مرة أخرى, يفاجئنا الرجل الوقور الجالس خلف مكتبه في بيان, والمراقب لدقائق كل ما يحدث في الكويت بتوقيت السماح للمرأة الكويتية بالانتخاب والترشيح, أي باستكمال الشعب الكويتي لحقوقه السياسية , فاجأنا التوقيت وجرأته الحكيمة, وان لم تفاجئنا الفكرة ولا المبادرة, وكان قد قال مرة قبل ذلك في اشارة لما يراه من مستقبل الكويت: (ان هناك نقلة نوعية للكويت في التسعينات) ولا أعتقد انه بالامكان وصف ظاهرة من ظواهر النقلة النوعية أكثر من حقوق سياسية للمواطنة الكويتية تضعها مع نساء العالم على قدم المساواة. ومن نافلة القول, ان الانسان قد يجد نفسه أمام تغير رئيسي ويسمع خبرا عن هذا التغير أو ذاك, ولكنه يمر تحت أنفه ــ كما يقولون ــ دون أن ينتبه الى أهميته, حدث ذلك أكثر من مرة, وكانت آخر هذه المرات عندما احتفلنا بعيد مجلة العربي الأربعين, وقدم الضيوف العرب الى لقاء حميم مع سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد العبد الله, وبعد الحوار الذي دار بين الضيوف وبين سموه, والذي نشر الكثير منه في الصحافة العربية, جاء وقت الوداع, فوقفت السيدة منى مكرم عبيد عضوة مجلس الشورى المصري والكاتبة المعروفة تودع سموه وقالت: (لم يتسن لي أن أتحدث في الجلسة, ولكنني أرجو يا سمو ولي العهد ان تحظى المرأة الكويتية بحقوقها السياسية) فقال سموه ضاحكا: (سوف يتم ذلك) فقالت السيدة: (قبل نهاية القرن) قال ضاحكا: (قبل نهاية القرن) ! هذه المحادثة تمت, وأنا لست بعيدا عن السماع, كما كانت حديث الضيوف الآخرين بعد ذلك, ولم أتوقع أن يتم الحدث الكبير بمثل هذه السرعة وبهذا الحسم. ولكنه تم, وأود لو أتحدث عن نتائجه السياسية والاجتماعية والثقافية, وهي محور ما أريد أن أعرضه هنا. المكسب السياسي الدولي والعربي والاقليمي للكويت لا أحد يناقش في أهميته, فبعد كثير من الوقت الذي تعرض فيه مثل هذه القضايا على لجان الأمم المتحدة, ونبحث عن أعذار لتفسير تأخر المرأة في الكويت عن الحصول على حقوقها السياسية, أصبح لدينا الآن رصيد سياسي دولي يقول ان المرأة الكويتية ليست بأقل من الهندية أو الباكستانية أو البنجلاديشية, أو أي امرأة في العالم من جهة حقوقها السياسية, بعد ان حققت تقريبا كل حقوقها الأخرى, وعلى المستوى العربي, لم تعد هناك الا قلة قليلة من الأقطار العربية لم تحقق المرأة فيها المساواة السياسية, واقليميا, شعرت بالفخر لما كتب عن هذه الخطوة في الصحافة الخليجية, ومن أقلام لها صدقية عالية, وعلى سبيل المثال لا الحصر, اقرأوا معي بعض ما كتبه عبد الغفار حسين وهو كاتب اماراتي مخضرم ومثقف متابع في جريدة الخليج وتحت عنوان: (الكويت: اضافة أخرى الى الرصيد الحضاري) كتب يقول: (ان نيل المرأة الكويتية لحقوقها السياسية دليل على ان الكويت ماضية لا تلوي على شيء في طريق توسعة قاعدة المشاركة واقامة المجتمع المتساوي في الحقوق والواجبات) . أما من المغرب, فقد كتب على سبيل المثال ايضا الحسان بوقنطار معلقا: (ان هذا القرار يعني الاندراج في منظومة حقوق الانسان في عالميتها, والعهد الخاص بالحقوق السياسية والمدنية) . هذا الانجاز العالمي والمحلي يأخذنا الى القول ان