كان الشيخ (سيد المرصفي) أحد اساتذة الازهر المستنيرين في بداية القرن, جمع حوله فريقا من الطلبة المجتهدين, واخذ يدرس لهم الادب والبلاغة , بأسلوب جديد, فيختار من كتب الادب مايحرك عقولهم, ويشحذ لديهم الحاسة النقدية, ويدربهم على اعمال العقل في فهم النصوص, ويشجعهم على المغامرة بنقدها بدلا من الاكتفاء بحفظها. وكان زملاؤه يهاجمونه, لانه يعود الطلاب على الاختلاف معه بدلا من الاكتفاء بتلقن العلم منه, وكان يسخر من جهودهم ويندد بنقص بضاعتهم من العلم... ولا يستثني من ذلك ــ الشيخ حسونة النواوي ــ شيخ الازهر ــ اذ كان يرى انه لم يخلق لا للعلم, ولا للمشيخة, وانما لكي يبيع العسل الاسود في (سرياقوس) وهي قرية متاخمة للقاهرة, واشتهر اهلها بتجارة هذا النوع من العسل... والتصق وصفه ذاك بالاساتذة الذين يتصورون ان التعليم تلقين لا تفكير, وحفظ للنصوص لا مناقشة لها, ولانه كان بلا اسنان, ينطق السين, ثاء, فقد اصبحت عبارة (باعة العثل الاثود في ثرياؤوث) رمزا على هذا النمط من الاساتذة, وهذا النوع من التعليم. وذات يوم من عام ,1912 كان الشيخ طه حسين المجاور بالازهر يتابع ــ كعادته ــ باعجاب وشغف, درس استاذه (الشيخ المرصفي) حين دعي واثنين من زملائه الى مكتب شيخ الازهر ليجدوا ـ فضلا عنه ــ اعضاء مجلس ادارة الازهر من كبار العلماء, وقد انعقدوا على هيئة محكمة للنظر في بلاغ يتهمهم بالكفر واستمع المجلس الى مقدمي البلاغ, وكانوا فريقا من الطلاب نقلوا عنهم ــ ما كانوا يدلون به من آراء في دروس الشيخ (المرصفي) ناقصة ومشوهة, واضافوا اليها ـ على سبيل الكيد وبهدف (تصقيع) التهمة ــ ماكانوا يذيعونه من آراء في الشيخ الاكبر وكبار العلماء, فانحاز المجلس ضدهم ورفض الاستماع الى دفاعهم وامر بمحو اسمائهم من سجلات الازهر, وبمنع (الشيخ المرصفي) من تدريس الكتب التي تحرض الطلاب على المناقشة, او تدعوهم للاختلاف, لأن في ذلك تحريضاً على الكفر) . ومع ان قرار الفصل لم ينفذ بسبب وساطات بذلها كثيرون لدى شيخ الازهر, الا ان الشيخ المرصفي لم يعد كما كان ولم تعد الكتب التي يدرسها هي نفس الكتب, ولم يعد المنهج الذي يتبعه في تدريسه, هو نفس المنهج وعندما حاول (طه حسين) ان يبدي رأيا في احد النصوص, اسكته في رفق وهو يقول: لأ... لأ... عاوزين نأكل عيش. ولم يحزن (طه حسين) منذ عرف الازهر كما حزن حين سمع هذه الجملة من استاذه حتى حين اصدر شيخ الازهر تعليمات باسقاطه في امتحان العالمية... ليترك الازهر, ويلتحق بالجامعة المصرية القديمة, التي كانت حديثة النشأة آنذاك, فيجد فيها ذلك الذي كان يفتقده في الازهر: تعليم عصري, لا يهدف الى حشو الرؤوس بمعلومات يمكن ان تتبخر مع الزمن, بل يسعى لتكوين عقل حر, مدرب على البحث عن الحقيقة, وعلى سبل الوصول اليها. وبعد عام, وفي اواخر عام ,1913 كان طه حسين يستمع بين زملائه في الجامعة, الى احد الدروس, حين همس محمد علوي باشا ـ عضو مجلس ادارة الجامعة ـ في اذنه داعيا اياه الى القيام معه, لان مجلس ادارتها المنعقد آنذاك, يريده لامر هام. وتذكر طه حسين اليوم