لا يغرك العنوان عزيزي القارىء الكريم فأنا ما زلت في مواضيع التربية والتعليم, هذا ما سندركه آخر المطاف السؤال الذي أبدأ به هذا الاسبوع , هو لماذا لا يعشق الكثير منا في المنطقة لعبة كرة القدم الامريكية (الفوت بول) ؟ والجواب في تصوري ان الانسان لكي يندمج مع اية لعبة رياضية لا بد ان يدرك القوانين الضابطة لعلاقة اللاعب بالكرة واللاعب بالآخر ودور الحكم أو الحكام وما هو الصواب أو الخطأ.. الى آخر ما تحويه المباراة من قوانين وانظمة. دعونا ننتقل من كرة القدم الامريكية الى كرة القدم التي نلعبها في المنطقة والتي نشأت كما تقول ادبيات الرياضة في بريطانيا عام 1175 للميلاد, لكن الملك ادوارد الثاني, سنة ,1334 امر بتحريم اللعبة داخل المدينة (نظراً للازعاج الكبير الذي يحدث في المدينة من التدافع وراء الكرة) ومع ذلك استمر الشعب الانجليزي في حبه للكرة! فبدأ عام 1800 في وضع القوانين الخاصة بالكرة ونتج عن ذلك سنة 1840 كتابة مجموعة من قوانين اللعبة واسس اول ناد لكرة القدم في كامبردج, حيث ظهرت قواعد كامبردج للقدم في 1848م. اما سنة 1863 فقد شهدت تأسيس اتحاد لكرة القدم في بريطانيا, اما الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) فقد أسس سنة ,1904 كان ذلك ملخصاً لعملية تطور الكرة وقوانينها, وهي قواعد تتجدد مع تطور اللعبة ومعظم هذا التطور يكون لارضاء المشاهد او لحاجات داخلية في اللعبة, دعونا نأخذ بعض الدروس من كرة القدم: الدرس الاول: القانون قبل اللعب هو اهمية وجود القانون الذي تدار به اللعبة ومن شأن هذا القانون ان يكون معروفاً, وبلغة اخرى يعرفه كل المستمتعين باللعبة, لذلك فهو يعلن قبل فترة طويلة خلال اجهزة الاعلام المختلفة. الدرس الثاني: بين الاتحاد والوزارة بالرغم من وجود مؤسسات رسمية في الدول لرعاية الرياضات المختلفة كوزارة التربية والتعليم والشباب في دولة الامارات, الا ان الناس تعارفوا على وجود اتحادات خاصة لكل لعبة عضويتها تكون لشخصيات مشهورة من محبي تلك الرياضة تعرف هذه الهيئات بالمجالس او الاتحادات, كاتحاد كرة القدم او اتحاد العاب القوى وغيرها وهذه الاتحادات هي المسؤولة عن تطوير الجانب الرياضي وتمثل سلطة الجماهير على الرياضة. الدرس الثالث: جماعة القرار القانون الرياضي بالرغم من انه معروف ومدون في القرطاس الا ان الجمهور ليس مسؤولاً عن تطبيقه فهناك قضاة لكل لعبة او رياضة نسميهم بالحكام يأمرون وينهون والكل يأخذ برأيهم, فكرة القدم مثلاً لها اربعة حكام في كل مباراة كما نعلم جميعاً وهذه القضية تلفت انتباهنا الى اهمية الجماعة حتى في ادارة كرة القدم فبالرغم من ان القرار النهائي في يد حكم الساحة كما يقول المعلقون على أحداث المباريات الا انه لا يستغني عن حكمي الراية او حتى عن الحكم الرابع. الدرس الرابع: جبل الثلج توزع الادوار عادة في كرة القدم بين اللاعبين المختلفين فدور الحارس يختلف عن الدفاع, والظهير غير خط الوسط فلكل منهم تدريب متخصص وفق الدور الذي يقوم به في الملعب لذلك تدفع النوادي ملايين الدراهم على التدريب قبل اللعب, ما نشاهده في الملعب يتناسب طردياً مع الجهود التي لا نراها فذلك مثل جبل الثلج الذي نرى ربعه بينما يغوص معظمه داخل الماء. الدرس الخامس: تخطيط النجاح يعد المدرب من اهم عناصر نجاح الفريق الا