من الصعب ان تجد تناقضا مماثلا للتناقض بين شخصية الزعيم الراحل الشريف حسين الهندي وشخصية السيد محمد عثمان الميرغني , أوتي الهندي رحمه الله الجسارة والبلاغة والحسم مع الاريحية والذكاء ونفاذ البصيرة التي تخترق الحجب, اما السيد الميرغني فإن حظه في كل ذلك متواضع رغم ان والده السيد علي الميرغني رحمه الله كان مثالا نادرا لقوة الشكيمة مع الدهاء والثقافة الموسوعية والرأي الصقيل وبعد النظر. ومع تناقض الشخصيتين ــ الشريف الهندي والسيد محمد عثمان ــ كان تناقض المواقف في عهد نميري, كان تناقضا كاملا شاملا ظهر في السنة الاولى لانقلاب نميري في عام 1969, اعلن نميري حل الاحزاب وحظر نشاطها, ومن بينها بالطبع (الحزب الاتحادي الديمقراطي) , ومنذ ذلك الحين ألزم السيد محمد عثمان نفسه بقرار الحل والحظر واختار ان يكون حليفا للنظام كزعيم لطائفة (الختمية) حتى النهاية.. بينما غادر الهندي البلاد ليمارس نشاطا معارضا متصلا الى ان وافته المنية مطلع عام 1982. دخل السيد محمد عثمان (الاتحاد الاشتراكي) وبقي عضوا بالمكتب السياسي الى ان سقط النظام في عام 1985, وبينما كانت مظاهرات الانتفاضة تتصاعد وتتسع دوائرها ويشتد غليانها يوما بعد يوم قبل ان تتدخل قيادة الجيش لتتولى السلطة (نيابة عن الشعب) كان السيد محمد عثمان موزع الخواطر ما بين اختيار البقاء مع نظام قد ينهار في اية لحظة او اختيار الانضمام الى انتفاضة جماهيرية قد تنتهي الى فشل, والحال كذلك فإنه قرر النأي بنفسه جغرافيا من المشهد الحرج فسافر على عجل الى مدينة (جبيت) في شرق السودان وبقي هناك الى ان انجلى الموقف نهائيا عن سقوط النظام بتدخل القوات المسلحة.. فعاد الى الخرطوم. وبعد: على ضوء ما سردت من مواقف القادة الحزبيين على عهد نميري في مراحله المختلفة والمتقلبه من اقصى اليسار الى اقصى اليمين فانني استبعد ان يطالبوا بمحاكمته تخوفا وتهيبا من فتح (صندوق بانادورا) , وحتى هذه اللحظة لم يصدر عن اي من هؤلاء القادة ما يمكن ان يعتبرا موقفا محددا وقاطعا في هذا السياق, لقد سكت السيد فاروق ابو عيسى والدكتور منصور خالد والسيد محمد عثمان الميرغني, تكلم فقط السيد الصادق المهدي فسفه نميري قائلا انه (ورقة محروقة) وان عهده صار (في ذمة التاريخ) لكنه لم يطالب بمحاكمته بصورة قاطعة. اما الدكتور حسن الترابي فإن موقفه بالطبع هو موقف الحكومة التي اتخذت قرارا بحظر اي دعوى على نميري ونظامه في اي من القضايا التي يمكن ان يواجه حيالها محاسبة مشروعة. وحتى لو تلمسنا للحكومة اقصى حد من المبررات فانها لاتملك حق التنازل عن حقوق الاخرين, على المستوى الانساني فأقارب عبدالخالق محجوب رحمه الله يريدون ان يعرفوا لماذا وجهت اليه تهمة (المشاركة في تدبير انقلاب) وليس عوضا عن ذلك تهمة (تأييد انقلاب بعد وقوعه) .. فالاولى تفضي الى الاعدام كعقوبة بينما الثانية لاتفضي الا الى السجن, علما بأن المحكمة العسكرية لم يثبت لديها مشاركة عبدالخالق في التدبير. واقارب المقدم بابكر النور رحمه الله يريدون ان يعرفوا ما اذا كان صحيحا انه تعرض للمحاكمة مرتين متتاليتين: المرة الاولى عندما حكم عليه المجلس العسكري بالسجن مستبعدا الاعدام اذ كان خارج البلاد عندما وقع انقلاب هاشم العطا رحمه الله في الخرطوم, والمرة الثانية عندما وقعت عليه المحكمة التالية حكم الاعدام بناء على امر رسمي من الرئيس نميري, واقارب الرائد فاروق حمد الله رحمه الله يريدون ان يعرفوا ما اذا كان اعدامه جرى دون محاكمة فصار اغتيالا. وبغض النظر عن الضرورة القانونية والاخلاقية لتقديم نميري الى محاكمة فإن هناك الضرورة السياسية التي تعرضها ضرورة كتابة التاريخ القومي, فهناك اسئلة لاتزال مطروحة تاريخيا منها مثلا: ــ هل كان انقلاب مايو 69 تدبيرا مصريا على عهد عبدالناصر؟ ــ هل كان (ميثاق طرابلس) وراء دحر الانقلاب اليساري في عام 1971؟ ــ هل صحيح ان (مذبحة دار الضيافة) ارتكبها الحزب الشيوعي.. ام ان التهمة ألصقت بهم الصاقا؟ والاسئلة لاتحصى.. والتاريخ لايزال في الانتظار. * كاتب وسفير سوداني سابق