ما ان فرغ عالمنا المسكين من فرك يديه جزلا وهو يشاهد سقوط حائط برلين الشهير ايذانا بانتهاء الشيوعية وغروب الماركسية وزوال الظاهرة السوفييتية, حتى تلقفته ايادي(هيدرا)الوحش الاسطوري ذي الالف يد, كي تطبق على كيانه وتلحق به وباء المخدرات درج الناس منذ قديم الزمن التحذير من آفة المخدرات بادئين في التحذير بالأبعاد الأخلاقية والصحية والمالية التي تتسم بها آفة التعاطي بالنسبة لآثارها الوخيمة على الفرد ــ الانسان . ولا بأس ان نسوق في مفتتح هذه الاحاديث ــ وربما لكي نخفف وقعها ــ ابياتا من الشعر الساخر التي كتبها شاعر مصري كان يجمع بين تراكيب الفحص وطرافة العامة وهو حسين شفيق المصري الذي رحل عن الدنيا في عقد الاربعينات .. وفي هذه الابيات يقول الشاعر مخاطبا ولده الذي ساقته حماقة الشباب الى نبذ التعليم ومصاحبة الارزال وتعاطي الكيوف أو المكيفات: دفعتُ لابني الفلوس, ثم قلت له: العار في الجهل, والجهال في العار خذ الفلوس, وديها لناظركم لكي تكون الافندي الكاتب القاري فراح يرمح كالمجنون, ليلته من دار أنسٍ , الى نادٍ, الى بار يا واد: اين فلوسي, هل شربت بها من (الكيوف) صنوفا, سمها هاري مع الهلافيت تمشي, غير منكسف ما بين بياع ممبار وهجار والممبار (ميم مضمومة وميم ساكنة) هو المقانق او السوسدج ــ امعاء الحيوان تؤكل وهي محشوة أرزا .. وذلك كما لا يخفى على ذوقك ــ من أنفس انواع الطعام. المهم ان الشاعر الساخر ــ الحلمنتيشي كما كانوا يسمونه في حياته ــ كان يطل على ظاهرة الكيوف او المخدرات او المغيبات من منظور الاخلاق اذ هي تدعو الى سقوط الهمة وايضا من منظور الاقتصاد اذ هي مدعاة الى اهدار المال والصحة والفرص المتاحة على السواء. تقرير دولي خطير لكن ها نحن, وقد اتيح لنا ــ كاتب السطور ــ الاطلاع على دراسة دولية, اكثر من وافية, وافدح من خطيرة ــ تطل على ظاهرة المخدرات من الزاوية الأحدث والأخطر ومن أجلها نكتب هذه السطور في اكثر من حلقة كيما ندعو قومنا ــ والضمير هنا يعود على مسؤولي هذه الأمة ومخططيها ومفكريها ومثقفيها ــ الى تبني هذه الاطلالة, على المخدرات من منظور استراتيجي وسياسي وايضا من منظور عاصفة العولمة التي تكاد تتناول بين يديها كرة الارض التي نعيش عليها فاذا بها ــ الكرة أو الكوكب ــ فضاءات وكيانات شديدة التفاعل, بالغة التقارب منكشفة امام المؤثرات العابرة للاقطار والحدود وللقارات والثقافات على السواء. نعم, فلنظل على ظاهرة ــ آفة المخدرات مع القرن المقبل من منظور جيوسياسي ـ منظور الجيوبوليتيك, هذا هو بالضبط اسم المؤسسة الدولية التي صدر عنها التقرير الذي اشرنا فيما سلف من سطور. والاسم هو: الرصد الجيوبوليتيكي للمخدرات وهذه المؤسسة ــ المرصد تتخذ مقرها في العاصمة الفرنسية باريس وتمد فروعها وتوابعها الى بقاع شتى من العالم وتعكف ــ كما يدل على ذلك اسمها ــ على رصد تطورات حركة المخدرات ومتابعة المستجدات التي تطرأ على هذا المسار من شتى نواحيه وهي من قبيل: متغيرات العرض والانتاج. أحوال الطلب وأحجام الاستثمارات الموظفة. العلاقة بين جانبي العرض والطلب في سوق المخدرات وما يرتبط به من مركبات كيميائية وعقاقير