متابعة الأوضاع السياسية العربية ومواقفها من القضايا الدولية التي تدخل فيها أطراف اجنبية, تجعل المراقب يجد قصورا واضحا في فهم القضايا المطروحة على موائد المفاوضات, وتبدو تصرفات البعض من الجانب العربي وكأنهم يعيشون في عصور لم يعد لها وجود , ومع ذلك نجد من (يقرظ) تلك التصرفات باعتبارها من (شيم العرب الكرام) , مع ان كل الدلائل تشير الى ان استخدام تلك الشيم على موائد المفاوضات تضعف مواقفنا وتضعنا في النهاية في الجانب الخاسر لقضاياه, البعض يتصرف على موائد المفاوضات بكرم حاتمي, وكأنه يجهل ان هذا (الكرم الحاتمي) لا يجوز التعامل به في قضايا الشعوب, لأنه في هذه الحالة لا يتصرف في ملك خاص يمكنه ان يخسره كله دون ان ينتبه احد اليه, ولكن التصرف في قضايا الشعوب له قواعد اخرى تمليها معطيات العصر الذي يعيشه. لو نظر المراقب من حوله لرأى العجب في تصرفات الكثير من السياسيين الذين يعتقدون ان ما توصلوا اليه (ليس في الامكان أبدع منه) ! بل ان بعضهم يقف معلنا انه أنهى الخلاف في هذه القضية أو تلك بسبب تكرمه بالتنازل عن حق من حقوق بلاده ليرضي الطرف الآخر (المسكين) , مع ان ذلك الجانب الآخر ما ان يخرج من غرفة المفاوضات حتى يعلن ان من كان يفاوضه ابلها, لأنه لو تمسك بحقه لحصل على كل ما يطلب, واسألوا (كسينجر) في هذا. لكن الحق يقتضي ان نشير ايضا الى ان بعض السياسيين العرب يتحلون بالحكمة في تناول قضايا أوطانهم, ومن أبرز هذه التصرفات التي تؤكد الحكمة تلك التصرفات التي يتعامل بها سياسيو المملكة المغربية عند مناقشة قضاياهم مع دول الاتحاد الأوروبي, فالحكومات المغربية المتعاقبة التي تعاملت مع تلك القضايا منذ زمن بعيد حاولت قدر جهدها ألا تفرط في مصالحها انطلاقا من قاعدة تبادل المصالح, ولا حاجة الى كرم احد للتخلي عن ما يبدو في صالح الشعب المغربي, أو يؤدي الى مكسب ما يعود عليه بالفائدة ماديا أو معنويا. من خلال هذه التجارب أصبح الجانب الأوروبي ينظر الى اي مفاوضات حول قضية مشتركة مع الحكومة المغربية, أيا كان لونها, ليس من السهل الحصول فيها على تنازلات بلا مقابل كما يحدث مع العديد من الدول العربية التي تتنازل وفق نظرة ضيقة تجاه مصالح شعوبها. تعتبر اسبانيا احدى الدول التي عانت ولا تزال تعاني من تمسك الجانب المغربي بحقوقه على أرضه ومياهه الدولية, و يعترف كل من تعامل في هذا المجال من الجانب الاسباني ان الحوار مع المغرب صعب, ولا بد من الاستعداد مبكرا الى تقديم تنازلات للحصول على أي مقابل لها من الجانب المغربي, أي ان الجانب الآخر يستعد لتقديم أكثر مما تطالب به المغرب حتى يحصل على جزء مما استعد للتفاوض عليه. شهدت بنفسي قبل سنوات ــ قبل انضمام اسبانيا الى السوق الاوروبية المشتركة ــ احدى جلسات الحوار حول حقوق السفن الاسبانية في الصيد في المياه المغربية, كان الجانب الاسباني يعرف ما سوف يواجهه قبل التوصل الى اتفاق يرضي الصيادين الاسبان, الذين كانوا يتظاهرون في العاصمة ضد حكومتهم التي فشلت في التوصل الى حل سريع يسمح لهم بالصيد في المياه الاقليمية المغربية, لكن الاتفاق تم في النهاية ملبيا جميع المطالب المغربية, ولم يضف أي مطلب جديد الى ما كانت تحصل عليه اسبانيا طوال عقود, بل استطاع ان يقلل من عدد السفن الاسبانية المسموح لها بالصيد, اضافة الى تلبية مطالب مغربية اخرى, منها مد فترات (التوقف البيولوجية) التي تسمح بالتكاثر, وتدريب العاملين المغاربة على الصيد في تلك السفن, وغير ذلك من الفوائد التي تعود على المغرب. لكن هذا الاتفاق على الرغم من الفوائد التي حققتها المغرب كان يعتبر اتفاقا مؤقتا بالسنوات الأربع التي ينص عليها, لذلك فإن العودة الى مائدة المفاوضات بعد انتهاء تلك المدة أمر محتوم, وهو ما كان يخشاه الاسبان دائما, ويستعدون له (بحزمة جديدة) من الاجراءات التي تحاول ان تخفف من المشكلة التي تعيشها مئات الآلاف من الأسر