بدون زعل وبدون احراج, وكلمة حق لله وللوطن اقولها وانا مرتاح الضمير, شعب مصر يستحق اجهزة اعلام افضل من هذه الاجهزة الموجودة الآن , والاجهزة التي اقصدها ليست هي المحطات الارضية والاقمار الصناعية وقطاع الانتاج, فهذه الوسائل كلها متوفرة والحمد الله. والوزير صفوت الشريف لم يقصر في توفيرها ولكن الشيء الاكيد انه اسرف في هذا الشأن, وكأن اطلاق القمر الصناعي هو قمة هذا الجهد, وان كنت اختلف معه بأن القمر الصناعي اياه هو وسيلتنا للعبور الى القرن الواحد والعشرين لأن القمر الصناعي هو مجرد وسيلة للنقل شأنه شأن الطائرة والطائرة يمكنها نقلك الى باريس ويمكنها ايضا نقلك الى بوروندي. والعقلية التي تسيطر على اعلامنا لو استمرت دون تغيير, فالقمر الصناعي اياه سيذهب بنا إلى القرن الثامن عشر وربما الى ابعد من ذلك في الماضي السحيق! صحيح لدينا الآن 8 قنوات محلية ينطبق عليها المثل القائل مفيش أسوأ من ستي الا سيدي, والقناة الفضائية المصرية هي القناة الاولى في مجال التسلية, برامج من نوع جرب حظك وسباق الاغنيات وبرنامج الست اياها بتاعة (كناة فدائية مسرية) وهي قناة تخاطب طلبة المدارس وربات البيوت, ولا تحمل اي نفس سياسي او نفس ثقافي, وقناة من هذا النوع لا يمكن ان تكون لسان حال مصر, ولكنها تليق بإمارة موناكو او حكومة كوستاريكا, فالامر الاكيد (ايها السادة) ان جهاز التلفزيون بتعنا ينطلق بأقصى سرعة في هذا الاتجاه. منذ ايام قلائل والتلفزيون المصري يعلن بين الحين والآخر بشكل يوحي بأننا على ابواب مرحلة جديدة, والاعلان تسبقه موسيقى فخيمة وكأننا على ابواب احداث خطيرة, وبعد ذلك ينطلق صوت مذيع مدرب قائلا (المبدعون يلتقون, يتناقشون, يتنافسون, يتعاملون, ويبدو ان هذه الكلمة الاخيرة نسبة الى العمولة, لانك تكتشف بعد الاعلان ان المؤتمر اياه هو مجرد سوق لبيع البرامج والمسلسلات. وان التنافس بين المبدعين هو تنافس بين روايات من نوع فوزية فراويلا والسحت والسيد والقص. والدليل على ذلك لانني قرأت اخيرا اخبارا صحفية منسوبة الى قيادة تلفزيونية يبشرنا فيها بان التلفزيون المصري في طريقه الى اذاعة التحفة النادرة (حارة المحروسة) وهي حلقات سبق اذاعتها من سنوات في قناة اوربت الفضائية, ولم اشاهد في حياتي اهيف ولا اتفه منها في اي وقت. واذا كان لقناة الاوربت عذرها فما هو عذر قناة مصر؟ بلد نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم واحسان عبد القدوس ويحيى حقي ويوسف ادريس. ويبدو ان السادة المشرفين على هذا اللون الفني في التلفزيون المصري لا يعرفون الفرق بين الغث والسمين, ولا يفرقون بين احسان القلعاوي واحسان عبد القدوس وبالرغم من ظهور قناة الجزيرة التي تنسب نفسها الى دولة قطر, وبالرغم من دورها المشبوه الا انها استطاعت ان تلقي عدة احجار في بحيرة الاعلام العرب الراكدة. وبعد ظهورها على الساحة لم يحرك ظهورها شعرة في رأس مسؤول في تلفزيون القاهرة. فلا تزال البرامج تدور في دوامة السطحية والتفاهة. والتغيير الوحيد هو برنامج الاعلامي الشهير حمدي قنديل, وهو لا يكفي وحده لكي نقول ان هناك تغييرا قد