هل لم يعد بمقدورنا وقف انتهاك حرياتنا الشخصية وخصوصياتنا في عصر المعلومات؟ هل اصبحت اسرارنا الشخصية (سلعة) في سوق المعلومات ؟ وهل اصبحت حياتنا الشخصية (كتاباً مفتوحاً) للجميع؟ الاجابة تقول: ايها السادة انكم تحت انظار الجميع منذ يوم ميلادكم, في مدرستكم, في جامعتكم, في عملكم, في حصولكم على رخصة قيادة, في حجزكم لقضاء اجازة سعيدة, في سجلكم الطبي, في اقراركم الضريبي, في تسوقكم, في شهادة زواجكم, في حواركم مع الآخرين, في رسائلكم الاليكترونية, حلكم وترحالكم, انتهى عصر الخصوصية!! والقضية هي: انتهاك الحياة الخاصة للافراد في عصر المعلومات, وهذه الانتهاكات تتم بصور متعددة, بعضها بارادتنا, وبعضها عن جهل, والبعض الاخر عنوة واغتصابا, وفي الاخير خلق شعور مركب من القلق والخوف من فقدان الامان الشخصي, وضياع الحرية الشخصية التي هي مقوم اساسي في منظومة حقوق الانسان, وهي قضية جد متشابكة, تتداخل فيها السياسة بالتكنولوجيا, والاقتصاد بحقوق الانسان, والتجارة بالامان المعنوي والشخصي. ويتباين تعريف الخصوصية بتباين الدول والثقافات, ولكن المعنى المبسط للخصوصية هو (حرية الفرد بأن يترك في حاله Right To be left alone دونما تدخل او تطفل من الآخرين) فهل اصبح هذا عسيرا؟ نعم لم يعد بامكانك ذلك, فعند تسجيل سيارتك او استخراج رخصة, او تبضعك او تصفحك لموقع اليكتروني... الخ فأنت تدلي بمعلومات وبيانات عن نفسك, وقد تستهين بها, ولكن هذه الفتاتات المتناثرة تشكل ثروة في عصر الشبكات وقواعد المعلومات والانترنت, فمنها ترسم ملامحك, وتعرف عاداتك, بل ويمكن التنبؤ بسلوكك. وهذه القضية ليست ببساطة المقدمة السابقة, بل اعمق واعقد واخطر, وابعاد القضية تتمثل في ان التكنولوجيا واجهزة الكمبيوتر التي تصاعد شأنها في الثمانينات لمساعدة الحكومات والصناعات والمؤسسات لتنظيم اعمالهم, اصبحت تمثل خطرا على الحرية الشخصية للافراد, وتتزايد هذه الخطورة مع ارتفاع نجم الانترنت, وتبشير البعض بالشبكات الرقمية المتكاملة, وبالطرق السريعة للمعلومات, وتقدم تقنيات جمع المعلومات اليكترونيا, اذ تضاعفت امكانيات جمع المعلومات وتحليلها ونقلها واسترجاعها رقميا, واعادة استخدامها بطرق لا يمكن تخيلها, وهو امر يساعد في رسم بروفيل محدد المعالم عن كل منا, يمكن استخدامه في وجوه متعددة, بعضها مفيد والآخر ضار, والاخطر من ذلك دخول هذه المعلومات الى عالم التجارة, وخلق سوق خاصة بها, وتزايد اعداد المطلعين عليها, الاخيار منهم والاشرار. وتتجلى خطورة القضية في ان المعلومات الخاصة بالافراد يمكن النفاذ اليها واختراقها والتلاعب فيها, وهو امر قد يقضي على مستقبل الكثيرين, في غيبة من القوانين الدولية الصارمة, وتباين او غياب النصوص القانونية المحلية التي تشرع لها... ومن مظاهر خطورة المشكلة ايضا عدم وعي المستخدمين بخطورتها. وقد يبدو على السطح انه لا غضاضة في تسجيل معلومات خاصة عن الشخص رقميا واليكترونيا, فمثلا السجلات الطبية الرقمية تساعد في رسم صورة متكاملة عن حالة المريض صحيا, واتمام عملية العلاج عن بعد, والاستفادة بخبرة اطباء من جهات متعددة لتشخيص حالة واحدة, ومتابعة المريض عن طريق البريد الاليكتروني, ولكن ماذا يحدث لو ذهبت تلك المعلومات الى محركات البحوث على الانترنت مثلا, واصبحت في متناول الجميع, سعوا للبحث عنها ام لم يسعوا, فتخيل تقريراً يتضمن سجلك القضائي او الطبي, يقرأه الجميع, وهو امر حدث بالفعل مع احد المراكز الطبية بجامعة ميتشجان, فماذا بقي لك لتخفيه او تحتفظ به او تغلق عليه ابواب عالمك الخاص. هذا على المستوى الفردي اما على مستوى الدول والشركات, فإن المعلومات التجارية والصناعية الخاصة بالدول والشركات ستندمج في الشبكة المعلوماتية, مما يجعلها عرضة للنفاذ والاختراق, وهو امر قد يهدد مصالح