هناك عدد من المواضيع التي تغري بالكتابة عنها والتعليق عليها, مما يؤدي الى الحيرة في اختيار واحد منها لتسليط الأضواء عليه ومحاولة سبر أغواره في العمق بقصد تحليله واستشراف غاياته . من هذه المواضيع, قضية الهزة التي أحدثها (حجاب) مروة قاوقجي في تركيا, باعتبارها نموذجا خلافيا بين العلمانية والاسلامية مرشحا باستمرار لاثارة الاهتمام وربما القلاقل من المجتمعات العربية والاسلامية, كما حدث في مصر مؤخرا. وفي هذا الاطار تنفتح أبواب الاجتهادات وتتعدد الآراء ليس بين الاسلاميين والعلمانيين وحسب, وإنما داخل كل معسكر من هذين المعسكرين. ومن المؤكد انه ليس باستطاعة أية حركة اسلاموية احتكار الحديث باسم الاسلام, وكذلك الامر بالنسبة الى أية حركة أو نظام علماني وبخاصة النظام التركي بالنسبة للتحدث باسم العلمانية. مع ذلك تبقى هذه القضية قائمة وبحاجة الى حسم يترتب على حوارات عقلانية مفتوحة ومنفتحة بعيدة عن خلفيات سياسية ضيقة أو ثأريات حزبية. انها قضية تمس حرية الفرد في صميم علاقته المجتمعية بقدر ما تمس المجتمع ككل وتؤثر في مستقبل مسيرته ومصيره. أوليس في الموقف التركي من حجاب مروة قاوقجي ما يثير التساؤل حول هشاشة هذه العلمانية الأتاتوركية!! وبالمناسبة ايضا, أليس في صمت الولايات المتحدة رمز العلمانية الصارخة, ومدعية الدفاع عن حقوق الانسان, ما يثير التساؤل حول نفاقها المعروف باعتماد المعايير المزدوجة؟ الموضوع الثاني الذي يغري كذلك بالكتابة والتعليق, يتناول العلاقات العربية ــ الايرانية والزيارات التي قام بها الأمراء السعوديون الى طهران وتلك التي تلتها من قبل الرئيس الايراني لكل من سوريا والسعودية وقطر. إذ لم يعد سرا ان هناك ثمة خلاف عربي حول ذلك, كما تجلى في الدورة التشاورية لدول مجلس الخليج. هنا لابد من الاعتراف بأن المسألة عربية ــ عربية, أكثر منها عربية ــ ايرانية, وانها صادرة عن تقصير عربي في توحيد التوجهات وتحديد الاهداف المطلوبة في اطار العلاقة العربية ــ الايرانية. وهذه مسألة لابد من حسمها, إذ لا يجدي التسويف من حولها لأن مجابهتها ممكنة, بل واجبة. فاذا ما اتفق العرب فيما بينهم على تجاوز مخلفات حربي الخليج الأولى والثانية وضرورة طي صفحتيهما بعد استخراج عبر ودروس كل واحدة منهما, يسهل عندئذ الاتفاق على كل شيء. وأول هذه الاشياء هو الاقرار المشترك والاعتراف المتبادل بحق دول المنطقة كلها بحريتها واستقلالها ووحدة أراضيها ورفض كل أشكال التدخل بالشؤون الداخلية لبعضها البعض. وفي هذا الاطار يتم الاتفاق على حل جميع المشاكل الموروثة بالوسائل السلمية التفاوضية, وفي المقدمة علاقات ايران مع العراق والكويت, ومشاكل الحدود وترسيمها. واذا كانت مسألة جزر الامارات ذات حساسية خاصة وربما تستحق أولوية الاهتمام بها, فإن أي تقارب عربي ــ ايراني من شأنه ان يساعد في ايجاد مثل هذا الحل السلمي. ولا يجوز ان يكون هناك ثمة شك على الاطلاق في ان يكون مثل هذا التقارب على حساب هذه المسألة. فهناك اجماع عربي شعبي على ضرورة انقاذ العراق وشعبه وكسر الحصار من حوله, لا يقل عنه الاجماع حول عروبة جزر الامارات الثلاث. وثاني هذه الاشياء هو الاقرار والاعتراف المتبادل بأنه لا بديل عن دول هذه المنطقة وتوافقها للحفاظ على أمنها وسلامتها والحفاظ على مواردها. ان الحل الامريكي الراهن لم يثبت عجزه وحسب, وإنما اتضحت كذلك فداحة ثمنه الذي كاد ان يودي بكل مدخرات هذه البلاد بما في ذلك مستقبل مواردها. ومن يطلع على ما يفرضه الوضع الابتزازي من ثمن للأسلحة يعرف المعنى الحقيقي لأهمية الأمن الذاتي. وثالث هذه الأشياء هو الاقرار والاعتراف المتبادل بأن العدو الحقيقي المتربص بالمنطقة الخليجية وما هو أوسع منها هو اسرائيل وبرامجها التوسعية وتطلعاتها الى هيمنة اقتصادية شاملة, ولا شك ان عودة حزب العمل إلى الحكم في اسرائيل, يعيد الاذهان ما كدنا ننساه من مشاريع بيريتس التي تتحدث عن آفاق وليس عن حدود اسرائيلية. وانه لمن حسن حظ العرب ان يكون في ايران اليوم حكم معاد للصهيونية ويقف على استعداد تام لمساندة أي موقف عربي يرفض الاذعان لمشاريع التسوية وفق القراءة الاسرائيلية ــ الامريكية. وليس سرا على أحد ان الدعوة لايجاد صيغة عربية ــ ايرانية لضمان أمن منطقة الخليج وحمايتها من الخطر الصهيوني