عدالة توزيع الثروة تعبير اشتراكي يرقى الى مستوى المصطلح العلمي... وفي امريكا كان المصطلح حتى وقت قريب كناية عن (الكفر) لانه يعني ضمنا مفاهيم من قبيل (سيطرة الدولة على وسائل الانتاج) و(حتمية الصراع الطبقي) و(مشاركة العمالة في الربح على قدم المساواة مع رأس المال) ... وهي مفاهيم تتعارض رأسيا مع مبادىء فلسفة (اقتصاد السوق الحرة) التي تبلغ في امريكا مرتبة العقيدة الدينية المقدسة. لكن الان يدور جدال داخل الولايات المتحدة نفسها حول توزيع الثروة ومدى عدالة هذا التوزيع. وهو جدال ينحصر حتى الآن ضمن حدود الدوائر الاكاديمية لكنه مرشح ان يغزو وسائل الاعلام. لقد صدرت مؤخرا عدة كتب حول القضية لمؤلفين امريكيين كلها تتحدث عن (مجتمع الواحد في المائة) وهو بدوره اصطلاح جديد مرشح لان ينافس مصطلح اقتصاد السوق الحرة وان احدث هذه الكتب كتاب بعنوان (مجتمع الثروة) شارك فيه اكاديميان في جامعة (ييل) : البروفيسور (بروس ايكرمان) والبروفيسورة (آن آلسوت) والفكرة الرئيسية التي يطرحها الكتاب يصح ان تعتبر صيغة جديدة لنظرية الزكاة في الاسلام. في الفصول الاولى من الكتاب يتحدث الكاتبان عن القفزة الكمية والنوعية للاقتصاد الامريكي خلال السنوات العشرين الاخيرة وما افرزت من ازدهار متصل عرف باسم (الفورة الطويلة) واسم (الاقتصاد الجديد المدفوع تكنولوجيا) واذ يثبتان هذا الانجاز الضخم بما يلزم من معلومات احصائية فانهما سرعان ما ينتقلان الى الفكرة المحورية: نعم هناك ازدهار لكن هناك ايضا ظاهرة انعدام المساواة في الاستفادة من هذا الازدهار. فالمستفيدون هم فقط شريحة ضئيلة لا تعادل سوى واحد في المائة من المجتمع: الشريحة العليا للمليارديرات اصحاب الشركات الكبرى ومن يليهم مباشرة. منذ عام 1979 يقول المؤلفان ظلت نسبة 97 في المائة من الزيادات في الدخول الامريكية من نصيب 20 في المائة من العائلات ـ هي العائلات الاغنى في الولايات المتحدة وبلغة رقمية اخرى يذكر الكتاب ان 40 في المائة من الثروة في امريكا يملكها واحد في المائة فقط من المجتمع وبالاجمال يقول الكاتبان بايجاز انه بينما يزداد الاثرياء ثراء يزداد الفقراء فقرا. وفي تحليل هذه الوقائع الرقمية من منظور اجتماعي يصل المؤلفان الى خلاصة هي ان امريكا ليست مجتمعا لتكافؤ الفرص. ومن ذلك مثلا ان دخول الجامعات ذات المستوى النوعي التي يحمل خريجوها درجات علمية قابلة للتسويق في المنافسة في سوق العمل اكثر من غيرها ليس متاحا الا لابناء الاثرياء, فالتعليم العالي في الولايات المتحدة سلعة تجارية يتفاوت انتاجها بين الجودة والرداءة... وبالتالي تتفاوت اسعارها. تأسيسا على هذا الاستخلاص يحذر المؤلفان من المستقبل... وبالتحديد من احتمال وقوع اضطرابات اجتماعية خطيرة تستهدف اسس النظام الرأسمالي الامريكي. ومن هنا يتقدمان باقتراح بفرض (زكاة) على الاثرياء لتنفق على الشرائح الاجتماعية الفقيرة نسبيا. بالطبع لا يستخدم الكتاب عبارة (الزكاة) وانما يسميها (ضريبة ثروة) وهو مضمون الزكاة بالمفهوم الاسلامي. وحتى من ناحية فإن الاقتراح يحدد مقدار هذه الضريبة بنسبة اثنين في في المائة. ولا ينبغي ان يخطر على البال انطباع بأن هذين الاكاديميين الامريكيين يعتنقان تفكيرا ذا نزعة اشتراكية, فقد حددا خطهما الفكري بوضوح حين قالا (ان خطتنا تستهدف تحقيق العدالة بتأصيلها داخل القيم الرأسمالية ومنها قيمة الملكية الخاصة) . ولا ادري ان كان الكاتبان قد درسا فكرة الزكاة كأسلوب اسلامي لمعالجة الفجوة بين الاغنياء والفقراء كيلا تتسع الى درجة خطيرة, لكن الفطرة البشرية السليمة يمكن ان تهدي صاحبها الى الحل السليم حتى لو لم يكن مسلما.