من توجهاته الجديدة, خصوصا في ضوء رؤية قيادته السياسية لمجمل الموضوعات, وهي رؤية اذا ما وجدت طريقها للتعميم والتنفيذ الصادق, فان الاشكاليات القائمة وخاصة في الوضع الداخلي, لابد وان تجد طريقها للحل, فالملك عبدالله يرى بان مفهوم الامن, مثلا, لا يقتصر على الجانب العسكري, بل يمتد إلى الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والانسانية, حسب تصريحات له للصحافة العربية, وهنا تبدو المرئيات الواقعية لمعضلات العصر التي تواجهها اغلبية الدول العربية, حيث الخلط بين القضايا لدرجة التخبط في التشخيص وعدم القدرة على التمييز بين المعالجات الاقتصادية وبين المعالجات الامنية لقضية مثل مشكلة البطالة, ويلاحظ ان الحقن والجرعات الامنية الضيقة الافق هي الوصفة الجاهزة لمعالجة مشكلات الاقتصاد والسياسة والاجتماع. وهذه توجهات أضحت خطيرة في ظل هرولة العالم نحو الفية ثالثة عنوانها الواسع الاقتصاد والحريات العامة, ويمكن القول, خلاصة, ان المفاهيم الجديدة التي ادخلتها القيادة الجديدة في الاردن تصلح لان تعمم على العديد من العواصم العربية لجهة تحقيق المصالحات الداخلية أولا والتي تعطي انفراجا نفسيا من شأنه تقليص حدة التوتر إلى مستوياتها الدنيا ما يعبد الطريق لتحقيق تنمية اقتصادية وسياسية واجتماعية شاملة بعيدة عن الادعاءات والبهرجة الاعلامية الضارة, داخلة في اسس المشكل الحضاري بعناوينه الواسعة التي تؤسس لمجتمع مدني قادر على الانتاجية والابداع في مختلف الحقول.