تدخل تحت تسمية (المؤثرات العقلية) ــ وبين التطورات السياسية التي شهدها عالم الربع الاخير من هذا القرن, والتي هي بانتظار ممارسة تأثيراتها, جذرية وعميقة على عالم الألفية الثالثة للميلاد. من الكيوف إلى السياسة نحن اذن نفارق عالم الكيوف التي اشار اليه الشاعر الساخر حسين شفيق لكي ندلف الى عالم المخدرات والسياسة مع هذا التقرير الخطير الذي اصدرته مؤسسة الرصد الدولية التي ذكرناها وقد عرضت له في دراسة مكثفة مجلة (كرنت هستوري) التي تعنى بربط التاريخ المعاصر بالتطورات الآنية الحاصلة على مستوى العالم عبر مناطقه المختلفة حيث يشكل كل عدد صادر منها محورا أو ملفا متكاملاً حول هذا الجانب أو ذاك من تلك التطورات. ولما كان التقرير الدولي المذكور معنيا بالجوانب الجيو سياسية ــ الجيوبوليتيكية كما اسميناها, فقد كان طبيعيا ان يبدأ بعرض التطورات التي آلت اليها احوال عالمنا وخاصة مع عقدي الثمانينات والتسعينات وقد شهدا, كما هو معروف ذلك الانفجار السياسي المدني حمل اسم (سقوط ومن ثم زوال الاتحاد السوفييتي) . ولقد كان الاتحاد السوفييتي امبراطورية, مترامية الاطراف بالغة التأثير واسعة النفوذ في مجالات السياسة والعلم والتكنولوجيا, ولذلك جاء سقوطه مدويا, اذ انقض هيكله من اساسه وسقط ليخلف سحابات من الاضطراب العقائدي, وربما من الفوضى السياسية, وركامات واطلالا وضرائب وتقلصات, بل تشنجات من حيث كيانات الدول وصراعات الامم والاعراق والثقافات, ناهيك عن فراغ فكري وحيرة ايديولوجية نجمت عن افلاس الآله العقائدية ــ النظرية والمفاهيمية السوفييتية التي افلح ولاتها ــ عقودا من الزمن ان يخفوا عن الناس مدى سقمها وهزالها وتجاوز الزمن لها, وانقضاء عمرها الافتراضي, وربما عمدوا إلى حقن بمواد منشطة ابقت على شكلها منصوبا امام الناس فيما كانت في الحقيقة كيانا بلا عقل وفكرا بغير روح وشكلا دون جوهر من هنا حق للمراقبين ان يقولوا: لقد قيض للغرب ــ في اوروبا وامريكا ان يهلل لزوال الخصم السوفييتي, في الثمانينات وان تتناوشه ايادي (هيدرا) الوحش الخرافي في ميثولوجيا الاقدمين ـ وحش له اياد عديدة ومخالب شتى انشبها في بنية الغرب وكيان مجتمعاته, وهذا الوحش اسمه المخدرات التي جاءت وسط ما اسماه الرئيس الامريكي الاسبق باسم (النظام الدولي الجديد) . ولكنه لم يكن كذلك, بل كان في جوهره (غياب النظام) بمعنى سيادة اللانظام أو هي الفوضى والفراغ الذي لم يكن يملأه سوى ظاهرة المخدرات, لا في ابعادها الكلاسيكية ــ الاخلاقية أو الصحية أو المالية بل في ابعادها الدولية والجيوسياسية التي تمس اقتصاديات الدول والمنظومات الاخلاقية والسلوكية ــ منظومات القيم عند الامم والشعوب بالاضافة إلى ما نجم عنها, على نحو ما سنراه من اعادة رسم خريطة القوى السياسية وجماعات الضغط المؤثرة في القرار السياسي على مستوى هذه الامم وتلك الشعوب. ولان الغرب كان اول من استشعر الخطر على كيانه هو بالأساس فقد حق له ان يطلق على (غائلة المخدرات) التي اجتاحت مجتمعاته منذ اواخر الثمانينات وفواتح التسعينات الاسم الحركي الشهير: العدد رقم واحد وينهض, من ثم, إلى تحليل ابعاد هذه الآفة أو النكبة