قيل لنا ان موعد المغادرة تم تأجيله إلى أن ينتهي اجتماع الرؤساء الثلاثة.الزمان: نوفمبر1970.والمكان: القاهرة. والرؤساء الثلاثة كانوا: أنور السادات وجعفر نميري ومعمر القذافي.الاجتماع لم يكن مقرر سلفا. والضيفان الكبيران للرئيس السادات كانا ضمن رؤساء الدول العربية الذين توافدوا إلى القاهرة بدعوة رسمية لحضور حفل تأبين عبدالناصر رحمه الله بمناسبة مرور أربعين يوما على رحيله الفادح . ومن قبيل الصدفة كنت هناك كأحد الأعضاء الثانويين في الوفد الرسمي السوداني كدبلوماسي صغير (بدرجة سكرتير أول) في ديوان وزارة الخارجية السودانية. كان الاجتماع الثلاثي مقتصرا على الرئيس المضيف وضيفيه الكبيرين فقد استبقاهما بعد أن ودع كل الرؤساء الآخرين. الآن وبعد مضي ما يقارب ثلاثين عاما أقول لنفسي كلما طرأ ذلك الاجتماع على الذاكرة انه اجتماع تاريخي فاصل بالنسبة للسودان. حينذاك لم يكن متاحا لأي من أعضاء الوفد السوداني المرافق للرئيس نميري أن يعرف فوريا ما دار في الاجتماع وما انتهى إليه الرؤساء الثلاثة. حتى وزير الخارجية فاروق أبوعيسى, مثله مثل وزيري خارجية مصر وليبيا, لم يعرف للتو ما جرى.. فقد استبعد وزراء الخارجية من الاجتماع تماما. السادس عشر من نوفمبر 1970 تاريخ لا يمكن أن ينمحي من ذاكرتي. فهو اليوم التالي مباشرة لعودتنا إلى الخرطوم مع الرئيس نميري. في ذلك اليوم ــ 16 نوفمبر ــ أعلن نميري ما علمنا فيما بعد انه قرار اجتماع القاهرة الثلاثي. فقد أصدر بيانا رسميا بصفته (رئيس مجلس قيادة الثورة) يعلن فيه (تطهيرا عرقيا) داخل المجلس باستبعاد العناصر اليسارية والشيوعية من عضوية المجلس. وهكذا أخرج من المجلس كلا من المقدم بابكر النور والرائد فاروق حمدالله والرائد هاشم العطا بعد أن نعتهم رئىس المجلس بالخيانة على أساس انهم (طابور خامس) داخل المجلس يعمل لحساب الحزب الشيوعي ويسرب أسرار الاجتماعات إلى قيادة الحزب. كان نميري كاذبا. والكذب المرضي هو أحد علله النفسية المتعددة. فلو صدق حينذاك وأفصح عن ذات نفسه لقال ان هؤلاء الأعضاء الثلاثة يمثلون الاستقلالية الوطنية السودانية داخل هيئة حاكمة تتكون غالبية عضويتها ــ بمن في ذلك نميري نفسه ــ من عناصر موالية تماما للقاهرة بصورة منهجية.. ولقال أيضا ان الرئيس السادات ومعه العقيد القذافي شجعاه على اتخاذ قرار تصفية الأبطال الثلاثة. كان هدف السادات الاستراتيجي هو استكمال السيطرة المصرية على (نظام مايو) . وأقول (استكمال) لان تلك السيطرة بدأت بالفعل حتى قبل وقوع الانقلاب في 25 مايو 1969. كان الانقلاب تدبيرا مصريا بالدرجة الأولى, وقد شارك في أمر التدبير والتنفيذ شخصيات سودانية ــ من عسكريين ومدنيين ــ ممن عرف عنهم آنذاك الولاء, ولا أقول العمالة, لمصر. من هؤلاء: العقيد جعفر نميري والرائد خالد حسن عباس والرائد مأمون عوض أبو زيد والرائد أبو القاسم محمد ابراهيم. وكان هناك اثنان آخران في الظل يمكن اعتبارهما العقل المدبر للخطة الانقلابية.. وهما الشقيقان اللواء أحمد عبدالحليم والعميد محمد عبدالحليم. ومن المدنيين كان هناك القاضي بابكر عوض الله ومعه أحمد سليمان ومعاوية ابراهيم عضوا المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني آنذاك. كان ذلك على عهد عبدالناصر. ووفقا لرؤيته كان الهدف هو انشاء نظام يساري سوداني على غرار النمط الناصري.. نظام يجمع بين الحزب الشيوعي مستفيدا من قاعدته التنظيمية النقابية وبين العناصر والشخصيات اليسارية الأخرى والعناصر القومية العربية. وبطبيعة الحال فإن تحقيق هذا الهدف كان يتطلب بالحتمية ضرورة القضاء على القوى التقليدية الحزبية وعلى الأخص حزب الأمة وطائفة الأنصار.