تحمس العرب طوال العقود الماضية الى أفكار الوحدة والاشتراكية ثم الاصولية وهاهم الآن يتحمسون لفكرة الديمقراطية.لكن بعد كل هذه الأعوام لم تتحقق الوحدة ولم تتحقق الاشتراكية ولم تقم الدولة الاسلامية. فيما تحوم الشكوك حول تحقق الديمقراطية . لا ريب ان أحدا يجب ان يسأل نفسه لماذا؟ أين يكمن العيب وأين الخلل؟ هل هو في المشاريع نفسها؟ هل هو في الاشخاص الذين تصدوا لها, هل هو في الواقع العربي؟ هل هو في الحكومات العربية؟ هذا أمر من الواجب ان يبحث على نطاق واسع. ان تجربة عقود وأجيال مختلفة من المواطنين العرب لا ينبغي ان تضيع هدرا, كما لو ان شيئا لم يحدث. على الأقل لابد ان يعرف الناس الذين كانوا وقودا لهذه المشاريع لماذا فشلت, ولابد ان يتعرفوا على مختلف أوجه التجربة, ما ظهر منها وما بطن. هذا من حقهم الادبي والمادي على أية حال. نقول ذلك وليس في ذهننا تجريم أحد أو انتقاص قيمته, ولكن في ذهننا في الوقت نفسه اشاعة المعرفة واشاعة المكاشفة والشفافية والمصارحة. نحن نطلب من الحكومات عادة ان تفعل ذلك مع مواطنيها, والاحرى ايضا ان يفعل الناس ذلك مع أنفسهم ومع بعضهم البعض. فمن دون هذا لا يمكن لعمل سياسي عربي حقيقي ان يتطور مهما كانت قيمة هذا العمل أو أهميته أو فائدته, أو مهما اعتقد القائمون عليه انهم يسلكون الطريق الصحيح. فضلا عن ان الحياة السياسية العربية لا يمكن ان تظل هكذا مجرد انتقال من مشروع لآخر. لا يمكن ولا يجب ان تظل حقل تجارب. فالحياة أثمن كثيرا من اضاعتها في ارتكاب الاخطاء وتكرارها. الوحدة العربية للوحدة كما للفكرة القومية موقع أثير في نفوس العرب. والحق ان كل أمة على وجه الأرض تعتز بقوميتها وتنشد جمع شتات أطرافها في اطار دولة مركزية واحدة. وقد دخلت كثير من الأمم حروبا ونزاعات من أجل هذا الغرض. وما نراه اليوم من دول قومية مكتملة التكوين, لم يأت هكذا فجأة أو دفعة واحدة. لكن مشكلة العرب انهم حين بدأوا يعون فكرة القومية والوحدة, ثم حين راحوا يشرعون في تطبيقها على أرض الواقع, نظروا فقط الى هذه الافكار وهذه الطموحات والمشاريع. وقد وجدوها عظيمة ونبيلة وجديرة بالتحقق. لكنهم لم ينظروا الى الواقع نفسه الذي أراد ان يقيموا عليه مشروعهم. لم ينظروا الى طبيعته وتضاريسه التي حفرتها في وجهه عوامل الزمن والجغرافيا والتاريخ. لم يروا الا ما أرادوا ان يروه, وتجاهلوا معطيات وحقائق الوقائع الصلبة. ولذلك حين أُريد لها اقامة بعض نماذج الوحدة العربية, ظهر الأمر كما لو ان هناك فجوة كبيرة بين النظرية والتطبيق, بين الفكر والواقع العملي. ثم تحولت محاولات سد هذه الفجوة الى عمليات دمج قسرية والحاق وضم. ولذلك لم تنجح أية وحدة من هذا القبيل, في حين مازالت مشاريع التنسيق والتكامل العربية معطلة. هل يعني ذلك ان فكرة القومية أو الوحدة العربية هي فكرة خاطئة؟ هل يعني ذلك ان من رفعوا لواء هذه الأفكار كانوا بالضرورة كلهم مغامرين ومتعطشين للدماء؟ بالطبع لا. لقد حاول كثير من هؤلاء ان يفعلوا شيئا اعتقدوا انه يصب في مصلحة أمتهم وشعبهم. اعتقدوا ان هذا هو خلاص العرب الوحيد, وهي سفينة النجاة لهم في هذا العالم. لكن خانتهم الوسائل وخانهم الواقع. الواقع الذي لم يفهموه, أو ربما فهموه على نحو من الانحاء لكن لم يستطيعوا التصالح معه, لذلك كان مشروعهم مثل محاولة ادخال فيل في ثقب ابرة. تجاهل الواقع ما ينطبق على دعاة القومية والوحدة ينطبق ايضا على دعاة الاشتراكية. الواقع ان الاشتراكية في العالم العربي ربما كان موضوعها أعقد كثيرا, فهي منذ البداية وكفكرة لم تؤسس لعلاقة مباشرة مع الواقع العربي. ورغم ان نشطاءها تحركوا تحت غطاء مناهضة الاستعمار حينا وتحت غطاء (الديمقراطية) احيانا اخرى, أي انهم اختاروا الجوانب اللصيقة بحياة المجتمع واهتماماته. لكن الاشتراكية العريبة ظلت فترة طويلة مجرد شعار مبهم, وفي كثير من الاحيان مختلف حوله. فإلى جانب الاشتراكية العلمية ــ السوفييتية ـ ـ ظهرت اشتراكية عربية واشتراكية صينية... الخ. وحتى النظم العربية التي تبنت بهذه الصورة أو تلك بعض التطبيقات الاشتراكية لم تكن مقتنعة بها وسرعان ما جرى التخلي عنها. تظل تجربة اليمن الجنوبي في الاشتراكية هي الاكثر فرادة. وربما لسوء حظ الاشتراكية والاشتراكيين العرب انها طبقت بالذات في اليمن. أي في البلد الذي تبرز فيه خصائص الواقع العربي الاكثر مغايرة لهذه الفكرة. نقصد خصيصة القبلية والتدني في مستوى الانتاج والفقر والأمية... الخ. ومع ذلك لم يلتفت الكثيرون في ذلك الوقت الى هذه التناقضات والاشكاليات. لم يلتفتوا الى استحالة نجاح نموذج اشتراكي (متطور نظريا) في واقع عملي غير مهيأ له تماما. والسؤال هو لماذا كان هؤلاء يفكرون على هذا النحو؟ لماذا تجاهلوا حتى أبسط مبادىء الفكر الاشتراكي نفسه في تجربة اليمن؟ والجواب هو لأن الفكرة هي التي كانت مسيطرة وليس الواقع. على سبيل المثال: فكرة العمال, وليس وجود العمال أنفسهم, فكرة البرجوازية, وليس البرجوازية فكرة الصراع الطبقي وليس وجود الصراع نفسه... الخ. كان الحماس لتطبيق الافكار (التي في الرؤوس) أقوى بكثير من أي اعتبار آخر. لم يكن مهما مثلا ما اذا كان هذا التطبيق حقيقيا أم لا, منطقيا أم لا. ما اذا كان المجتمع العربي بتركيبته المعروفة يستوعب أو ينسجم مع المفاهيم والمقولات الاشتراكية التقليدية. بالطبع فيما بعد جرى الاعتراف بهذه الحقائق والمعطيات كلها أو بعضها, لكن ذلك جاء متأخرا كثيرا.. متأخرا بأكثر من نصف قرن. اجتماع النقائض يبدو المشروع الاصولي لأول وهلة انه جاء كرد على فشل باقي المشاريع الفكرية العربية. وهو قدم نفسه على اساس انه المنقذ والسبيل الوحيد لإخراج العرب والمسلمين من مشاكلهم. وصاغ ذلك كله في اطار ديني مبسط وسطحي. وربما كان هذا الاساس هو الذي جعله يستقطب تأييد وحماس الكثيرين, بسهولة وسرعة. بيد ان الحقيقة ان هذا المشروع لم يكن يختلف كثيرا عن المشاريع الاخرى. سواء لجهة تجاهله للوقائع المعاصرة أو لاخفاقه في فهم طبيعة الواقع العربي. لقد استغل المشروع الاصولي البعد الزماني الهائل الذي يفصلنا عن صدر الاسلام. استغل احدا, بما في ذلك الاصوليون انفسهم, لايملك اي فكرة حقيقية عن ذلك العهد. وراح يقدم بناء عليه حلولا جاهزة ومشبعة بالتفاؤل والآمال العريضة, للمشاكل المعاصرة لكن حين حاول تطبيقها في الواقع العملي, اتضح انها لم تكن صالحة. والنتيجة ان مشكلات جديدة بدأت تظهر بالاضافة الى المشكلات الموجودة أصلا. من المثير بالنسبة للتيار الاصولي كما هو الحال بالنسبة لبعض التيارات الأخرى. انه ابقى لنفسه صلة بالديمقراطية! ومع انه لم يشرح كيف يمكن جمع النقائض في سلة واحدة, الا ان بعض اطراف هذا التيار راحوا يربطون بين حركتهم وبين مطلب الديمقراطية. ولعل من مفارقات الحياة العربية ان الاصولية طبقت بالذات في السودان. في البلد العربي الوحيد الذي كانت لديه تقاليد ديمقراطية حقيقية, اي في آخر البقاع التي يمكن أن تكون مواتية لها, كما طبقت الاشتراكية من قبل في اليمن. وكانت أول مهمة للحكم ان فكك النظام الديمقراطي واحل بدلا منه نظاماً عسكريا لايزال في حيرة من أمره. اما الحركات الاصولية الاخرى في العالم العربي فلم يكن حالها افضل. قميص (الديمقراطية) يمكن اعتبار المطلب الديمقراطي مطلبا قديما في أدبيات الحركات السياسية العربية على اختلافها. صحيح ان كلا منها يفهم الديمقراطية التي يريدها. غير