القيادة السياسية في الكويت مؤمنة ــ على عكس ما يشكك البعض ــ بأن الديمقراطية والمشاركة هي هنا لتبقى لأنها الطريق الوحيد الى تنمية حقيقية يحققها المجتمع ككل, وهي قائمة على المشاركة والتعددية, وايضا الشفافية, وهي مكاسب ما زالت القيادة السياسية تضيف اليها, وعن وعي مسبق, بأن القيادة بطبيعتها مطلوب منها ان تقود لا ان تخضع للأهواء ذات البعد المصلحي الضيق, حيث ان هناك علاقة متداخلة بين أفكار ومخططات النمو الاقتصادي والتطور الاجتماعي, وبين العدالة بمفهومها العميق والواسع, فالتطور الديمقراطي يضع آليات محددة لنشر العدالة بين الناس عبر شبكة الأمان السياسي الاقتصادي الاجتماعي الثقافي التي يحققها, ومن مؤشرات نجاح آليات الديمقراطية أنها تصحح أخطاءها أولاً بأول, ولقد مضى حين من الدهر طويل على حرمان المرأة الكويتية من حقها الطبيعي في المشاركة, وهاهي قد فازت به, ونحن على مشارف الألفية الثالثة, لأن هناك فئة من الناس دأبهم الاهتمام بهذا المعنى الشمولي للعدالة. تبقى قضية (المعارضة) التي نسمع عنها الآن خارجة من بعض الأوساط السياسية الرافضة لهذه النقلة الحضارية المتميزة, ومن الأوفق الا نضع (المعارضة) في سلة واحدة, ومن الضروري ايضا الا نحرم هذه المعارضة من التعبير عن رأيها, حيث ان قبولنا للديمقراطية هو قبول لا يتجزأ, ومن حق الكل ان يعبر عن رأيه. لذا, فإن النقاش الهادئ هو الطريق الأسلم للحوار. البعض ــ وهو الاتجاه الأخطر على المجتمع والتنمية ــ يضع مسألة نيل المرأة لحقوقها السياسية وكأنه عمل (مضاد) للشريعة الاسلامية, وقلت الأخطر, لأن نقاش هذا البعض ليس منصبا على موضوعات سياسية أو اجتماعية, ولكنه يضع (الاسلام) كما لو كان مضادا للحقوق (الانسانية), وهذه مقاربة غير موضوعية على أقل ما يقال فيها, وهي محاولة لاحتكار تفسير تعاليم الاسلام العظيم, وليس هناك مشروعية لاحتكار طرف من الأطراف تمثل حصرا الاسلام والمسلمين, وهو خلط لايجوز بين الاسلام المطلق ذي الأبعاد الانسانية والاسلام الذي يخضعه البعض تعسفا لظروف البيئة الضيقة والاسقاطات البشرية الأضيق, وهذه المفارقة ليست خاصة بالكويت, ولكنها اليوم منتشرة في الكثير من الدول الاسلامية بعد ان احتلت القوى السياسية الاسلامية موقعا في الخريطة السياسية للبلدان الاسلامية, لعل الواقع يقول لنا ان هذا الموضوع خاص بالبيئة الاجتماعية, وليس خاصا بالاسلام, فبلاد مثل ايران أو مصر أو المغرب أو غيرها لايشك في اسلامها قد أعطت المرأة كامل الحقوق السياسية, وبلاد مثل أفغانستان فرضت البيئة المحلية الاجتماعية فيها نوعا من الممارسات السياسية ضد المرأة والتي أخرجها منفذوها وكأنها تعاليم (الاسلام) بينما هو منها براء. بين الشأن الديني المقدس والشأن السياسي الوضعي يختلط الأمر على البعض فيدخلون دون علم أو روية في تعطيل المصالح المرسلة للناس, والفرق بين الاجتهاد ومواءمة العصر بأهداف الشريعة الاسلامية السمحاء وبين رفض التعامل مع الواقع تأكيدا على هوية غير متغيرة, هو تجميد يرفضه الواقع كما رفضه الاسلام من قبل, بل والأعجب ان هذا البعض يقبل صيغا جديدة يمارس من خلالها عمله مثل الأحزاب