هناك من الناس من يعي تماما معنى ان تعيش الحياة بمحبة, انطلاقا من ايمانه بأن الانسان لا يكون في قمة انسانيته الا عندما يقيم جسوره مع تفاصيل الحياة حوله بثقة وفهم عميقين . الا ان المجتمع ــ للأسف ــ يصر على ان يصنف هذا النوع من الناس في بطاقة: العاطفي الرومانسي في أحسن الاحوال, والساذج الأبله في أسوأها! واذا ما تعمق الانسان في هذا الأمر فإنه سيجده في غاية الوضوح, ذلك ان حقائق المجتمع وما تأسس عليه تختلف عن حقائق المحبة والخير, كما ان القوة التي يحتاجها الانسان ويستمدها من هذا الخير والمحبة وقيم الحق قد لا تتاح للجميع, وقد لا يحتمل تبعاتها كل انسان, ومن هنا نجد أكثر الناس لا يقيمون وزنا لهذه القيم وما أسهل ما يطرحون الخير جانبا والمحبة بعيدا, ثم يمعنون في الجهل عندما يسمون من يعيش بهذا الخير ساذجا أو أبله أو رومانسيا! ان الانسان في حقيقة الأمر يحتاج الى ان يستجمع كل قواه, ويختزن أكبر طاقة متاحة له, اذا أراد ان يستمر في نهجه بممارسة الحياة بوعي المحبة, شريطة ان يكون واثقا في قدرة هذا الوعي على تجسير كل المسافات. لقد كفرت المجتمعات منذ البدايات بوعي المحبة وقوتها, فكانت الجريمة الأولى بمبرر الحب ضد الحب! ثم تساقط البشر تباعا فيما بعد في الضلالة ذاتها بسبب الكراهية والجهل وقصور الفهم, وعلى هذه الخلفية, قرروا الخلاص من كل صاحب وعي ومعرفة, عندما تآمروا وقذفوا بسيدنا ابراهيم في النار, وألقوا بالصديق يوسف في غياهب الجب, ودسوا السم لسقراط وأطلقوا الرصاص على غاندي و... اننا اذا ما تأملنا تاريخ البشرية وسير الخالدين, سنجد ان أمرا عجيبا يحدث وكأنه اتفاق ضمني مستمر منذ أزمنة سحيقة, فالمجتمعات كلها حتى اليوم والغد, تتنازل عن مكان صغير جدا لهؤلاء المخلصين وعشاق المحبة والمعرفة والجمال, لا لشيء سوى لشغل الفكر العام بهذه الأمور من أجل تمرير وتسيير أمور أخرى!! ولو تأملنا هذه الظاهرة الاجتماعية لوجدناها تشكل الأساس العميق لسائر الأعمال الانسانية الأدبية الكبرى بدءا بــ (جمهورية أفلاطون) الى (أبله ديستوفيسكي) و(الهوى اليوناني) لكزنتزاكي و... انها أشبه باللعبة, فالناس تبحث عن رمز, وعن صاحب شخصية مثيرة للخيال ودافعة للمحبة, ينتقونه بعناية, ويتملقونه بشكل فاضح, ثم يقدمونه للمشنقة بدم بارد, لأنهم ببساطة لا يحتملون الكمال في شخصه, فهو يفضح ما هم عليه, ويطالبهم بالتغيير, ومجرد تفكيرهم في أمر التغيير يفجرهم غيظا بسبب عشقهم المطلق للنفوذ والمصالح والسلطة والأموال و...., ولذلك فالأيسر من ذلك في تقديرهم ألا يضعوا انفسهم في مواجهة الكمال, ليستمروا في غفلتهم (الممتعة) وليذهب هذا الرمز الى الموت مخفورا بدموع التماسيح! وهكذا ضحت الأمم برموزها من السياسيين وأصحاب الدعوات والشعراء والكتّاب, لأنها عجزت عن مواجهة عالم الحقيقة, وهكذا ايضا تموت نفوس كثيرة كل يوم لأنها تعجز عن التحرك في عالم تسوده الانانية والقسوة والجشع والاستغلال وسلسلة لا تحصى من الخيبات! لكن المؤسف ان نعترف بأن هذا هو العالم الخارجي, الذي يصنعه أناس أبعد ما يكونون عن السمو, وما على أصحاب وعي المحبة والخير سوى ان يتسلحوا بقوتهم الذاتية ليتمكنوا من الاستمرار بعيدا عن دائرة اليأس والشكوى والأنين.