تلقى صدى كبيرا لدى الأوساط الشعبية في المشرق العربي. ورابع هذه الاشياء هو الاقرار والاعتراف المتبادل بأهمية تحويل ما بدا تناقضا بين العروبة والاسلام الى واقع تتكامل فيه معطيات الايديولوجيتين العروبية والاسلامية. ومن هنا لابد من وقفة مع الذات ومراجعة شاملة لملف العلاقات العربية ــ الايرانية, ومحاولة استثمار الزيارات التي تمت, وتلك التي سوف تتم بين قادة الطرفين, العرب والايرانيين, لما فيه مصلحة الجميع دون استثناء ودون أية تنازلات عما هو حق وشرعي ويمكن الفصل فيه سلميا. ولا شك ان المبادرة الشعبية لانشاء المؤتمر القومي الاسلامي جاءت في هذا السياق لتقدم انجازا كبيرا على الساحة النضالية المشتركة. الموضوع الثالث الذي يغري أيضا, بالكتابة عنه والتعليق عليه, هو وصول ايهود باراك إلى سدة الحكم وانهيار نتانياهو ومعه حزب الليكود, وهو ما كان يصبو إليه ظاهريا وباطنيا بعض الجهات العربية والفلسطينية تحت وهم (الغرق) بين الرجلين أو الحزبين, وقد لا يجدي ان نكرر هنا ما سبق وكررناه بأن لا فرق في (الجوهر) بين صهيوني وآخر إلا بمدى حرص احدهما على الثاني على تحقيق المشروع الصهيوني في عملية التسوية, ولكن لا بأس من التأكيد ولو للمرة المليون بأن لا العمل ولا الليكود على استعداد للوصول بهذه التسوية إلى النهاية المرجوة ولو جزئيا من قبل اكثر الفلسطينيين والعرب (اعتدالا) . أي اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة, والكاملة السيادة على جميع الأراضي العربية التي تم احتلالها سنة 1967 بمافي ذلك القدس الشرقية, كما انه لا العمل ولا الليكود يقبل بعودة فلسطيني واحد من لاجئي سنة 1948 إلى دياره وممتلكاته وفق قرار الأمم المتحدة رقم 194. سواء أصبنا الرأي أم أخطأنا فلقد نجح (مرشح العرب) ووصل حزب العمل إلى الحكم, ولا شك في ان باراك سيتحرك لانعاش عملية التفاوض وتحريك مساراتها وذلك انسجاما مع ادعاءاته في برنامجه الانتخابي وانصياعا لرغبة أمريكية طاغية في الحرص على الـ process حتى لو لم يأت بنتائج, وقد يكون ممكنا ان يتحرك باراك بنشاط يسجل له على المسار اللبناني وحتى على المسار السوري, ولكن ذلك لن يكون دون شروط قد تكون أكثر مهاودة من شروط نتانياهو باستثناء شرط واحد يستهدف الاستفراد بالمسار الفلسطيني الذي سيكون سقفه ما سبق لنتانياهو ان أشار إليه بما في ذلك السماح باقامة دولة فلسطينية منقوصة السيادة غير قابلة للحياة يكون مصيرها المستقبلي في اطار صيغة كونفيدرالية ثلاثية, اسرائيلية ـ أردنية ـ فلسطينية فإذا كان هذا ما يرجوه بعض العرب من التسوية فباستطاعتهم ان يحتفلوا بمجيء باراك ووصوله إلى رئاسة الوزارة الاسرائيلية. ولا يقف أمام امكانية نجاح هذه الخطة الخبيثة سوى صمود سوريا كما عهدناه طيلة السنوات الخمس الأخيرة وحرصها على شمولية السلام التي لا تكفل عودة الجولان وحسب وانما ايضا عودة جميع الأراضي العربية والفلسطينية والحقوق المشروعة لشعب فلسطين. ثمة مواضيع أخرى تغري بالكتابة والتعليق, مثل هذا الانكفاء المريع الذي تشهده موريتانيا التي تخلت عن اللغة القومية لشعبها واعتمدت اللغة الفرنسية لغة رسمية لها, اضافة إلى ما يقال عن صلات وصفقات مع العدو الصهيوني وقبولها ان تتحول إلى مكب لنفايات اسرائيل الكيماوية والنووية. وهناك موضوع السودان والحركة السياسية المستجدة من لقاءات المهدي مع الترابي, وتحسن العلاقات المصرية السودانية, وعودة جعفر النميري واستقباله الرسمي واكتشاف النفط في الجنوب و... و... وكلها تستحق الحديث. بل ان هناك موضوعا اشارت إليه مجلة (فورن افيرز) الأمريكية عن مأساة العراق, واعترفت فيه بأن ضحايا العراق منذ الحصار تجاوز عدد جميع من قتلوا في العالم بأسلحة الدمار الشامل بما في ذلك الأسلحة النووية!! تصوروا ياعرب!! وهناك أخيرا ولربما أهم من هذا كله, هو هذا النمو المتعاظم لقوى المقاومة اللبنانية وتصاعد عملياتها النوعية, وعلى رغم التعتيم الاعلامي فان ابصار الجماهير العربية تعلقت هذا الأسبوع بصورة المجاهدين وهم يطوفون بـ (الملالة) الاسرائيلية المأسورة بينما كان الواهمون يحملقون بنتائج الانتخابات في اسرائيل مؤملين الذات اليائسة بنجاح الجنرال الذي يعرف بـ (رامبو اسرائيل) وقاتل أهم أربعة من قادة الحركة الوطنية الفلسطينية من بيروت إلى تونس.