من الآثار المترتبة على اتفاقات رأس المال الحر في الساحة التجارية العالمية ان تلك الاتفاقات تحد من نطاق الديمقراطية وذلك بانتقال سلطة اتخاذ القرارات في عدد من المجالات الاقتصادية والاجتماعية الى أجهزة بيروقراطية تابعة للشركات ومتخطية لحدود الدولة . واحيانا غير قليلة لا تكون تلك الأجهزة خاضعة للمساءلة الحكومية. ويحدث انتقال السلطة هذا بطرق منها وضع تلك الاتفاقات لقيود قانونية على السياسة التي تتبناها الحكومة. ومن هذه الطرق ايضا ضغوط السوق المحلية والسوق العالمية على الحكومات. وهذه السوق تولدها المنافسة المتزايدة الحدة بين الشركات على فرص الاستثمار المحلي والخارجي. وفضلا عن الاستثمار تتعلق هذه القيود القانونية بالمعايير الفنية (التقنية) وبحقوق الملكية الفكرية. بموجب اتفاقات رأس المال الحر من غير المقبول ان تتقدم الحكومات الوطنية بـ (متطلبات الاداء) ــ أي الشروط التي قد تطلب الحكومات من الشركات الاجنبية المستثمرة ان تلبيها مقابل الحق في الاستثمارات في البلد. من الممنوع على البلدان التي يجري الاستثمار فيها ان تطالب الشركات المستثمرة الاجنبية بنقل التكنولوجيا اليها وان تصدر تلك البلدان تعليمات بتصدير المواد المنتجة الى الاسواق العالمية بدلا من الاسواق المحلية وبمعالجة مواد خام الى مستوى معين قبل التصدير وباعادة استثمار قسم معين من الارباح على الصعيد المحلي. وبموجب تلك الاتفاقات لا يمكن للحكومات ان تضع برامج أو انظمة جديدة تقلل القيمة (المتوقعة على نحو معقول) للاستثمارات الاجنبية دون ان تدفع تلك الحكومات تعويضات للمستثمرين. وفي البلدان التي تشكل فيها شركات اجنبية جزءا كبيرا من قطاع من القطاعات مثل التصدير أو الاستيراد أو التسويق أو التأمين أو النقل فان ضرورة دفع التعويضات يمكن ان تجعل تنفيذ برامج أو انظمة جديدة مكلفا, مما يجعل تلك الحكومات تعدل عن وضع تلك البرامج والانظمة رغم ان المصلحة العامة قد تقتضي وضعها. ورقعة هذا المقال تضيق عن القيام باستعراض شامل لجميع الاحكام الجديدة التي ترد في اتفاقات حرية رأس المال والتي تمس بقدرة الحكومات الوطنية على التحكم بانشطة الشركات غير الوطنية. وبالنظر الى ان دعاة حرية رأس المال يعارضون (تدخل الدولة) في الاقتصاد فانهم لا يعتبرون تقييد الحكومات بأحكام تلك الاتفاقات ينطوي على التضحية من جانب تلك الحكومات. وتقوم تفاوتات في قوة المساومة بين السلطات الحكومية والشركات غير الوطنية المتزايدة النشاط. وتزيد هذه التفاوتات في القوة, بدورها, التفاوتات في الدخل والثروة, وتقل قوة المساومة لدى الحكومات الوطنية عن قوة المساومة التي تمتلكها هذه الشركات. ويقر الاقتصاديون بان تحرير التجارة, بمعنى جعلها ليبرالية, يمكن ان يخفض مستوى الاجور في القطاعات التي تنافس فيها منافسة مباشرة المواد المستوردة التي انتجها عمال اجانب يتقاضون اجرا زهيدا المواد المنتجة محليا. ليس هذا فحسب ولكن اية سلعة أو خدمة ايضا يتم انتاجها أو اداؤها محليا ولكن يمكن ان تنتج أو ان تؤدي في مكان آخر تتعرض لضغوط الشركات باتجاه تخفيض الاجور وتقليل المستحقات من اجل تقليل انجذاب الشركات الى نقل عملية الانتاج الى اماكن اخرى تكون فيها اجور العمال اقل. وفي ضوء هذا التحليل يمكن القول انه من المتوقع ان تزداد التفاوتات في الدخول زيادة كبيرة. وهذا التوقع تؤيده تجربة السنوات الخمس عشرة الاخيرة. يشير الدارسون للموضوع الى ان تفاوت الدخل في تلك الفترة في البلدان التي اتبعت سياسة الليبرالية التجارية الجديدة على نحو اشد صرامة, ومن تلك البلدان الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ونيوزيلندا, زاد بسرعة أكبر من سرعة زيادته في بلدان اخرى, منها البلدان الاعضاء في منظمة التعاون والتنمية في المجال الاقتصادي. وفي صفوف البلدان الاقل نموا في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية, فان البلدان التي احتضنت صفواتها السياسية اصلاحات الليبرالية الجديدة نشأت فيها تفاوتات واسعة في الدخول, مما زاد حالة الفقراء سوءا. ويقلل التفاوت المتنامي في الدخل جودة السياسة الديمقراطية, فذلك التفاوت يزيد التفاوتات في حجم النفوذ السياسي لان امكانية الوصول الى الموارد المالية والى ما يقترن بها من امكانية التحصيل العلمي وغيرها مهمة جدا للمشاركة السياسية الفعالة. ويحتمل