انه غير مصرح له بمجاوزة المربع الابيض والا طرده الحكم خارج ارض الملعب, هذا الانسان عادة ما ينال نفس الجوائز التي يحصدها اللاعب في الملعب كما ان راتبه ومميزاته تكون عالية جداً ما ذلك الا لأهمية التخطيط والتدريب لنجاح الفريق. الدرس السادس: جمال المشاركة الجمهور هو اللاعب المهم خارج الملعب فالمباراة تموت اذا لم تتابعها الجماهير وهذه لها منظماتها الرسمية او الشعبية والتي تعرف بالروابط وهؤلاء يقومون بتأليف كلمات التشجيع لملحن للفريق واذا خرج الجمهور عن حدوده زال الجمال من اللعبة, وبالرغم من ان معظم المباريات تكون منقولة على الهواء مباشرة عبر التلفاز الا ان الجماهير ما زالت تواجه ظروف الجو السيء ــ البرد في اوروبا والحر عندنا ــ لمشاهدة المباراة من الملعب ما ذلك الا ان اللعبة شدتهم حتى وجدوا متعتهم في عنائهم. الدرس السابع: اللاعب الاجنبي بالرغم من وجود اعداد كبيرة من اللاعبين المواطنين في كرة القدم الا ان الرأي السائد ليس في دولتنا بل حتى من موطن كرة القدم هو مع اهمية وجود اللاعب الاجنبي المحترف الذي تنفق عليه ملايين الدراهم بهدف احتكاك اللاعب المواطن به, لان الكرة مهارة تكتسب بالمحاكاة والتحدي ولكن بعض الفرق تنسى هذه القضية فتخطىء في اختيار اللاعب الاجنبي او تجعله هو الاصل الذي لن ينجح الفريق بدونه وهنا تكون الطامة الكبرى فيحول اللاعب المواطن الى مناول والاجنبي الى صانع فإذا خرج الأجنبي من الملعب خسرنا المباراة. الدرس الاخير: فاز الفريق نجاح لعبة كرة القدم يكمن في قيام كل فرد بدوره وعدم تجاوز الحدود, فالمدرب لا يستطيع دخول ارض الملعب بعد صفارة الحكم ــ وكذلك اعضاء مجلس الادارة على جلالة مكانتهم, الحارس يمنعه القانون من لمس الكرة خارج الحدود المخصصة له, والشرطة تعتقل الجماهير اذا حاولت الخروج من المدرجات الى الساحة, كل هذه المسائل لم تمنع الكرة من الحركة والفريق من النجاح متى ما احترمنا التخصص وقدرنا دور كل فرد, ونسقنا الجهود نحو الهدف وفي نهاية الامر لن يقال انتصر المدرب او الجمهور او مجلس الادارة او الظهير بل يقال فاز الفريق وهذا لن يتم دون تنسيق. بعد ذلك كله دعونا نقارن اللعبة وقوانينها مع التربية والتعليم وهذه مقارنة ليست في المكانة طبعاً فمكانة التعليم لا تقدر بثمن ولن نقيس عليها كرة القدم وانما وضعت المقارنة هنا لاثارة العقول ولكي تبقى العملية التعليمية في ذهننا حتى ونحن نشاهد المباراة. فقد شرحت في مادة المناهج التي ادرسها في الجامعة فصل الاهداف باستخدام كرة القدم وكان الاثر عظيماً كما قال لي احد طلابي المعذبين كما يصف نفسه, وسر عذابه يكمن في انه كلما شاهد كرة القدم سأل نفسه هل له اهداف في الحياة وكم هدف سجل الى الآن, مرة اخرى التربية هي هاجس الكل فدعونا نختم المقال بهذه التوصيات: التوصية الاولى: القانون المعلوم كما ان للرياضة قوانين لا تخرق ومؤسسات دولية تتابعها كذلك التربية لها قوانين وقواعد ونظريات استفادتها الانسانية عبر العصور ولا يحق لكل انسان دونما تخصص او دراية ان يتجاوز هذه القوانين والا كانت النتيجة سالبة في الميدان فتطوير المناهج مثلاً له علمه والتفاعل الصفي وادارة المدرسة ومن حق الناس ادراك هذه القوانين ليستمتعوا بالتعليم كما هو الحال في الكرة. التوصية الثانية: اتحاد التربية