حدث. ولم نشاهد خلال الخمسة عشر عاما الاخيرة ندوة واحدة يشترك فيها صحفيون من امثال محمد عودة ومحمود أمين العالم وأنيس منصور وسلامة احمد سلامة, أو ندوة ادبية يشترك فيها امثال ابراهيم فتحي ويوسف القعيد وفاروق عبد القادر ورجاء النقاش, ولا نشاهد اي اثر لمعارضين وطنيين امثال نبيل زكي رئيس تحرير الاهالي او محمد الحيوان الكاتب بالوفد, ولا اثر لمفكرين على المستوى القومي, ولا اقول من امثال محمد حسنين هيكل, لان هيكل اصبح من عجائز الفرح, وذاكرته اصابها العطب بسبب انتهاء عمرها الافتراضي, ولكني اقول رجال امثال طارق البشري والدكتور ابراهيم سعد الدين وليس سعد الدين ابراهيم والمستشار عبد الحميد يونس. ويبدو ان التلفزيون المصري من انصار المثل القائل. من فات قديمه تاه. فالشاعر الوحيد الذي يتعامل معه التلفزيون هو الشاعر الدائم في البرنامج النكبة صباح الخير يامصر, واقصد الشاعر فؤاد بدوي, وهو شاعر كبير ولكن هناك شعراء آخرون امثال احمد عبد المعطي حجازي وفاروق جويدة واحمد الشهاوي. والضيف الدائم في الندوات السياسية هو السفير صلاح بسيوني, وهو سياسي عديم اللون والطعم والرائحة, وهو متحدث سياسي على كل لون, فهو مع الليكود ومع العمل ومع السلطة الفلسطينية, وهو في المجال العربي مع الخط الكويتي والخط العراقي, وفي السياسة العالمية هو مع الصرب والى جانب حلف الاطلسي, وفي الكورة هو مع الزمالك ومع الاهلي, واعتقد ان قضية سعادة السفير الوحيدة هي الظهور في برامج التلفزيون والاشتراك في اية ندوة حتى لو كانت ندوة عن الطرشي البلدي. والسؤال الذي ينتظر جواباً الآن... ما هو التغيير الذي طرأ على مجموعة قنوات التلفزيون المصري بعد اطلاق القمر الصناعي في الفضاء؟ لم يحدث اي تغيير على الاطلاق, اللهم الا تكرار اذاعة صورة الوزير صفوت وهو يضع توقيعه الكريم على اتفاقية اطلاق الصاروخ, وتذكيرنا في كل مرة بأن الوزير هو صاحب الانجاز الوحيد الذي سيحملنا الى القرن الواحد والعشرين مع ان الواقع الملموس الذي نراه بأعيننا يجعلنا نؤمن بان مثل هذا الاعلام الغبي هو طريقنا الى القرن التاسع عشر, وعيب جدا ان يكون هذا هو حال اعلام مصر بجلالة قدرها, مصر التي هي رمانة الميزان في العالم العربي, إذا نهضت مصر نهض العرب واذا انتكست مصر انتكس العرب, الاعلام المصري هو صوت مصر وصورتها معا, وهذا الاعلام الضعيف الذي يستهدف التسلية وشغل اوقات الفراغ, في الوقت الذي سحبت فيه قناة الجزيرة البساط من تحت اقدام جميع اجهزة الاعلام العربية, ولكن الجهاز الوحيد الذي يهم العبدلله هو الجهاز المصري الذي كان صاحب الكلمة العليا في المنطقة, ثم تواضع دوره الى الدرجة التي اصبح فيها وجوده مثل عدمه, والذي اصابه الأعياء الى درجة عجزه عن استغلال الامكانات الضخمة التي وفرتها الظروف له, حتى اصبح يبدو احيانا وكأنه تلفزيون الجمهورية الصحراوية, اما القمر الصناعي الذي اطلقناه في الفضاء, فلم ينجب لنا الا قنوات متخصصة لايشاهدها احد, وإعلان البشرى للجماهير باقتراب موعد اذاعة حلقات حارة المحروسة, اهيف ما رأت عينى منذ اختراع التلفزيون وحتى اليوم!!