لم تعتمد الدولة منذ قيامها نظام الحماية للاستثمار الوطني, بدليل انه لا يوجد عندنا قانون لحماية المنتجات الوطنية, على النحو المعمول به في اغلب الدول واكثرها رأسمالية , لذلك لم تزدهر عندنا الصناعة, ولو كانت مثل هذه الحماية موجودة في مواجهة المنتجات الاجنبية المشابهة لأمكن اقامة صناعات قوية على الاقل تحويلية, باستثمارات وطنية خالصة, تستطيع اليوم ان تشكل مساهمة طيبة في الناتج المحلي الاجمالي. مع ذلك نجحت بعض الصناعات بصعوبة ومشقة في الصمود مثل صناعات الاسمنت والسيراميك وبعض المواد الغذائية والالبان وغيرها من دون اي حماية, وكان يمكن طبعا مضاعفة حجم هذه الصناعة وتنويعها مع وجود شيء من الحماية, الا ان ذلك لم يحدث, حتى والدول الرأسمالية الكبرى كالولايات المتحدة نفسها, تحمي صناعاتها وتدافع عنها عبر البحار, لا في موطنها فحسب, على نحو ما نرى من حروب تجارية, مرة مع اليابان ومرة مع أوروبا ومرات مع غيرهما. اليوم طبعا ونحن على ابواب قرن جديد ومع دخول اتفاقيات منظمة التجارة الدولية التي تسقط اية حماية أو اية قيود, حيز التنفيذ, فان امر الحماية فاتنا وأصبح من الماضي, كما ان التشرذم والتقوقع والعزلة بالذات في المجال الاقتصادي لم تعد أمرا ممكنا ولا مفيدا, ومن هنا فان التفكير في جذب الاستثمارات الاجنبية ضمن شروط تحمي المصالح الوطنية الاقتصادية منها والسيادية معا, لا يمكن تجاهله والقفز من فوقه, لذلك يصبح رفض هذا التفكير بالمطلق رفضا ينتمي إلى الماضي اكثر مما ينتمي إلى المستقبل, الذي يتطلب قبول التحدي والاستعداد له. وربما كان السجال حول هذه الاستثمارات مع ما يمكن ان يتبعها من تسهيلات كالتمليك مثلا, هو جزء من هذا التحدي وجزء من الاستعدادات المطلوبة, وعليه, فان على اصحاب تشجيع هذه الاستثمارات وجلبها وتوطينها توضيح رؤيتهم وافكارهم اكثر, بحيث لا يساء فهمهم, وبحيث لا تفسر تلك الافكار, على انها تفريط بالسيادة الوطنية وبيع للوطن قطعة قطعة, كما يحلو للطرف المعارض ان يصوره, لانه ليس هناك من يقبل ببيع حبة تراب واحدة من وطنه, بما في ذلك اكثر الدول رأسمالية, على نحو ما نعرف. وشخصيا لا اتصور ان مؤيدي الاستثمارات الاجنبية والداعين إلى جذبها مع تسهيلات كبيرة كالتمليك يقصدون النوعية الحالية الموجودة من الاستثمارات, أو حتى انهم يعتبرون الموجود حاليا هو الاستثمار المطلوب, إذ لا يمكن قبول تمليك وتوطين المكوجي والسمكرجي والبقال أو حتى توطين صاحب مكتب الخدمات سواء كانت هذه عقارية أو سياحية أو غيرها, فيكون الحديث عندها عن التمليك والاستثمارات خطرا فعلا ومرفوضا من دون نقاش, على خلفية خلل التركيبة السكانية التي نعرف. وهكذا, فانه يمكن الحديث عن استثمارات تشكل اضافة للاقتصاد الوطني ولا تكون عبئا عليه, كما هو حال اغلب الاستثمارات الحالية الموجودة, وطنية واجنبية على السواء, كأن تكون هذه صناعية وفي مجالات حيوية وشديدة الاعتماد على التكنولوجيا المتطورة, وكأن تكون هذه ضمن شروط واضحة للطرفين, منها على سبيل المثال شرط توظيف وتدريب عمالة وطنية وشرط توظيف جزء من الارباح داخليا اذا تم استثناؤها من الضرائب مثلا, وشرط بيع ممتلكاتها عند الانتهاء من هذا الاستثمار لأي سبب ما لمستثمر وطني, وما إلى ذلك من شروط يمكن أن ينص عليها قانون يحدد الاهداف المطلوبة من هذا الاستثمار ونوعيته, كأن يكون استثمار شركات مثلا وليس افرادا, وتحديد مجالات الاستثمار المطلوبة, فيتم توجيهها نحو الصناعة مثلا ورفضها نحو العقارات, وهكذا. وعليه, فان ارضية صالحة للنقاش يمكن فرشها, بدلا من الرفض المطلق وسوء الفهم وتبادل الاتهامات وما إلى ذلك مما يمكن ان يثيره موضوع شديد الحساسية كموضوع الاستثمارات الاجنبية, وعلى مثل هذه الارضية يمكن مناقشة موضوع التمليك ايضا, ولم لا؟