ان يؤدي هذا الاختلال المتنامي الى اتباع سياسات تؤيد الذين يمتلكون فعلا قدرا أكبر من الثروة, مما يولد حلقة مفرغة من تزايد التفاوت السياسي والاقتصادي. واذا اتضح ان جهود الاصلاح الشعبي ليست فعالة أو اذا قمعت تلك الجهود تزايد عدد المواطنين الذين يغتربون عن العملية السياسية. واذا حدث ذلك تزايد عدد الذين يصبحون على استعداد لان يغشوا النظام بطريقة أو باخرى. ويزداد الفساد انتشارا, مما يزيد من الاسهام في اضعاف شرعية المؤسسات الديمقراطية. ووجد ادوارد مولير ان التفاوتات في الدخل كانت مسؤولة عن ستين في المائة تقريبا من الاختلافات في استقرار النظام الديمقراطي في ثلاثة وثلاثين بلدا بين 1960 و1980. لقد انهارت الديمقراطية في البلدان الستة التي تلقت فيها اغنى نسبة عشرين في المائة من السكان أكثر من 54 في المائة من الدخل الوطني والنقطة الجوهرية التي اراد مولير ان يشير اليها هي انه توجد علاقة متبادلة بين مستويات التفاوت المالي والاقتصادي ونوعية الديمقراطية, ان اضفاء الطابع العالمي الذي تشجعه اتفاقات رأس المال الحر يحتمل ان يزيد من تفاقم التفاوتات القائمة فعلا التي تسهم في ايجادها سياسات الليبرالية الجديدة, أي النزعة الى المساس بدولة الرفاهية والى ازالة الانظمة التي تضعها الحكومات الوطنية والتي تقيد حرية رأس المال وتقليل حجم الضرائب وضبط تداول النقد للتحكم بالاقتصاد وما الى ذلك ــ وهي السياسات المتبعة في بلدان كثيرة منذ أواخر سنوات السبعين. وهكذا, بخلاف تصور الليبرالية الجديدة, فان اضفاء الطابع العالمي القائم على الليبرالية الجديدة لا يشجع اضفاء الطابع الديمقرطي ولكن يحتمل ان تضعف النظم الديمقراطية الجديدة الناشئة في السنوات الخمس عشرة المنصرمة وان تخفض مستوى نوعية الديمقراطية في البلدان التي تمارس الديمقراطية فيها. ولا يسهم اضفاء الطابع العالمي على الاقتصاد في تقليل فرص العمل ولكنه يسهم ايضا في نشوء الازمة البنيوية للتمويل العام. نتيجة للاقتصاد العالمي فقد عشرات الملايين فرص عملهم. في تقدير بعض المصادر ان صناعات المانيا الغربية فقدت أكثر من مليون فرصة عمل خلال السنوات الثلاث من 1991 الى 1994. وفي عدد من البلدان المتقدمة النمو الغربية في سنوات التسعين فان ثلاثة الى اربعة اخماس العمال الذكور حصلوا على اجر من الساعة اقل بنسبة 8 الى 20 في المائة بالقيمة الحقيقية مما حصلوا عليه في سنوات السبعين, وان من خمس الى ربع العمال يعملون بأجور دون مستوى الفقر الرسمي. لقد هبط في تلك البلدان خلال السنوات الست المنصرمة الدخل الصافي المتوسط للناس. وفي اماكن كثيرة في البلدان النامية تتضح معالم صورة قاتمة ايضا: أجور شديدة الانخفاض وساعات عمل طويلة وظروف عمل رديئة ومعايير متدنية للسلامة. تبعث الصور الملتقطة في العالم على الحزن حقا. ورد في مجلة نيوزويك انه في خلال أشهر قليلة في سنة 1995 اعلنت 15 ألف شركة افلاسها وفقد ثلاثة ملايين شخص وظائفهم في المكسيك. وتسهم البطالة في الحد من الأموال الضريبية التي تدفع للحكومة, والبطالة تغذي البطالة. وهذه التغذية تقلل الدخول الحكومية. ويكدس أصحاب الثروة ورأس المال مئات المليارات من الدولارات في ايديهم. ولا يدفعون الضائب بما يتناسب مع حجم ثروتهم. وبالتالي يقل اسهامهم في الدخل الحكومي وفي تمويل الانفاق العام. أوجد تضاؤل المصادر المالية للدولة مشكلة بالنسبة الى الحكومات. ان تقليل فرص العمالة والحد على نحو نسبي من تدفق الدخول المالية على الحكومات زادا من الحاجة الى العرض المنكمش من المال. وانكماش هذا العرض يسهم في زيادة انتشار الفقر, وخصوصا في بلدان العالم الثالث التي هي في مسيس الحاجة الى الموارد المالية اللازمة لتمويل مشاريعها وتنفيذ سياساتها. وليس مما يبعث على الدهشة ان هذه الازمة البنيوية للتمويل العام اسهمت اسهاما ذا شأن في شتى ارجاء المعمورة في نشوء الظاهرة التي نشاهدها, مناظر المدن الكبيرة التي تحيط بها الاحياء القذرة والفقيرة والمكتظة بالسكان, وأصحاب الثروة الكبيرة الذين يحيط بهم الفقراء. ومما يدل على حجم التفاوت المالي امتلاك 400 شخص لثروة تعادل ما يملكه 5.2 مليار من الأشخاص, أي أكثر من ثلث سكان الكوكب, بنسبة 1 الى سبعة من ملايين الاشخاص, ان البنية الاقتصادية العالمية تؤدي الى نشوء مجتمع عالمي تملك نسبة قليلة من سكانه اغلبية الثروة.