أو الغائلة ليخلص, بكلمات التقرير الذي اشرنا اليه إلى ما يلي: ان منظومة المخدرات (ها هي قد اصبحت منظومة تجسدت في علاقات شبكية على المستوى الدولي) هذه المنظومة, تضيف عبارات التقرير, باتت تعمل على نطاق عالمي, بالادق عولمى (غلوبال) لا يعترف بحدود الاقطار أو قواعدها ولا جنسياتها, بل تحمله قواعد العرض والطلب, وقواعد الاغراق بل وحتى المقايضة أو التبادل النوعي للسلع بين الاطراف, من هنا باتت منظومة المخدرات في حقبتنا الراهنة تشمل استراتيجيات وتكتيكات تؤدي من خلال حركتها وتفاعلاتها إلى التواصل على صعيد واحد بين مختلف الحضارات والمواقف والمبادىء إذ تؤثر عليها بأساليب شتى حسب نوعية المخدرات والمؤثرات العقلية التي تتصل بها, وهكذا جمعت منظومة المخدرات (المعولمة) كما قد نصفها بين عنصر المحلية والعالمية وبين عنصر القديم والمستحدث, وبمعنى آخر ــ يضيف التقرير ــ فقد اصبحت المخدرات والعقاقير المخدرة, بمثابة صورة منعكسة وان كانت شائعة وخبيثة لنوعية المشاكل التي تصادف الاطراف المعنية في تدبير شؤون العالم قبيل بزوغ فجر القرن الحادي والعشرين. الوحش ذو الالف يد هكذا... ما ان فرغ عالمنا ــ المسكين ــ من فرك يديه جزلا وهو يشاهد سقوط حائط برلين الشهير ايذانا بانتهاء الشيوعية وغروب الماركسية, وزوال الظاهرة السوفييتية, حتى تلقفته ايادي هيدرا ـ الوحش الاسطوري ذي الالف يد كي تطبق على كيانه وتعصر هذا الكيان وتلحق به وباء المخدرات على نحو لم يسبق له مثيل في التاريخ, والمسألة ليست مجرد تشبيه أو ترميز أو استعارة بلاغية لتبشيع حجم الخطر عبر المكان أو مدى الخطر عبر الزمان, ان التقرير الدولي يؤكد ان المخدرات هي (هيدرا) المتعددة الايادي والابعاد والمؤثرة من ثم على الاخلاق والاسواق والمصائر والاوضاع عبر كوكب الارض ولهذا تستخدم مجلة (كارنت هستوري) التعبير الذي يقول. مفعول هيدرا وهذا المفعول بدوره متعدد الوجوه والابعاد وقد نلخصه للقارىء الكريم في عدة عوامل رئيسية نعرض لها على النحو التالي وبتكثيف شديد: اولا: طرأت تحولات جذرية في الاعوام الثلاثة الاخيرة على عمليات انتاج وتصدير وتوزيع المخدرات على صعيد العالم, قبل ذلك كانت هذه العمليات ـ التدريب والتوزيع بالذات ـ تتعامل فيها كبرى المنظمات الاجرامية واهما كالتالي: ـ عصابات الجريمة المنظمة الايطالية. ـ كارتلات كولومبيا ـ اكبر منتجي الكوكايين في امريكا اللاتينية. ـ المافيا.. التركية (!) ـ العصابات الصينية المدارة من جزيرة تايوان (هنا يتمثل الاتفاق الودي الوحيد بين الصين ـ الام وبين الصين ـ تايوان وهو اتفاق اجرامي كما ترى). سنوات كسر الاحتكار لكن السنوات الثلاث أو الاربع الاخيرة شهدت (انجازا) مشهودا في هذا المجال ربما انها شهدت كسرا لاحتكارات تلك المنظمات الاجرامية الرئيسية, لصالح منظمات اجرامية متوسطة الحجم بل وصغيرة الحجم تعمل جميعا ـ باسم الله ما شاء الله ـ في عالم انتاج وتهريب وتوزيع المخدرات. هكذا انقضى عهد شحنات المخدرات الضخمة الحافلة بمئات الاطنان اذ كانت محل متابعة سلطات الشرطة ومكافحة التهريب على مستوى العالم, بل كانت موضعا للضبط والرقابة وطبعا المصادرة