حتى اليوم فإن اكثر المؤسسات المجتمعية تعرضا للانتقاد هي وزارة التربية والتعليم, كما ان اشهر الشخصيات عرضة للخلاف بين مختلف اصحاب الاقلام من الكتاب والنقاد والصحفيين هو معالي وزير التربية , وليس ذلك لخلاف شخصي معه, ولكن الامر يتعدى ذلك الى خلاف حول سياسات الوزارة لما لها من ابعاد وتأثيرات تمتد ازمانا في وجدان اجيال الامة. والحق يقال فإننا كمجتمع وأفراد نعيش شيئا لا يخفى من ارهاصات اجواء الديمقراطية الصحفية عندما نتعاطى بهذا الانفتاح نقدا واعتراضا ونقاشا ودفاعا ــ ان اقتضى الامر ــ لسياسات حكومية عديدة اولها: توجهات التربية والتعليم, وليس آخرها التركيبة السكانية وتوطين المصارف والمخاطر التي تهدد البيئة, وهوية اعلامنا المحلي و.... الخ. وان كنا نأمل بأن يتسع فضاء هذه الديمقراطية الناقدة ليشمل الجميع ــ مسؤولين وسياسات ــ دون ان يكون هناك وجود لاستثناءات معينة او لاعتبارات شخصية تمنح البعض حصانة مؤبدة ضد النقد والمساءلة, بشرط ان يتم النقد بشكل متحضر بعيدا عن التشهير والتجريح, او الجلد العلني الرخيص. وهنا نقف بشدة في خندق وزير الاعلام والثقافة مطالبين وسائل اعلامنا المحلية بجميع قنواتها باستغلال هامش الحرية الذي يتيحه قانون المطبوعات والنشر الحالي حيث لا نجد اي تفسير لهذا التردد الواضح لدى هذه الوسائل الاعلامية في استغلال المتاح لها من مساحة حرية التعبير ــ كما نوه بذلك سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان. لقد قال الرئيس الامريكي ابراهام لنكولن ذات يوم من ايام الشعب الامريكي: دع الجميع يعرفون الحقيقة, وسيعيش المجتمع بأمان, ولاشيء غير الاعلام يمكن ان ينقل الحقيقة للجميع بنفس القدر والتجرد والعدالة اذا اراد, وبغير ذلك من التشويه والتزوير اذا اراد ايضا!! وفي الاعلام ليس اقوى من الكلمة المكتوبة المقروءة, ومن هنا اعتبرت الانظمة الديمقراطية ان الصحافة ليست مجرد اوراق معبأة بالكثير من الحبر والعديد من التفاهات, انها اكبر من ذلك, فهي السلطة الرابعة فوق كل السلطات. ان الصحافة كما نعرف جميعا هي التي رفعت الكثير من القيادات والرموز الى مناصب الحكم, وهي التي اخرجت الكثيرين من مناصبهم ايضا, هي التي اطاحت بهالة القداسة التي كانت تحيط الاسرة المالكة في بريطانيا, كما اطاحت بحكم الرئيس الامريكي الاسبق نيكسون, وفضحت الرئيس الحالي بيل كلينتون, وطارت بوزير خارجية فرنسا الاسبق (رولان دوما) بعد نشر كتاب (غانية الجمهورية) الذي يروي علاقة هذا السياسي المحنك مع الشقراء (كريستين جانكور) والذي تلقفته اكثر الصحف الفرنسية رصانة الـ (لوموند) مفردة للتعليق عليه صفحة كاملة. ولانها دول مؤسسات عريقة فقد ذهب وزير الخارجية (رولان دوما) وبقيت الـ (لوموند) كما ذهب نيكسون وبقيت الواشنطن بوست, وببساطة اكثر لان الصحافة تحمي المجتمع وتراقب اجهزته, وتحفظ حقوقه, دون ان تورط نفسها بأن تكون بوقا او دكانا من دكاكين الصحافة الصفراء. ان تصريحات وزير الاعلام مشجعة جدا للمطالبة بمزيد من حرية التعبير وديمقراطية الصحافة والاعلام بشكل عام.