بعد اعلان نتائج انتخابات رئاسة الحكومة وعضوية الكنيست الخامسة عشرة في الدولة العبرية, أصبح بمستطاع ايهود باراك البحث عن تحالفات مريحة له. وهذه الامكانية القائمة نظريا تقع في سياق الاتجاه الصقري الذي يمثله باراك ذاته , بالنسبة للقضية الفلسطينية والمستند إلى اللاءات المعروفة والقائمة على الاحتفاظ بالقدس الموحدة, ورفض الانسحاب الكامل حتى الرابع من يونيو لعام ,1967 ورفض تفكيك المستوطنات وعودة أي لاجئ أو نازح كما في ضم 52% من مساحة الضفة الغربية (القدس + كتل الاستيطان + شريط محاذي للخط الأخضر, وآخر مع الحدود الشرقية مع الأردن). إن سياسة باراك الفلسطينية على افتراض انها ستفتح المجال لتطبيق القضايا المعلقة (النبضة الثانية من اعادة الانتشار وفق واي ريفير) ستتشدد فيما تبقى من المرحلة الانتقالية (النبضة الثالثة, المرفأ, الممر الآمن...) وستنتقل من التشدد إلى التصلب عندما يفتح ملف مفاوضات الوضع الدائم. من هنا الدعوة إلى تركيز الجهد الفلسطيني على القضايا المتعلقة بالحوار الوطني والوحدة الوطنية, والبرنامج المشترك, وضرورة تخلص المعارضة من الظواهر السلبية التي أعاقت امكانية تطور فعلها المؤثر داخل فلسطين وفي الشتات. بصراحة, نميز بين المعارضات, فالمعارضة, معارضات, معارضة وطنية ثورية واقعية وعملية, ومعارضات عبثية وعدمية تحت يافطة الشعارات العامة دون برامج ملموسة في هذه المرحلة, وكل مرحلة, ومشهورة بالحروب الأهلية وحروب المخيمات منذ عام 1983 في صبرا وشاتيلا حتى يومنا في مخيم البداوي شمال لبنان. ومعارضة أخرى تكتفي بشعار مطروح لكل زمان ومكان تدور حول ذاتها حالها حال (رقصة المولوية) خارج خارطة المكان والزمان, الجغرافيا والتاريخ, ولا تقدم حلولا وبرامج توحيدية ملموسة, فضلا عن تداخل وتدخل الخارطة الاقليمية العربية التي لا تريد وحدة وطنية أو معارضة متحدة عملية حتى لا يرتفع السقف الفلسطيني فوق سقف حلول كامب ديفيد وأوسلو/ واي بلانتيشن فيبقى هابطا تحت عنوان بائس (نقبل بما يقبل به الفلسطينيون) للتحلل من أية التزامات قومية وإسلامية وبذات الوقت رجح الموقف الفلسطيني السلطوي والمعارض بالحجارة, لذا فمعارضة الطيف متعدد الاتجاهات تحمل في ذاتها إشكالية كبيرة جدا منعتها من الانطلاق التقدم والتحول إلى حالة متحدة واستقطابية مؤثرة في الداخل والشتات. إن أي دور لاحق للمعارضة وللحركة الوطنية الفلسطينية, مرهون بالكامل لعامل الوحدة الوطنية على أساس البرنامج المشترك, وهذا ما نسعى ونعمل من أجله في الجبهة الديمقراطية جنبا إلى جنب مع كل القوى الوطنية والديمقراطية والإسلامية في فلسطين والشتات, ولن يكون الدور الوطني مرتهنا لنتائج الانتخابات الاسرائيلية. فالمشكلة ما زالت مستعصية بصفوف بعض المعارضة التي تستخدم لغة الاتهامات ضد كل من يطرح الجديد أو يقدم رؤية وطنية برنامجية ملموسة لا تنسجم مع موقفها, وكذلك حال بعض أطراف السلطة التي تمثل الوجه الآخر من السياسة اليمينية الانعزالية كلما وصلت قضيتنا الوطنية إلى مفترق طرق وتضع بيضها في سلة باراك. انه فن استنساخ دعايات بائدة, لا هدف له سوى الامعان في النفاق السياسي من جانب بعض القوى والأطراف ان كانت في صف اليمين على ضفتي المعارضة أو السلطة, فضلا عن كونه في خدمة