والمساءلة بطبيعة الحال. ويكاد يحل محلها صغار المهربين وخاصة من غمار الناس العاديين اذ تضم صفوفهم طلابا في الدراسات العليا ومهنيين محترفين من اطباء أو معلمين أو مهندسين واحيانا افراد تلك الفئة المستحدثة في بلادنا وتحمل اسم رجال.. الاعمال.. ناهيك عن ان يتم تحميل المخدرات, بكميات جدّ محدودة, في حقيبة حسناء تتكلم من انفها اعتدادا بجمالها وشموخا بشمائلها مع افراد الجمارك حيث لا تأتيها الشبهة من بين يديها ولا من خلفها.. ثم هناك اسراب ملكات الجمال.. ومضيفات الطيران وافواج الفرق الرياضية الدائمة الابتسام, الكميات صغيرة اي نعم, لكن حاصل حجمها مع بعضها البعض يؤدي الى تهريب كميات ضخمة لا تقل, او لا تكاد تقل عن شحنات زمان الكبيرة التي لم تكن في اغلب الاحيان بعيدة عن رصد ومتابعة انظار الانتربول ـ الشرطة الدولية ــ أو اجهزة الشرطة المحلية.. وبالمناسبة تؤكد هذه الحقيقة.. تقارير دولية موثوقة في هذا المجال ـ تأتي في مقدمتها ما يصدر عن المنظمة العالمية للجمارك وهي معنية بمثل هذه الامور. ثانيا: السبب الاساسي لهذه الانقسامات التي ادت الى تفتيت احتكارات المخدرات التي طالما درجت على العمل في هذا المجال, هو الضربات الموجعة والجماعية التي تلقتها احتكارات الجريمة المنظمة وبالذات في كل من كولومبيا وفي ايطاليا حيث كانت تلك المنظمات قد وصلت الى حدود من تنامي القوة واتساع النفوذ, وسبل الافلات من العقاب والحساب.. الى درجة ان اصيبت ـ كما يقول المحللون ـ بنوع فريد ومريض من الغرور, الامر الذي جعلها تبالغ في تقدير حدود قوتها ومقدار نفوذها في مجتمعاتها.. لقد اصيبت بمرض اسمه غرور القوة (أروجانس اوف باور) والتعبير من ابداع السياسي الامريكي الحكيم الراحل السناتور ويليام فولبرايت, وهذا النمط من الغرور اوصل تلك المنظمات الاجرامية الى حد ان تحولت من جهود افساد اعوان الدولة وابتزاز اركان الحكومة ـ الى حيث وضعت رأسها برأس الدولة وتصورت نفسها فوق الحكومة وسيدة لوكلائها ومسيطرة بالكامل على اركانها واعوانها. المافيا بين ايطاليا وآسيا وكانت النتيجة ان نشطت الحكومات الى ملاحقة هذه المنظمات الاحتكارية الاجرامية ولاسيما تلك التي تتنطح الى منافستها على السلطة بما يهز قوائم الحكومة, اي حكومة, وقد يكشف فساد عضو بها هنا او ركن من اركانها هناك. والحاصل ان ظلت حكومة كولومبيا تطارد اكبر رأس في مافيا المخدرات في بلادها وهو (بابلو اسكوبار) حتى موته في ديسمبر عام 1993 ومن ثم تهاوي المنظمة التي كان يترأسها وهي (ميديلين كارتل) والمصير نفسه يصدق على منظمات اجرامية اخرى تعمل في مجال المخدرات ومنها مثلا مافيا ـ ايطاليا التي تهاوت هياكلها وضعفت شوكتها مثل (كوسا نوسترا) أو (كلموررا) في نابلي دع عنك المافيا الآسيوية, التي كان يقودها في بورما زعيمها خون سا وقد حل بها الوهن وآذنت شمس احتكاراتها الى زوال بعد عام 1996, ادى هذا كله الى انحلال مركزية احتكار المخدرات.. وكان طبيعي ان يفضي الى نوع من اللامركزية الذي نشأت في ظله منظمات اكثر حجما واشد تسترا وربما افدح خطرا.. واللامركزية أمر اساسي.. ومهم حتى في دنيا المخدرات! (يتبع) كاتب سياسي مصري