في مقابل اتحاد كرة القدم ادري اهمية وجود مجلس للتربية والتعليم يراقب سير الامور ويتدخل لاصلاح المسار ويوجه عندما تضيع الاتجاهات واليه يرجع عندما ننشد التطوير والتحديث,ومع اهمية وجود هذا المجلس تبرز اهمية تفعيل دور المجالس الاخرى كمجالس المعلمين والمدراء والآباء والا اصبح اللاعب وحيداً في الميدان, كل هذه المسائل تقينا شر الفردية في التعليم, وتجعلنا امة متحضرة تحترم التخصص. التوصية الثالثة: الانطلاق من الفصل مهما كان الدور الذي نلعبه في التخطيط والتحديث مهماً لكن النتيجة يحكم عليها من الاداء داخل الملعب اي داخل المدرسة وتحديداً داخل حجرة الصف فذلك مكان التطوير الحقيقي المنشود فكم ننفق اليوم على تدريب المعلمين. التوصية الرابعة: من التفتيش الى الاشراف كما ان اللاعب في الملعب يعتمد بعد مهاراته على خطة المدرب كذلك الامر للمعلم فمن يوجه المعلم اليوم وهل هو العنصر الذي يقدره المعلم كما يقدر اللاعب مدرب الكرة ام ان العلاقة ليست كذلك, وتصور عندها فريق كرة بينه وبين مدربه عداوة. التوصية الخامسة: جمهور التربية أين موقع جمهور التربية والتعليم اليوم بلغة اخرى من هو الذي يشجع التربية ويهتم بها ومن المسؤول عن العلاقة بين الاسرة والمدرسة او التربية والمجتمع وهل تحس معي بوجود تلك الفجوة التي لا بد ان تردم لكي تعود المدرسة من جديد مركز اهتمام المجتمع بدلاً من ان يجلس الناس بعيداً يتفرجون على لعبة التربية, كما هي حال مدرجات كرة القدم عندنا, وجمهور التربية عنده الغيرة والرغبة في المساهمة ولكن من يفتح له الابواب. التوصية السادسة بين الوظيفة والمهنة كما اقول دائماً ان المعلم هو رأس الامر في التطوير التربوي وفي الدولة توجد نسبة ضئيلة من ابناء الدولة في ساحة التربية تقدر به 25% وبقية المعلمين من اشقائنا العرب الذين هجروا اوطانهم لتقديم خدماتهم في بلدهم الثاني الامارات, السؤال على عمومه ما هي معايير الالتحاق بالتعليم ومن المسؤول عن وجود المعلم غير الكفء في المدرسة سواء من المواطنين ام من غيرهم, لاني لا اميل الى التفريق بين من هم في ساحة المدرسة, ما هو سر تحول المهنة الى وظيفة من لا عمل له! ولماذا يفر المعلم الى مصادر اخرى للرزق كالدروس الخصوصية كل ذلك وغيره موجود في ساحة الملعب, فمن المسؤول. آخر المطاف: احترام التخصص والدور سر من اسرار نجاح فرق كرة القدم كذلك الامر في التربية فعندما يريد شخص واحد ان يكون عضو مجلس الادارة والمدرب واللاعب والجمهور نتهمه بالحماقة ولكن المؤسسة التربوية يقوم فيها البعض بهذا الدور وفي النهاية تكون المحصلة ناجحة على الورق فاشلة في ساحة التربية والتعليم وان تكامل الادوار مسألة منطقية لنجاح العملية التربوية لذلك لا بد من العمل على تحقيقها. سائق الاجرة: اذا كان عنوان هذا المقال كتبته في بوسطن بالولايات المتحدة خلال الصيف الماضي عند مشاركتي في ورشة عمل حول مهارات التفكير فإن نهاية المقال كتبته من سائق اجرة في بريطانيا عندما سألته عن سر ضعف المنتخب الانجليزي في كرة القدم في مقابل قوة الفرق البريطانية الممتازة للكرة, قال بلغته البسيطة:(بالرغم من ان كرة القدم نشأت في بريطانيا الا ان الفرق البريطانية تعتمد في نجاحها على اللاعب الاجنبي الذي ليس بإمكانه ان يشارك في المنتخب) . وكيل كلية التربية