الاسبانية التي تعيش على مهنة الصيد, والتي يعتبر اي توقف عن ممارسة الصيد في المياه المغربية كارثة بالنسبة لتلك الاسر, وتخسر ميزانية الحكومة الاسبانية اموالا كثيرة لتعويض هؤلاء خلال تلك الفترة. دخول اسبانيا الى السوق الاوروبية المشتركة لم ينه مشكلة الاتفاق مع المملكة المغربية كل اربع سنوات, ولكنه خفف من حجم هذه المشكلة الى حد ما, لان المملكة المغربية اصبحت تحصل على مقابل مادي يخرج من صناديق الدعم الاوروبية وليس من الخزانة الاسبانية كما كان يحدث من قبل, ومع ذلك لم تتوقف المغرب عند حد المطالب التي كانت تتقدم بها الى اسبانيا من قبل, بل زادت عليها مطالب اخرى, حتى تحولت اسبانيا مع مرور الزمن من طرف مفاوض للجانب المغربي الى طرف مؤيد لمطالب المغرب لدى الاتحاد الاوروبي, بل تم الاتفاق صراحة بين المغرب واسبانيا على ان تكون اسبانيا صوت المصالح المغربية والمدافع عنها لدى دوائر الاتحاد الاوروبي عند مناقشة اي اتفاقيات تكون المغرب طرفا فيها. هذا نابع من ان المفاوض المغربي يعرف تماما الارض التي يقف عليها, لانه يعرف اولا حاجة بلاده الى المقابل الذي يمكن ان تحصل عليه مقابل التنازل عن بعض الحقوق في مياهه الدولية, لكنه يعرف ايضا حاجة الطرف الاخر (اسبانيا) الى تلك المياه, ويعرف الى اي مدى يمكنه ان يفاوض على تلبية هذه الحاجة, فهو يعرف ان حجم اسطول الصيد الاسباني اكبر من حجم مياه اسبانيا الاقليمية, ويعرف الصعوبة التي يواجهها هذا الاسطول في الحصول على تصاريح للصيد في مناطق اخرى مثل ناميبيا وكندا والارجنتين والتشيلي. من خلال هذه المعرفة الكاملة لمشكلة الصيد الاسباني استطاع المفاوض المغربي ان يضاعف حجم المعونات المباشرة التي كان يحصل عليها مقابل السماح لجزء من هذا الاسطول بالصيد في مياهه الاقليمية في الوقت نفسه قلل كثيرا من حجم هذا الاسطول ليسمح بقيام اسطول صيد مغربي يغطى الجزء الباقي, فضرب عدة عصافير بحجر واحد, لان شركات الصيد المغربية العاملة في تلك المناطق قامت بفضل الاستثمارات الاسبانية في هذا المجال, حيث حاول رجال الاعمال الأسبان العاملين في مجال الصيد تخطي عقبة عدد السفن الاسبانية المسموح لها بالصيد في الدخول في شركات مشتركة مع مستثمرين مغاربة, وبذلك تم خلق فرص عمل مباشرة للصيادين المغاربةلا للعمل على تلك السفن, اضافة الى خلق فرص عمل اخرى غير مباشرة في الصناعات التكميلية لوجود الاسطول, بعد ان تم فرض تفريغ جزء من حصيلة الصيد الاسبانية في الموانىء المغربية, وما تبع ذلك من قيام صناعات التجميد والتعليب وغيرها من الصناعات التكميلية. نجاح المفاوض المغربي في فرض شروطه في المفاوضات السابقة وضع المفاوض الأسباني في وضع حرج قبل حلول نهاية الاتفاق الحالي الذي ينتهي في الاول من ديسمبر المقبل, واصبح الرعب يخيم على وزارة الزراعة والصيد الأسبانية منذ اسبوعين عندما اعلن رئيس الوزراء المغربي خلال زيارته لمدريد ان حكومته لاتنوي تجديد الاتفاق الحالي, لا من خلال التفاوض مع الاتحاد الاوروبي, ولا حتى من خلال اتفاقيات ثنائية مع اسبانيا. على الرغم من ان الجانب الاسباني يحاول ان يقلل من اهمية الاعلان المغربي عدم تجديد اتفاقيات الصيد, ويؤكد ان هذا الاعلان ليس الا مناورة للحصول على مزايا جديدة مقابل السماح للسفن الاسبانية للصيد في مياهه الاقليمية, الا انه يخشى تلك المفاوضات لانه لايعرف ما يخبئه المفاوض المغربي من مطالب جديدة, خاصة ان الاتفاق الحالي مع المغرب يعتبر من اكثر اتفاقيات الصيد تكلفة لصندوق الدعم الاوروبي للاتفاقيات مع الدول غير الاعضاء في الاتحاد, لكنه ثمن لابد من دفعه, لان مناطق الصيد الاخرى التي يعمل فيها الاسطول الاسباني غير كافية لتلبية الطلب المتزايد على الاستهلاك في السوق المحلي, اضافة الى المشاكل التي يجدها هذا الاسطول في المياه الاقليمية في كندا وناميبيا والارجنتين. كاتب مصري مقيم في اسبانيا