يبدو ان الاجهزة الادارية والقانونية التي تتلامس يوميا مع الجمهور في اطار الخدمات التي تقدمها له, تتجاوز نقاطا انسانية مهمة وفي غاية الحساسية ولايهم ان هذا التجاوز مقصود أو لا, المهم انه يكون انطباعا سلبيا عن صورة هذه المؤسسات في التصور الاجتماعي العام برغم محاولاتها المستمرة لتطوير خدماتها وهذا امر نقره ونشهد به , ولكن التجاوزات غالبا ما تطغى على الصورة, وتجعل الجمهور في حالة مقارنة دائمة بيننا وبين انظمة الدول الاخرى. ففي شوارع الولايات المتحدة مثلا لايمكن لسائق سيارة ان ينتقل من مسار الى مسار آخر متجاوزا غيره دون اعطاء الاشارة اللازمة واذا ما فعلها فإنه يفاجأ وفي ثوان معدودة بصافرة الشرطة وبسيارة تخرج من المجهول فجأة توقفه محررا له سائقها مخالفة تجاوز, وذلك لما للتجاوز الارعن بدون اشارة في الطرقات المكتظة من مخاطر ولما يسببه من حوادث مروعة. الامر المؤسف لدينا ان يرتكب هذه المخالفة الصريحة سيارة الشرطة نفسها وقد شاهدتها بعيني في شارع رئيسي تنتقل من مسار لاخر بدون اعطاء اشارة وبدون ان تكون في حالة مطاردة او عجلة. وفي شارع رئيسي آخر وفي وقت حرج جدا فوجئت سيدة مع اطفالها بأن سيارة الشرطة تستوقفها طالبة منها رخصة القيادة وملكية السيارة وبعد تأكد رجل الأمن من امر ما طلب من السيدة مغادرة السيارة في الحال لان السيارة مطلوبة اثر بلاغ مقدم ضدها. وبعيدا عن قانونية التصرف, وحق الشرطة في مصادرة السيارة, إلا ان الاعتبارات الانسانية لا يجوز تغافلها أبدا, ففي النهاية لم يوضع القانون إلا لخدمة البشر وتسيير أمورهم وتسهيل حياتهم, ولا أظنه وضع للنيل من كرامتهم أو انسانيتهم, وهنا كان يمكن لرجل الأمن الحريص جدا على القانون ان يتصرف بلباقة وتحضر أكثر إذا طلب من السيدة ان تسلم سيارتها لرجال الأمن في مدة اقصاها كذا, أو توصلها دورية الشرطة إلى منزلها بسيارتها ثم تتسلم منها السيارة من المنزل أو.... أما ان يطلب منها مغادرة السيارة في وسط الشارع وبدون انذار مسبق فهذا أمر لا يقره منطق أو ذوق. في الولايات المتحدة إذا تم التعميم على أوصاف سيارتك لارتكابك أمرا غير قانوني فإنك تستلم رسالة من الشرطة بالبريد تمهلك اسبوعا لتسليم سيارتك, فإذا لم تلتزم حضرت الشرطة لمنزلك, وبأمر من المحكمة يتم ابرازه لك وتصادر السيارة في الحال. في أحد الشوارع استوقفت احدى الدوريات مجموعة كبيرة من السيارات وكنت من ضمنهم, ولأنني كنت أربط الحزام والتزم بسرعة الشارع وسيارتي غير معمم عليها, واجراءات الرخصة والتأمين والملكية سليمة وقانونية فقد سألت الشرطي حين طلب مني الملكية والرخصة: ما الأمر؟ فأجابني بشكل يخلو من الذوق: نحن الشرطة ومن حقنا ان نوقف أي سيارة ونطلب ابراز الرخصة والملكية في أي زمان ومكان!! وتعجبت لهذا المنطق العجيب والذي يمس في جوهره حق الانسان في التحرك بأمان دون اي تهديد لفظي أو فعلي , ورغم احترامنا للقانون وأهله, إلا ان تطبيقه في شوارعنا ليس انسانيا دائما وليس مع بديهيات مبادئ حقوق الانسان, وقد كان يمكن لهذا الشرطي المحترم وبكل بساطة ان يجيب عند السؤال انهم يتأكدون من تراخيص الزجاج الملون بدون استفزاز وبدون فلسفة لا داعي لها!