محاور اقليمية عربية وتحت سقف تكتيكاتها الذاتية ومصالحها الخاصة الاقليمية, وهذه السبحة السياسية للمواقف المستنسخة تتكرر منذ خمس سنوات وتنهار دائما, بينما أصحاب هذه المواقف بين من عقد صفقات مع السلطة فئوية مصلحية, ومن يضع يده على ستة دوائر لمنظمة التحرير في دمشق وبيروت وأموال الصندوق القومي لمنظمة التحرير في دمشق وبيروت منذ عام 1983 حتى الآن ينفق ويسرف بها على كوادره وقياداته على حساب جوع شعبنا في المخيمات وأسر الشهداء والأرامل والمعطوبين. فالغزل السياسي في قاموسنا ليس له وجود, والمصلحة الوطنية العليا لشعبنا كما نراها ونعمل وفقها هي اللغة العليا في خطابنا وموقفنا السياسي. نحن لا نربط, ولا نرهن موقفنا لأحد, ولا نضع الاغلال في أيدينا. فنحن معارضة ثورية واقعية, عملية, جادة ومسؤولة, نؤمن بالوحدة والعمل المشترك, ونبذ كل شعارات الانقسام والبدائل ونظريات الفك والتركيب السلطوية والعدمية ونأخذ بعين الاعتبار كل التطورات في المنطقة وداخل الدولة العبرية, وبكل الحالات لا نرتهن لنتائج الانتخابات الأخيرة. لذا نواصل دورنا في الوطن والشتات على هذا الأساس, ونفتح بعلاقات مع الجميع على قاعدة القواسم المشتركة لتجاوز مظالم أوسلو/ الواي وسياسة الخطوة خطوة بالانتقال إلى مرحلة نوعية جديدة في النضال لترحيل المحتلين والمستوطنين, ونحو استراتيجية تفاوضية جديدة تستند على اعلان سيادة الدولة الفلسطينية على أراضينا المحتلة حتى خطوط الرابع من يونيو 1967 والتفاوض على أساس قرارات الشرعية والمرجعية الدولية وتحت إدارة مرجعية وطنية ائتلافية تلتزم بالبرنامج الوطني المشترك فأوسلو انتهت بسقف الرابع من مايو 1999 ولا لتمديد سياستها. علاقات التعاون والنضال المشترك, المتعدد الميادين حميمة مع الاخوة في حركة حماس, الجبهة الشعبية, الجبهة العربية, حزب الخلاص الإسلامي, والشخصيات الوطنية في صف المعارضة في الوطن المحتل وعلى مساحة فلسطين من بحرها إلى نهرها مع الأحزاب والقوى الوطنية والتقدمية والديمقراطية, كذلك مع فصائل منظمة التحرير على الأرض في القدس والضفة والقطاع (فتح, الجبهة الشعبية, جبهة التحرير العربية, حزب الشعب الفلسطيني, جبهة النضال, جبهة التحرير الفلسطينية...) ويمتد كل هذا على عديد أقطار الشتات. فيدنا مفتوحة للجميع شرط التوافق والقواسم الوطنية/ القومية المشتركة. وفق ما قدمته, أستطيع أن أحدد أكثر, ونعلن لشعبنا, للمعارضة الوطنية والسلطة وللعرب دولا وشعوبا وأحزابا بأن سياستنا الوحدوية في الجبهة الديمقراطية قائمة على أساس أوسع اطار ائتلافي مشترك وعلى النقيض من النهج التفردي المتسلط لهذا الطرف أو ذاك, في السلطة أو في اطار المعارضة الالغائية. التجربة الفلسطينية المرة, وبتعقيداتها الكبيرة والصعبة منذ الانطلاقة المعاصرة للثورة الفلسطينية, أوضحت بشكل قاطع بأن الاستمرار في نهج التفرد والتسلط, أنتج الكوارث المتعاقبة وربط مصير القضية الوطنية والمشروع الوطني بيد أفراد فقط, وأعود بكم ومع شعبنا لكتاب (حواتمة يتحدث...) وكتاب (أوسلو والسلام الآخر المتوازن) الذي كشف المستور بالوقائع والأسماء والقوى والوثائق, حول كل معضلات التعارضات والتناقضات والتحالفات والصراعات في صف منظمة التحرير والثورة والسياسات