الذي اقيم فيه من مجلسه في درس الشيخ المرصفي وتوقع شرا وفوجىء حين عرف بأنه لم يدع لامر يخصه, بل لمشكلة تتعلق برسالة الدكتوراه, التي قدمها منصور فهمي ــ احد طلاب الجامعة الذين اوفدتهم في بعثة الى فرنسا لدراسة الفلسفة وهي بعنوان (حالة المرأة في التقاليد الاسلامية وتطوراتها) وكانت الصحف قد أثارت ضجة عنيفة حولها واتهمت صاحبها بالكفر, وقرأ رئيس الجلسة فقرات منها عليه وسأله ـ باعتباره طالبا ازهريا سابقا ـ عن رأي الدين فيما سمعه وقال طه حسين: انا لا املك الافتاء في امور الدين. فقال رئيس الجامعة: لكننا نريد ان نعرف رأيك... بغضب ساخر قال طه حسين: كنت اظن انني في الجامعة حيث لا يحاسب الناس عن آرائهم... فاذا انا في الازهر... لا أسأل عن رأي نفسي... وانما استفتى في رأي غيري من الناس! قال صوت غليظ: رده يا علوي باشا الى درسه فلن نأخذ منه شيئا. وفصلت الجامعة منصور فهمي وتبرأت من رسالته, ولم تعترف بدرجة الدكتوراه التي حصل عليها, ولم تعينه استاذا بها واصدرت قرارا يلزم مبعوثيها الى الجامعات الاجنبية بألا يتقدموا برسائل الى تلك الجامعات قبل ان تطلع عليها وتوافق على تقديمها وكان ذلك اول انتصار لباعة العسل الاسود على الحرية الاكاديمية في الجامعة انتهى بفرض الرقابة على البحوث العلمية. واختفى منصور فهمي سنوات عمل خلالها فلاحا وموظفا في الحكومة ثم مدرسا بمدرسة المعلمين العليا, ولم يعد الى الجامعة الا عام 1929... بل وحل محل طه حسين نفسه, في عمادة كلية الآداب حين فصله الديكتاتور اسماعيل صدقي ــ عام 1932 ــ بدعوى خروجه عن التقاليد وسماحه للطالبات بالالتحاق بالكلية ومع انه ظل يترقى في السلك الجامعي, حتى اصبح مديرا لجامعة الاسكندرية عام ,1946 وحصل على لقب الباشوية, الا انه لم يؤلف شيئا في المجال الذي تخصص فيه, ولم يصدر سوى كتاب واحد بعنوان (خطرات نفس) جمع فيه مقالات كان ينشرها في الصحف. وقد روى (نجيب محفوظ) الذي درس على يديه في كلية الآداب في بداية الثلاثينيات ــ فصولاً أخرى من مأساته, في روايته البديعة (المرايا) التي اختار له فيها اسم (ابراهيم عقل) ... فأشار الى ان دروسه كانت تخلو من اي قيمة, ومع انه كان يقول لطلبته تخففوا من غلواء الطموح الدنيوي, وارضوا من الدنيا بما تجود به, اما الشوق للحقيقة, فلا ترسموا له حدودا, فقد كانوا يعتبرونه وغدا انتهازيا... ومهرجا دجالا اذ كان أعجز من ان يتخذ موقفا, او ان يتحمس لفكرة... وانتهى به الامر الى ان اصبح احد دراويش الحسين كما يليق بمفكر اجبره (باعة العسل في سرياقوس) على رفع شعار عاوزين نأكل عيش فقضوا بذلك على رجل كان مؤهلا اكثر من غيره, لكي يكون اول فيلسوف عربي معاصر. وهكذا لحق (باعة العسل في سرياقوس) بــ طه حسين في الجامعة بعد ان طردوه من الازهر وحاولوا ان ينتزعوا منه فتوى تكفر منصور فهمي ثم حاصروه بعد ذلك في عام 1926 ليكفروه هو نفسه وليمنعوا تدريس كتابه الشهير (في الشعر الجاهلي) ولا يزالون منذ ذلك اليوم يحاصرون الجامعات العربية, حتى تحولت الى شيء اشبه بالمدارس الثانوية تحشو دماغ طلابها بالمعلومات من دون ان تدربهم على فضيلة التفكير, حتى اصيبت النخب العربية التي تتخرج منها بحالة من عسر الهضم العقلي, تتبدى في العجز عن الابتكار, وفي افتقاد الحاسة النقدية, ولا تستطيع ان تفهم الآخر او ان تتعامل معه, تنكفىء على نفسها, وتتصور انها تملك الحقيقة التي لا تعرف عنها شيئا! ومنذ اسابيع وصل باعة العسل في سرياقوس, الى مبنى الجامعة الامريكية في القاهرة وهو المبنى نفسه الذي كانت تشغله الجامعة المصرية القديمة يوم دعي (طه حسين) ليفتي بكفر (منصور فهمي) فأبى... وكانت البداية هي اعتراض بعض اولياء الامور, على تدريس كتاب للمفكر مكسيم رودنسون بدعوى انه يفتن ابناءهم في امور دينهم وتلاه اعتراض آخرين على تدريس (الخبز الحافي) ــ السيرة الذاتية للكاتب المغربي (محمد شكري) ــ بدعوى انها تتضمن مشاهد جنسية لا يليق ان يدرسها الطلاب... ثم الاعتراض على تدريس كتاب (النبي) الذي الفه (جبران خليل جبران) . وفي كل هذه المعارك؛ يتبع (باعة العثل الأثود في ثرياقوث) تكتيكا ثابتا, يبدأ برسالة او خبر يصل الى احدى الصحف يشير الى ما يتضمنه الكتاب من مخالفات... فيجد فيه بعض شباب الصحفيين ــ واحيانا بعض كبارهم ــ شيئا من الاثارة يساهم في ترويج صحفهم او اقلامهم ... فيعلو الهتاف بالحياة وبالسقوط ... ويصيب الرعب ادارة الجامعة الامريكية بالقاهرة, فترسل الى الرقابة على المطبوعات تسألها عما اذا كانت قد أذنت بتداول الكتاب المشتبه فيه, فتحرج الرقابة, وتصدر قرارا بمصادرة الكتاب الذي كانت قد اذنت بتداوله منعا لوجع الدماغ ويستند وزير التعليم العالي الى قرار الرقابة فيأمر بوقف تدريسه ومع تصاعد الحملة, يعتذر قسم النشر بالجامعة الامريكية عن تنفيذ اتفاق كان قد ابرمه مع احدى دور النشر العالمية, لترجمة مذكرات الدكتورة (نوال السعداوي) الى الانجليزية, مع ان الاصل منشور بالعربية كما ان الترجمة العربية لكتاب (جبران خليل جبران) قد نشرت عدة مرات! يحدث ذلك من دون ان يتوقف احد امام الحقائق التي تقول ان الهدف من تدريس هذه الكتب, ليس تلقين ما بها من معلومات, ولكن التدريب على نقدها والحوار مع نصوصها, وان الطالب الذي تفتنه عن دينه سطور في كتاب او تفسد اخلاقه صفحات من رواية, هو طالب مزعزع العقيدة, ضعيف الاخلاق, سوف يجد مثيلات لهذه الكتب خارج الجامعة, فيتأثر بها, لان احدا لم يدربه كيف يقرأ بعين نافذة, وبعقل ناقد... ومن دون ان يتنبه احد الى ان نصف الشعر العربي, هو في الخمريات والغزل ــ في المذكر وفي المؤنث ــ وان نصف الفلسفة العربية, هي من كلام الشكاك والملحدين, ونصفها الاخر في الرد عليهم, وان المحكات التي يضعونها سوف تنتهي عمليا, بألا يدرس احد شيئا له قيمة. ويحدث من دون ان يرتفع صوت ليدافع عن الحريات الاكاديمية او يتذكر الجميع بأن الحضارة العربية الاسلامية, ازدهرت بالحرية والحوار, وليس بالجمود والتزمت, او ليحذرهم من ان استمرار هذا المنهج في معاهد التعليم, سوف يقودنا الى دخول القرن الحادي والعشرين, ونحن كما نحن مجرد (امة من باعة العثل الاثود في ثرياؤوس) .