يتصدى الزميل محمد المر بروح وطنية عالية المسؤولية, وبقدر من الحساسية والشفافية معا, منذ وقت لموضوع الاستثمارات الاجنبية في بلادنا ودعوات تمليك الاجانب للشركات والعقارات والاسهم , وغيرها من قنوات الاستثمار تحت حجج جذب هذه الاستثمارات وتشجيعها وتسهيل اقامتها, على نحو ما يرى اصحاب هذه الدعوات, من مسؤولين اقتصاديين واكاديميين وربما رجال اعمال ايضا. واذا كان الزميل المر يتحدث من موقفه الرافض قطعيا لتمليك الاجانب على خلفية خلل التركيبة السكانية الذي نعاني منه, فان المؤيدين بدورهم يتحدثون من مواقف وطنية ايضا, على اعتبار ان جذب الاستثمارات مفيد اقتصاديا للبلاد, لولا انهم في غمرة حماسهم الاقتصادي هذا ينسون خصوصية الوضع السكاني والاجتماعي, الذي وصل إلى مرحلة الخطر وربما تجاوزها ايضا, حتى من دور تمليك الاجانب بالكامل للشركات والعقارات وغيرها, فأكثرهم عمليا صار في حكم المستوطن. وعلى هذه الخلفية الاجتماعية والسكانية يكون المر محقا تماما في رفض دعوات التمليك, وفي دعوته بالمقابل إلى بذل الجهد المخلص والمتواصل لمعالجة خلل التركيبة السكانية, وتمكين العنصر المواطن من ممارسة حقه المشروع في وطنه, سواء كان ذلك حقه في العمل والوظيفة, أو حقه في مباشرة الاستثمار والاعمال الحرة والتجارة, عن طريق برامج حكومية يشترك فيها القطاع الخاص, لانجاز هذه المهمة الوطنية, التي منها مثلا اليوم جهد توطين المصارف. ولن ندخل في التفاصيل التي اشبعها الزميل محمد المر بحثا ونقاشا في سلسلة مقالات سابقة, كما اشبعها آخرون سواء في الندوات أو المقابلات أو المقالات وهم يبحثون هم التركيبة السكانية, الا ان ما يطرحه المر وما يطرحه المؤيدون لتمليك الاجانب على السواء يستحق نقاشا وطنيا عاما, على مستوى رجال الاعمال والتجار من خلال غرف التجارة, ونقاشا رسميا على مستوى الحكومة, ونقاشا شعبيا في الوقت نفسه على مستوى المثقفين والاكاديميين والاعلاميين وغيرهم, بحيث لا نصبح يوما وقد صدر قرار بالتمليك في غفلة ليل. مع ذلك فان موضوع التركيبة السكانية الذي يتطلب علاجا حاسما, لن ينتهي لظروف اقتصادية بحتة في سنوات قليلة, فوجود الجاليات الاجنبية بهذه الكثافة سوف يستمر طويلا وإلى وقت يحل فيه المواطنون محلها, عدديا ونوعيا, لذلك فان الاقتصاديين الذين يقلقهم الوضع الاقتصادي باستمرار ويبحثون عن آليات وحلول لازدهار اقتصادي وانتعاش, يفكرون في المستقبل وينظرون إلى أن خطوة التمليك ربما تكون سبيلا آخر لتوطين الرساميل الموجودة وجذب المزيد منها, ما يحقق على الدوام استمرار الانتعاش وبناء اقتصاد قوي, خاصة اذا اتجهت هذه الرساميل إلى اقامة صناعات على نحو ما جرى في دول شرق آسيا كمثال. وبطبيعة الحال فان التفكير السابق سليم ولا جديد فيه, فأكثر دول العالم رأسمالية تسعى لجذب المزيد من الاستثمارات, ولا تمانع في تمليك الاجانب لمشروعاتها وعقاراتها, ضمن قوانين خاصة معروفة, كتملك العقارات البريطاني لتسعة وتسعين عاما, لولا ان تلك الدول مرة اخرى يشكل مواطنوها غالبية ساحقة, واذا زادت نسبة الاجانب فيها على 7% مثلا دقوا ناقوس الخطر, كما حدث في فرنسا مؤخرا. وهكذا فانه يمكن تنظيم جذب الاستثمارات مع ما يتبعه من تسهيلات عبر قوانين واضحة وصارمة, الا ان المشكلة عندنا في الامارات مرة اخرى, غياب قوانين اخرى مهمة ذات سمة اقتصادية كان ينبغي صدورها منذ زمن بعيد, منها على سبيل المثال قانون التستر التجاري, وقانون محاربة غسيل الاموال, وقانون حماية المنتجات الوطنية, وقانون الافلاس وغيرها من عشرات القوانين المهمة التي يعتبر غيابها مؤثرا سلبيا في الوضع الاقتصادي, فكيف نقفز إلى المستقبل من دون بنية اقتصادية وقانونية سليمة تحفظ حقوق الرساميل الوطنية اولا وتشجعها على الاستثمار في البلاد وتحميها؟