في الوطن العربي حلقة مفرغة تلخص ازمة غياب الديمقراطية: لكي تحصل الشعوب العربية على الديمقراطية بالمفهوم الليبرالي الغربي فان ذلك يتطلب منها الانخراط في جماعات للعمل السياسي التنظيمي للضغط على الحكومات . لكن العمل السياسي التنظيمي مستحيل في غياب الحريات المدنية الديمقراطية. وعلى هذا النحو فان الازمة الحقيقية ليست غياب الديمقراطية بقدر ما هي ازمة الشعوب واستسلامها للواقع وكأنه قدر مقدور لافكاك منه. اجل, هناك عدد من البلدان العربية يسمح فيها الدستور بحرية العمل التنظيمي السياسي, وبالتالي انشاء احزاب ومنظمات ( كمثال تونس ومصر والاردن) لكن هذه الاباحة الظاهرة مقيدة بنصوص دستورية وقوانين لاحقة بحيث لاتتيح حرية العمل التنظيمي الا في شكل اشكال ديكورية مع الحظر الصريح على منهج فكري سياسي بعينه (مثلا, حظر قيام اي احزاب سياسية على (اساس ديني) ). واجمالا يمكن القول دون مبالغة ان العمل التنظيمي الجماعي في ارجاء الوطن العربي بمفهومه الحر والجاد الذي كان سائدا في الاربعينات والخمسينات قد تلاشى نهائيا بسبب القمع المنهجي الذي تمارسه انظمة الحكمة المتعاقبة كفلسفة ثابتة. واذا كان هذا الوضع مؤسفا بما يكفي, فان مما يدعو اكثر للاسف استجابة الشعوب بقبوله ضمنا كواقع يستعصي على التغيير. لهذا انتشرت ظاهرة (الخلاص الفردي) في اوساط كافة القطاعات في بلدان الوطن العربي, وهي رد فعل طبيعي عندما يشعر الفرد بان سلامته الشخصية مهددة على مدار الساعة بتغلغل العناصر الاستخباراتية التابعة لاجهزة النظام الحاكم في كافة مناحي الحياة اليومية وكافة القطاعات الاجتماعية بما في ذلك مؤسسة الاسرة. في مثل هذه الظروف يصبح العمل التنظيمي حتى لو اتخذ شكلا سريا ضربا من المخاطر الجسيمة .. فكيف يكون العمل المعلن؟ ومع توسع دوائر القمع السلطوي ضد الخصوم المحتملين تتسع دائرة الخوف بين الناس, وبالتالي تنتشر (حكمة) الانعزال والانطواء الذاتي ابتعادا عن اية مخاطر يمكن ان تقود الفرد العادي الى اي طريق يمكن ان يفضي به الى مصادمة مع اجهزة النظام. ومع تراكمات مثل هذا الوضع وترسخه بمرور السنين الطويلة تنشأ اجيال جديدة تماما تشربت من اول نشأتها ثقافة الخوف وايثار السلامة الذاتية, وهذا بالضبط هو المشهد العام الذي نراه اليوم في ارجاء الوطن العربي. هذا يفسر لنا ايضا لماذا تلاشت ظاهرة التنظيمات السياسية الراديكالية كالاحزاب الشيوعية والبعثية والناصرية عدا ماتبقى منها من جماعات متناثرة موالية للسلطة بصورة او باخرى, ودقق في ملامح الصورة العربية العامة لتكتشف ايضا انه باستثناء تنظيمات اسلامية وقيادة تمارس النشاط المعارض خارج الحدود, تلاشت ايضا ظاهرة المعارضة الجادة بالمفهوم الكلاسيكي. واخشى ان تغييب الديمقراطية في الوطن العربي صار فولكلورا تراثيا راسخا وهو فولكلور ليس بغير خلفية تاريخية, فقد ظلت غالبية الشعوب العربية خاضعة لعهد الرعب السلطوي لمدى قرون متصلة تحت حكم الامبراطورية التركية العثمانية حتى نهاية الحرب العالمية الاولى في عام 1918, اعقبها فاصل قصير من الادارة الاستعمارية الاوروبية لتعود بعده الشعوب الى حال القصر المنهجي على يد الانظمة الوطنية بعد الاستقلال وحتى اليوم. ما المخرج؟ لا اعلم, ولكني اعلم قول الله تعالى : (ان الله لايغير مابقوم حتى يغيروا ما بانفسهم) . صدق الله العظيم