الفلسطينية, وتأثيرات العواصم الاقليمية العربية... التي عملت وتعمل لحصر القرار الفلسطيني بفرد وسلطة دكتاتورية على مقاس عديد الأنظمة العربية. من هذا المنطلق ندعو ونعمل ونسعى لتطوير العلاقات الداخلية, وارساء أشكال متقدمة من المؤسسة في العلاقات المتبادلة. وتفعيل الحركة الشعبية على المستوى الفلسطيني والعربي, مسألة جوهرية في اطار العمل الفلسطيني داخل فلسطين والشتات, اضافة إلى المنطقة العربية بأسرها. إن غياب المشاركة الشعبية, وطغيان سياسة القطيع, في العلاقة بين الشعب والسلطات الحاكمة, وغياب الديمقراطية في العلاقات داخل كل بلد من بلداننا العربية (بتفاوت ملحوظ). هذه العوامل شكلت دوافع أساسية دفعت نحو حالة التداعيات والاحباطات والكوارث واستبدادية وتسلط الأنظمة, وحلول قرارات الأفراد الكارثية محل الشعوب وحقها بتقرير مصائرها وخياراتها الوطنية. إنها بحق مصادرة الديمقراطية في صف الشعوب العربية على مساحة أكثر من خمسة عشر قرنا بأيدي أنظمة الاستبداد الشرقي (الأوتوقراطي أو التيوقراطي). ومن ثماره السامة على امتداد الثلاثين عاما الأخيرة سلسلة من الحروب الأهلية والعربية - العربية والإسلامية على يد وبين الأنظمة من وراء ظهر الشعوب بينما العدو التوسعي الاسرائيلي الصهيوني وحماته وراء الأطلسي يرقصون فرحا وطربا على دمار العرب للعرب والمسلمين للمسلمين بالحروب الداخلية. إن طغيان المنطق الأعمى القائم على قاعدة (من هو ليس معي فهو ضدي) فضلا عن الأيدي الطويلة للمحاور الاقليمية العربية في معدة الصف الفلسطيني على ضفتيه السلطوي والمعارض... هذا المنطق لا يمكن ولا يساعد على تأسيس أي ائتلاف جبهوي في أي لحظة من اللحظات. الآن سلطة الحكم الذاتي تتخبط في مأزقها, فمرحلة أوسلو وصلت إلى نهايتها مع تجاوز الرابع من مايو ,1999 فما العمل؟ الانحناء لضغوط واشنطن واملاءات اسرائيل, أم العودة للشرعية الشعبية وانتخاب مجلس وطني جديد والعودة لبرنامج القواسم المشتركة بالحوار الوطني الشامل واعادة بناء المؤسسات والمرجعية الوطنية الائتلافية كما في مرحلة كل حركات التحرر الوطني الظافرة في عالمنا المعاصر, وهذا طريق الخلاص الوطني والقومي, والمعارضات الانقسامية متخبطة في الخارج, فسياسة الغاء الآخرين, ما زالت سيدة الموقف, وشعارات التطرف والمغامرة الدموية العبثية ما زالت كما هي منذ ثلاثين عاما يتم اجترار استنساخها, والنتيجة الغرق في تفاصيل ليست موضع البحث وضياع جوهر المواضيع والاستحقاقات المطلوبة. الآن المعارضة الثورة الوطنية المستقلة, التي تقدم برامج ومبادرات ملموسة (مبادرة فبراير 1997 للحوار الشامل, مبادرة مايو 1998 لاعلان سيادة دولة فلسطين وانهاء المرحلة الانتقالية لتجاوز مظالم أوسلو/ الواي, مشروع الخلاص الوطني المقدم للشعب ودورة المجلس المركزي لمنظمة التحرير الذي عقد 26 ابريل 1997) تشق طريقها في صف الشعب وتحت بصر ورقابة محكمة الجماهير وعلى درجة عالية من التلاقي مع المعارضة الملموسة في الضفة والقدس والقطاع كما عبرت عن نفسها بمؤتمرات المعارضة لقطاع غزة والضفة, ومع عديد كوادر وقواعد فتح, وتعبر الآن بالنضال لاعادة سيادة الدولة ووقف التمديد لاتفاقات الحكم الذاتي وتداعياته وعدم استئناف سياسة الخطوة خطوة الأوسلوية ومظالمها.