يصل حجم العمالة الأجنبية الوافدة إلى السعودية حوالي 4.5 ملايين عامل, يقوم هؤلاء كل عام بتحويل نحو 60 مليار ريال خارج السعودية , ما يشكل مبلغا كبيرا, لم يكن من الممكن خسرانه بهذا الشكل ما لم يكن حجم العمالة الأجنبية يطغى على حجم العمالة المحلية الذي لا يزيد في حالة السعودية على 2.5 مليون سعودي. وليس عندنا في الامارات احصاء دقيق معلن من السلطات المختصة بحجم تحويلات العمالة الأجنبية سنويا, غير اننا يمكن تقدير هذه التحويلات من عدد العمالة الأجنبية والوافدين, الذي يزيد على المليونين بكل تأكيد, فإذا قام كل منهم بتحويل ألف درهم على أقل تقدير شهريا إلى الخارج, فإن التحويلات السنوية للأجانب من بلادنا لن تقل عن 25 إلى 30 مليار درهم سنويا, وهو رقم آخر كبير, نخسره, كما تخسر السعودية وكل دولة خليجية أخرى تعاني مثلنا من وجود أجنبي كثيف. طبعا هذه المليارات فيما لو كانت العمالة عندنا كلها وطنية ومحلية, لانتهت في جيوب مواطنينا ومدخراتهم وفي خزائن بنوكنا وفي استثماراتنا بأنواعها حين تتولاها شركات مساهمة عامة تقوم باستثمار مدخرات المواطنين, كما ان هذه المليارات سوف تساعد قطعا في مزيد من الانتعاش الاقتصادي بأنواعه مع انعاش مستمر لدورة الاستهلاك, حين يقوم المواطنون بإنفاقها على احتياجاتهم, لولا ان ذلك غير موجود نظرا لاختلال الميزان السكاني لصالح الأجانب على حساب المواطنين. وبطبيعة الحال فإن حجم هذه التحويلات التي تشكل نزيفا يقلق المشتغلين في الحقل الاقتصادي والمخططين للمستقبل, وفي حالة دولنا فإن أمر الاستفادة من هذه التحويلات عن طريق ابقاء جزء منها في شكل استثمارات يتحول إلى أمر حساس للغاية, ما بين تأييد اعطاء هذه العمالة حق التمليك والاستثمار وما بين الرفض المطلق, فيكون الموقفان غير منصفين وغير منطقيين وانفعاليين أيضا, وهما لذلك غير مطلوبين, مقابل التفكير المنطقي الذي يقوم على قاعدة لا ضرر ولا ضرار, ولا فرط ولا تفريط. فالمنطق الرافض يعني استمرار الهدر والنزيف, والمنطق الذي يدعو للتمليك من دون توخي الحذر ومعرفة الأخطار يعني الاجتياح الكلي للاقتصاد الوطني ثم السيادة, ومقابل ذلك ينهض المنطق الثالث, الذي يدعو الى تقنين استثمارات الأجانب الموجودين عندنا, بما في ذلك العمالة, والاستفادة من مدخراتها بطرق ووسائل معروفة ومشروعة ولا خطر منها لأنها باستمرار تظل تحت السيطرة وبأيد وطنية خالصة. لذلك فالدول تشجع مصارفها على انشاء محافظ استثمارية تمتص شيئا من أموال ومدخرات هؤلاء, بدلا من ان تمتصها مصارف بلدان تصدير هذه العمالة, كما يمكن تشجيع جذب مدخرات هؤلاء نحو البورصة بالسماح لهم بشراء وتداول الأسهم في حدود معينة, كما يمكن أيضا انشاء شركات مساهمة وتمليك هؤلاء نسبة من الأسهم لا تزيد على 20% مثلا, وغير ذلك من قنوات وأساليب نضمن معها عودة أو بقاء جزء من أموالنا في بلادنا بدلا من رحيلها بالكامل إلى الخارج. وهكذا فإنه يمكننا التمييز ما بين الاستثمارات المطلوب جذبها من الخارج, فتكون لها مواصفات خاصة وشروط معينة, وما بين مدخرات الوافدين المقيمين فنحسن الاستفادة منها أيضا ضمن شروط ومواصفات معينة, لنصل من سلسلة هذه الزوايا المتتابعة حول الاستثمارات الأجنبية وتمليك الأجانب إلى خلاصة بسيطة علينا الالتفات إليها دائما, هي ان الاستثمارات الأجنبية وتمليك الأجانب حتى في حالتنا شديدة الخصوصية ليست خيرا كله ولا هي في الوقت نفسه شرا كله, وان هناك على الدوام ما بين الطريق الأول والطريق الثاني, طريقا ثالثا علينا ان نراه, فالحياة ليست أبيض أو أسود, إنها أكثر من ذلك.