هذه الدول والشركات والمثال القريب لهذا ما نسمعه عن اختراق البعض لمواقع عسكرية حصينة ولوزارات دفاع عالمية... الخ وتتصاعد خطورة هذه المشكلة اذا ما تذكرنا ان هذه الشبكات الاليكترونية هي شبكات غير مركزية. واشكال انتهاك خصوصية الافراد متعددة, ولكننا نركز هنا على الانترنت, فمع كل تصفح تقوم به للشبكة, يمكن اقتفاء أثرك, ومعرفة المواقع التي زرتها, وعاداتك, وهواياتك, وفي كل موقع تسجل فيه اسمك للحصول على بريد اليكتروني او تصميم صفحة خاصة بك, او ملء استمارات او المشاركة في مسوح اليكترونية او الدخول الى حجرات الدردشة والحوار او الانضمام لعضوية المنابر الاليكترونية, او طلب توصيل شيء لمنزلك او شراء كتاب, او استخدام بطاقة الائتمان, يمكن معرفة موقعك, وعنوانك البريدي, ونوع جهازك واسم المتصفح, وموقعك الاليكتروني, ومن اين تتصل. وتتم انتهاكات خصوصيات الافراد عبر الانترنت في صور عدة منها: اولا: البريد الاليكتروني الذي قد يعتبره البعض خطابا مغلفا ومختوما, بينما هو في واقع الامر اشبه بالــ POST CARD الذي يرى الناس خلفيته ويقرأونه ويعرفون ما به, بل يمكن ان يتدخل شخص ثالث في صياغتها ويحورها, ومن جهة اخرى, فإن تسرب عنوانك الاليكتروني للآخرين يمكن ان يجعل بريدك حافلا بالرسائل التي تلهيك وقد تؤذيك!! ثانيا الكعكات Cookies وهي احدى الطرق التي تستخدم لتسهيل عملية التفاعل عبر الشبكة, بيد انها تعد من اقوى طرق جمع المعلومات عنك, واقتفاء اثرك عبر المواقع, ومعرفة خطواتك الاليكترونية. ثالثا: طريقة تتبع عدد حركات ضغط الماوس وبمقتضاها يتم تعقبك في كل خطواتك على الموقع, وحتى لحظة خروجك منه, فاذا وضعت مؤشر الماوس على الموقع او على الصورة, يتم رصد هذه الحركة, بل ولو حلقت على اللافتة التي بأعلى صفحة الموقع, فأنك تحت اعين اجهزة المتابعة. وهناك طرق كثيرة اخرى. ولخطورة هذه القضية بدأ يتصاعد الاهتمام بها, متخذا اشكالا عديدة, فعلى المستوى الرسمي, تبني الاتحاد الاوروبي في اكتوبر ,1998 سياسات تهدف الى حماية البيانات والمعلومات الخاصة بدوله, ومنع تداولها مع الدول الاخرى التي لا تحترم حق خصوصية الافراد, وهو امر يمثل تحديا جديدا لدول كثيرة, باتت معه الولايات المتحدة تسعى لتغيير بعض توجهاتها لمواجهة هذا التحدي الاوروبي, وتجري مفاوضات للتعرف على مدى وفاء المؤسسات الامريكية للشروط الاوروبية بما يحقق لها امكانية التشارك في هذه المعلومات. وعلى المستوى غير الرسمي ظهرت جمعيات ومؤسسات ومواقع جديدة منها ما يعرف باسم ELECTRONIC FRONTIER FOUNDATION والتي انشئت في عام 1996 وشبكة COMMERCE وهيئة TRUSTE وائتلاف حماية الخصوصية على الانترنت وهو ائتلاف يجمع المهتمين من الشركات معا لدعم الامان والخصوصية على الانترنت. وقد شن هذا الائتلاف حملة تحت اسم المفتاح الذهبي لحث الاعضاء على استخدام شعار (المظروف والمفتاح) كشعار على الويب لمعرفة مدى تأييدهم لحق الخصوصية وحرية استخدام أدوات التشفير بدون تدخل حكومي. كما بدأت بعض العمليات التصحيحية لمسيرة العلاقات بين عالم التكنولوجيا وشؤون الخصوصية, حيث بدأت بعض الشركات تتيح الجمهور حق الاطلاع على المعلومات التي تم جمعها عنهم, وتصحيحها بأنفسهم, وبعضها مثل شيكاغو تربيون بدأ يتبنى سياسة تؤكد لمستخدميهم انهم معنيون بخصوصياتهم, وانه لن يتم نقل معلومات عنهم للآخرين إلا بموافقتهم. والبعض الثالث تبنى سياسة جديدة في تسجيل أسماء المستخدمين تقوم على معرفة اسماء الحقول وليس البريد اثناء التصفح, مؤكدة على ان بيانات التسجيل إنما تستهدف إعطاء ضمانات, وتقديم خدمات فنية للمستخدم, كما بدأت بعض الحكومات والمنظمات تسعى لفهم كيفية تطبيق وتفسير قوانين وحقوق الخصوصية في العالم الالكتروني. (وللحديث بقية..) قسم الاتصالات الجماهيري ـ جامعة الامارات