انه من النادر ان يقبل اي منها مع ذلك بان يعرف كحركة (غير ديمقراطية) . حتى الحركات التي تبنت او تتبنى فكرا شموليا, لم تتوقف يوما عن الحديث عن الديمقراطية. هذه الظاهرة لها علاقة بجذر الاستبداد في المجتمع العربي, اكثر منها أي شيء آخر. وتوجد ظاهرة ملفتة هنا, وهي انه رغم الحديث الدائم عن الديمقراطية, الا انه لا توجد حركة أو حزب سياسي عربي يطبق الديمقراطية, لا بينه وبين اعضائه ولا بينه وبين باقي افراد المجتمع. بل لعله في بعض القضايا يتخلى تماما عن اي تقليد (ديمقراطي) . وربما كنا سنتساءل كيف يمكن لحركات غير ديمقراطية ان تحقق الديمقراطية في مجتمعاتها؟! غير اننا لن نفعل, لاعتقادنا بان هذا واضح ومن السهولة ان يخطر على ذهن اي قارىء حصيف. بدلا من ذلك سنقول انه من الخطأ اختصار الطريق الى الديمقراطية بمجرد شعارات وتمنيات. ربما كان ما تقصده تلك الحركات شيئا آخر خلاف الديمقراطية. ربما كان نوعا من المشاركة في السلطة أو الاعتراف بها كقوى مجتمعية فاعلة, وان استخدام شعار الديمقراطية هنا كقميص عثمان ليس إلا. ربما كان ذلك هو المقصود في نهاية الامر. ونحن نميل الى هذا التفسير, لاننا لو نظرنا للواقع لما وجدنا مواطنا عربيا يريد الديمقراطية حقيقة. انه يريد اشياء اخرى, مثل العمل والغذاء والتعليم, وشيء من الكرامة والعدالة والحرية.. الخ. يريد هذه المطالب في الواقع, لكنه يعتقد بضرورة تغليفها بشعار أقوى وبراق وذي جاذبية. شعار لا يفضح الحاجة الحقيقية, بل يخفيها وراءه, لان اعلان الحاجة يعتبر في المفهوم العربي ذلا. ولذلك لم يكن مهما عند الشارع العربي ان يكون الشعار المرفوع هو الوحدة مرة, ثم هو الاشتراكية مرة اخرى> ثم الدولة الاسلامية (الاسلام هو الحل), ثم هو الآن الديمقراطية.. وقد يصبح غدا شيئا آخر المهم ان تكون لديه القابلية كي يصبح شعارا يرفع أو يغري بالرفع. المهم انه ينفس عن الضغط المكبوت في قدر النفس البشرية.. نفس الانسان العربي. سوق الافكار هكذا كما رأينا فان العرب لم تكن تنقصهم المشاريع الفكرية, ولم يكن ينقصهم الحماس والاستعداد للعمل من أجلها. لم يكن ينقصهم عامل التضحية والبذل في تحقيق مايعتقدون انه صحيح ومفيد. لكن هذه الحماسة وتلك التضحية لم تفدهم شيئا مع ذلك في الواقع العملي. لم تدفع بأوضاعهم السياسية والمعيشية خطوة الى الامام. لم تجعلهم في موقع أقوى في مواجهة القوى الخارجية الطامعة فيهم. ولم تجعل بلدانهم اكثر مناعة وحصانة ضد الابتزاز والضغوط الخارجية. والحال انه لابد من السؤال: هل يجب التخلي عن هذه المشاريع الفكرية؟ هل يجب الكفر بها مثلا؟ هل يجب تحميلها مسؤولية ما آلت اليه اوضاعنا؟ اذا فعلنا ذلك فنحن سنكون كمن لم يتعلم الدرس. لم يتعلم من تجربته أو تجارب الحياة شيئا. هذه التجارب التي تقول بان الافكار ليست مسؤولة عن اخطاء البشر. نعم قد تكون هناك افكار خاطئة أو غير دقيقة أو غير عملية, لكن يفترض ان الانسان لديه القدرة على اختيار الفكرة الصحيحة وتنحية تلك الخاطئة. يفترض انه من يصنع الافكار ومن يطورها او يدحضها. فهو في نهاية الامر المنتج والمستهلك للفكرة. وككل منتج يسعى لاتقان صناعته بغية ترويجها, فان كل مستهلك عليه التدقيق جيدا قبل اقتناء اية بضاعة. ففي سوق الافكار ايضا يوجد غش ويوجد تزييف كما في الاسواق العادية. توجد بضائع مضروبة بجانب البضائع الاصلية. ولا توجد حصانة لمن لم يعرف ومن لا يفهم ومن لم يسمع. ولهذا ينبغي أولا تنمية الذائقة والخبرة لدى الانسان كي يستطيع التمييز بين هذا كله. كي لا يشتري شيئا يعتقد انه افضل ما في الوجود (وافضل ما انتج في السوق), ثم يكتشف ان ما بحوزته لم يكن سوى خردة صدئة. * كاتب بحريني