هو مثل الفرق مابين الارض والسماء: اعني الفرق بين (اعلان الدولة الفلسطينية) وبين (قيام الدولة الفلسطينية) ولكن يمكن ان يكون كلاهما مكملا للآخر, فهل هذا هو ما يرمي اليه الرئيس عرفات ؟ احدث تصريح فلسطيني في هذا السياق يحمل مايشبه الانذار النهائي اذا قرأته على خلفية التغيير السياسي الاخير في اسرائيل الذي افرزته الانتخابات العامة بوصول ايهود باراك زعيم حزب (اسرائيل الموحدة) (العمل سابقا) الى السلطة .. فكأن التصريح انذار موجه الى القيادة الاسرائيلية الجديدة, فقد حدد التصريح نهاية العام الجاري ــ وقد انقضى نصفه تقريبا ــ (لاعلان) الدولة الفلسطينية كاقصى موعد. ان التصريح قد يكون جادا وقد لايكون اعتمادا على ما اذا كان (الاعلان) سوف يترجم الى (قيام) على الارض او يبقى مجرد اعلان. وللجدية عناصر .. فلنتفحصها. من ابجديات القانون الدولي انه لن تكون هناك دولة الا اذا كان لها اولا كيان جغرافي معلوم ذو مساحة وحدود معينة وان يخضع هذا الكيان لسيادة وطنية, وفي الحالة الفلسطينية فان هذا الكيان يجب ان يتكون من اراضي قطاع غزة وأراضي الضفة الغربية لنهر الاردن بما في ذلك القدس الشرقية .. اي الاراضي التي تقع حاليا تحت احتلال اسرائيل كما وجدتها قبل 5 يونيو 1967. وبموجب اتفاق اوسلو فان الاراضي التي تقع تحت الادارة المباشرة للسلطة الوطنية الفلسطينية الآن لاتزيد على 60 في المائة من غزة و 10 في المائة من الضفة الغربية. وحتى هذه (الادارة المباشرة) لاتعني في وجهة النظر الاسرائيلية (السيادة الوطنية الكاملة) . بناء على ذلك فان اكتفاء القيادة الفلسطينية بمجرد (اعلان) الدولة الفلسطينية عند نهاية العام لن يعني اي شيء من حيث واقع الارض مالم تقرر (الدولة) الجديدة ممارسة حق الدول في السيادة فتحاول ان تضع يدها بالقوة على الاراضي الواقعة تحت الاحتلال الاسرائيلي بصورة مباشرة او غير مباشرة. ومن هنا تنبثق اسئلة بلا حصر: واول سؤال هو : هل تبعث سلطة الدولة الفلسطينية المعلنة بما لديها من قوات نظامية ــ وهي قوات شرطة فقط ــ لتنتشر على الاراضي المحتلة, وبذلك تركب مخاطرة الصدام الدموي مع القوات الاسرائيلية في حرب تقليدية .. وهل تقوى على مثل هذا الصدام؟ ان القيادة الفلسطينية تراهن حتى الآن على الاستراتيجية الدبلوماسية وحدها. وعلى هذا الاساس فانها تأمل انه بمجرد (اعلان) الدولة الفلسطينية ان تتلقى اعترافات بهذه الدولة من مختلف انحاء العالم بما في ذلك دول (الاتحاد الاوروبي) ووفقا للقانون الدولي فان الدولة الفلسطينية يحق لها في هذه الحالة ان تطلب تدخلا عسكريا من الدول المعترفة بها لمساعدتها في استرداد اراضيها, ويحق لهذه الدول قانونا ان تلبي مثل هذا الطلب. فهل تراهن القيادة الفلسطينية على شيء من هذا القبيل؟ هل تأمل ــ بكلمات اخرى ــ في سناريو مماثل للتدخل العسكري بواسطة دول الحلف الاطلسي في مشهد يوغسلافيا وكوسوفو؟ اذا كان الامر كذلك فان القيادة الفلسطينية تكون قد اخطأت في حساباتها منذ اول وهلة. اولا, لن تعترف الولايات المتحدة ــ القوة العظمى التي تقود الحلف الاطلسي بدولة فلسطينية تعلن من جانب واحد, وبالتالي فان التدخل الاطلسي غير وارد. ثانيا, مع التسليم بان دول الاتحاد الاوروبي سوف تعترف بالدولة الفلسطينية المعلنة, الا انه من غير المتصور اطلاقا ان يبلغ تعاطف دول مثل بريطانيا وفرنسا وايطاليا وغيرها مع الحق الفلسطيني درجة الدخول في حرب مع اسرائيل. وصفوة القول ان الاستراتيجية الدبلوماسية وحدها لن تحقق الحلم الفلسطيني المشروع في قيام دولة مستقلة كاملة السيادة ان الاستراتيجية الدبلوماسية وحدها لن تحقق الحلم الفلسطيني المشروع في قيام دولة مستقلة كاملة السيادة. ان الاستراتيجية الدبلوماسية تنجح اذا كانت تسير على خط مواز مع العمل الميداني الداخلي, ومن هنا نفهم لماذا اصرت اسرائيل على القيادة الفلسطينية اسقاط خيار الكفاح المسلح نهائيا من الميثاق الوطني الفلسطيني.