والجمعيات, ويرفض صيغا أخرى مثل مشاركة المرأة! مثل هذ التقولات ذات الادعاء أو الايهام الأصولي التي تمنع الآخر من الاجتهاد كما في موضوع مشاركة المرأة في الحقوق السياسية, مثلها مثل علمانية تركيا التي تمنع المرأة المحجبة من دخول البرلمان, كلاهما (مقلد) بمعنى من المعاني, إما مقلد (أصولي) أو مقلد (علماني) وكلاهما يرفض اجتهاد الآخر لأنه لا يتوافق مع ما يراه, وكلاهما يريد أن يسير المجتمع بشكل يرغبه هو ومخالف لما يراه الآخرون. الأمر يطول في هذا المنحى من الحوار فالاسلام في أصوله منذ نشأته هو دين العقل والحرية الفردية, فلا عدل دون أن يكون الانسان حرا عاقلا, ويشمل العدل أصلي الحرية والعقل, وتأتي الحرية قبل العقل, فالعقل سند للحرية, والعقل أصل النقل, بل ان العقل مصدر من مصادر التشريع يسمى (القياس) والعقل يفرض علينا في هذا الزمن مع تطوراته العلمية والعملية أن يكون للمرأة مكانها في المجتمع في كل مناحي الحياة, وعلى رأسها المنحى السياسي. البعض الاخر ــ وهو الاتجاه الأقل خطورة ــ يبني (معارضته) لحقوق المرأة السياسية على تفسير لمنطوق الدستور, وهو الدخول في نقاش ما هو العاجل من الأمر وما هو الآجل, وهذا أمر يخوض فيه القانونيون, ولكن هناك من يرى ــ وأنا من بينهم ــ انه لو ترك الأمر (حقوق المرأة الكويتية السياسية) للمنتخبين في البرلمان المقبل, فان القضية سوف تضيع في دهاليز المناورات السياسية والحسابات الانتخابية, ومن هنا فإن الأمر هو أمر عاجل ليس فيه شبهة دستورية, لأنه لا يحقق فقط مصالح فئة اجتماعية أهدر حقها في الماضي, ولكنه بجانب تبقى الفئة التي تتحفظ من منظور اجتماعي, هذه الفئة لها بعض المعقولية في تحفظها حيث ان البناء الثقافي هو من الأبنية صعبة الاختراق, لذلك فإنه يجب عدم الاستهانة بهذا البعد, والذي يحتاج أكثر من معارضته والصراخ في وجهه وتجميد محاولة فهمه وتفسيره, بل العمل الثقافي الدؤوب من مناصري الحريات بتوجهاتهم المختلفة للقيام بالتوعية فيه, ومن هناك أرى أن يتحرك بعض من هؤلاء باتجاه مناقشة تحفظهم هم أنفسهم, فمن المؤكد ان البعد الاستراتيجي في اعطاء المرأة حقوقها السياسية فيه فائدة مؤكدة لحاضر ومستقبل النمو الوطني. وفي هذه النقطة الأخيرة من الواجب أن تقوم كل الجهات المعنية بالتنمية في المجتمع في مجالات الصحافة أو الإعلام والمؤسسات الأهلية بالتوعية المنظمة. وخطورة المدخل الأخير انه يمكن أن يتحول الى كعب أخيل للسياسيين ومحدودي الخبرة وغير المستنيرين ويستخدم لتخريب أو ابطاء هذا العمل الحضاري والتاريخي المهم. ان الأمور الكبيرة تحتاج الى جهود كبيرة, ولا شك ان نوال المرأة حقوقها السياسية هو انجاز كبير, وكبير جدا لو أمعنا في تأمل ما يمكن أن يكون وراءه من تحديات وقبول حاسم بمواجهة هذه التحديات, وهي لحظة كبيرة من اللحظات الاستثنائية التي ينبغي ان تتضافر فيها جهود النخبة الشعبية المستنيرة مع ارادة الاستنارة لدى النخبة الحاكمة التي أثبتت انها لا تكتفي بالنظر الى مواطئ اقدامها, بل تمد البصر الى الأضواء البعيدة في الأفق, وهو ما يجدر بالنخبة الشعبية المستنيرة ان تتآزر معه حتى لو كانت معارضة في مواضع أخرى.