أتابع منذ سنوات مايقوم به صندوق النقد العربي من جهود مشكورة في مجال العمل الفكري والاعلامي وسعدت حين تم انشاء معهد السياسات الاقتصادية ليكون الحلقة الضرورية بين صلاحيات الصندوق وجهوده المباركة وبين المعاهد النظيرة في العالم والجامعات والمصارف واصحاب القرار المالي والاقتصادي عموما . ودأب المعهد على إصدارات متميزة وعقد ندوات مالية واقتصادية متخصصة, جعلت الشأن العربي المالي والاقتصادي في متناول المثقف العربي العادي وغير المتخصص. واستعرض اليوم مع قرائي الكرماء كتابا مفيدا وثريا وعلميا اصدره معهد السياسات الاقتصادية التابع لصندوق النقد العربي بعنوان (سياسة وادارة الدين العام في البلدان العربية, يضم أهم بحوث ودراسات ومناقشات حلقات العمل التي نظمها المعهد حول هذا الموضوع الحيوي الاساسي وتكفل بتحرير مقالاته كل من الزميلين د. علي توفيق الصادق ود. نبيل عبد الوهاب لطيفة. وفي التقديم الذي حرره الدكتور جاسم المناعي مدير عام ورئيس مجلس ادارة صندوق النقد العربي, نجد أهم ملامح الموضوع الذي هو سياسة وادارة الدين العام في البلدان العربية, والدين هو بالطبع احد المصادر الهامة للتمويل والاسراع بعملية التنمية ووجب على الحكومات ان تحلل آثار الدين العام سواء كان محليا أو خارجيا على اداء الاقتصاد الوطني ووضع ميزانية الدولة والحساب الجاري في ميزان المدفوعات بالاضافة الى اثره على الجدارة الائتمانية للدولة. ويقول د. جاسم المناعي انه تم التمييز بين الدين المحلي والدين الخارجي من حيث الاعباء التي يتحملها الاقتصاد. ففي حالة الدين الخارجي لابد من تحويل موارد الاقتصاد الى المقرضين في الخارج, في حين يبرز الاثر الرئىسي للدين المحلي في شكل إعادة توزيع للدخل بين المواطنين. فالدين العام الخارجي قد يفيد الاقتصاد الوطني من خلال المساهمة في تمويل عملية التنمية اذا ماكان الاقتصاد قادرا على تحمل هذا الدين, وقد يضر بالاقتصاد في مراحل لاحقة اذا ماكان الاقتصاد غير قادر على تحمل هذه الاعباء. والدول العربية, كما يشير د. جاسم المناعي, هي دول نامية لها طموحات تتمثل في التنمية الشاملة أي بجناحيها الاقتصادي والاجتماعي بما في ذلك التنمية البشرية, لذا كان لابد من قيام الحكومات في الدول العربية بالريادة في مجال التنمية, خاصة وان القطاع الخاص لم يكن مؤهلا لتولي هذه المسؤولية الكبيرة, مما ادى بالحكومات العربية الى التوسع في الانفاق الى مستويات تفوق أحيانا حصيلة ايراداتها. والملاحظ في بداية الثمانينات ان الاقتصادات العربية تعرضت لتردي اوضاع موازينها ونقص تدفق الرساميل نتيجة أوضاع عالمية متأزمة ذات اضلاع ثلاثة: 1 ـ ارتفاع اسعار الفائدة للقروض الخارجية. 2 ـ تقلبات اسعار صرف العملات الرئيسية. 3 ـ البطء العام الذي أصاب الاقتصادات المركزية (الامريكي والاوروبي والياباني). ومن جراء ذلك تفاقمت مشكلة الدين لدى الحكومات العربية ــ مثل سائر حكومات دول العالم الثالث ــ واصبح من الضروري علاجها مع المؤسسات المالية العالمية والرضوخ لما يسمى عمليات التصحيح المفروضة من قبل صندوق النقد الدولي, مع ما يتبع ذلك ويصحبه من هزات اجتماعية معروفة, لم تبلغ في التسعينات من حسن الحظ من العنف والاتساع ما بلغته في السبعينات والثمانينات حين كادت الهزات الشعبية تتحول الى ثورات موجهة وعنيفة تزعزع بعض الحكومات العربية. والسؤال الذي يبدو وأن الكتاب المذكور وضع لأجل الاجابة عنه هو: كيف تهتدي الحكومات العربية الى توظيف الدين العام ــ مادام شرا لابدّ منه ــ نحو التنمية المستديمة التي تراعي الجانب الاجتماعي والانساني لدى الشريحة العاملة المنتجة وتضع المخططات بعيدة المدى التي لاتفصل بين المؤسسة التربوية والجامعية وبين المؤسسة الاقتصادية وبين التوازن الثقافي الاخلاقي للمجتمع؟ فالدين العام الخارجي سيظل معنا طويلا ومن مصلحة اية دولة عربية الا تورط الاجيال القادمة من اكثر مما تتحمله هذه الأجيال من طاقة تسديد هذه الديون بالنسبة الطبيعية المقبولة ويجب علينا جميعا كأجيال ان نتقاسم أعباء التنمية بالقسطاس, لا أن يجني جيلنا الجانب الاوفر من ثمار التنمية فيأكل اللحم ويترك لابنائنا القادمين العظم. ولعل احسن استنتاج شامل هو الذي كتبه الزميلان الدكتوران علي توفيق الصادق ونبيل عبدالوهاب لطيفة حين قالا: (في حالة تساوي سعر الفائدة على الدين العام ومعدل نمو الناتج المحلي الاجمالي فان نسبة الدين العام يمكن ان ترتفع مع مرور الزمن الى مستويات لاحدود لها اذا ما استمر العجز الاساسي في ميزانية الحكومة) . لقد لخص الزميلان مايمكن ان نطلق عليه كارثة الاقتصاد العربي في مطلع القرن المقبل, الكارثة التي نأمل الا نصل إليها اذا ما تحلت نظرة الحكومات بالحكمة والشورى والترفع والتضامن العربي.. وما أدراك ما التضامن العربي!