حين يضيق الافق, وتتقزم الرؤية الى حد النظر ومشاهدة الواقع من خرم الابرة, فإن الحجاب يمكن له ان يشكل بؤرة توتر تحول المؤسسة البرلمانية(العريقة)الى احدى مدارس المشاغبين من الطلبة , حتى وان تجاوزت اعمار الاعضاء الخمسين سنة. فثمة وضوح لا تضاهيه شمس الظهيرة, بأن المؤسسة العسكرية التركية قد اتخذت قرارها منذ سنوات للجم الاسلام السياسي في بلد تنتمي غالبيته العظمى للدين الاسلامي الحنيف. وبقدر هذا الوضوح في مواجهة التيار الاسلامي المتنامي, هناك ضبابية شديدة ازاء الطريق الذي تسلكه تركيا, وكأن وقوعها في قارتي آسيا وأوروبا جغرافيا قد عزز الارباك الحاصل في التوجهات المستقبلية. فلم تكن (مروة قاوقجي) ذات الواحد والثلاثين عاما, الا القشة التي فجرت الاحتقان السياسي, لكن هذه المرة مع بدء البرلمان الجديد الذي يتسم بصعود نجم خطير هو حزب العمل القومي المعروف بعنصريته ورؤاه المثيرة للجدل ازاء القضايا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. مروة هذه, فازت في الانتخابات النيابية عن احدى دوائر اسطنبول التي تعتبر العاصمة التجارية ــ الاقتصادية لتركيا, وتمكنت من الفوز وهي محجبة في بلد العلمانية العسكرية, واختارها الناخبون بحجابها وبدون (كريم اساس ولا أحمر الشفاه) ودخلت قبة البرلمان مثلما خاضت معركتها الانتخابية دون تغيير. بيد ان المؤسسة العسكرية ومن وراءه (اليسار الديمقراطي) الذي يتزعمه رئيس الوزراء المكلف بولنت اجاويد... هذه المؤسسة وجدت ضالتها في حجاب مروة, فراحت الايدي (اليسارية) تضرب على الطاولات رافعة شعارها الممقوت: (الى الخارج... الى الخارج) فالبلاد لا يبدو انها تتسع لمحجبة مؤمنة بحقوقها الدستورية والانسانية, وبالتالي لابد من رفع جلسة القسم الدستورية حتى تخلع المرأة حجابها لتشفي غليل الجنرالات المصدومين بجرأتها وقدرتها على الدفاع عن موقفها, لدرجة انقسام البرلمان وعدم قدرته على تفسير مادة دستورية لم تحدد ماذا يجب على المرأة ان تضع على رأسها. تقول مروة في مؤتمرها الصحفي بعيد رفع جلسة البرلمان بسبب حجابها: (ان امهات الشهداء في تركيا محجبات وهن اشرف من في تركيا والذين يعارضون الحجاب يطعنون الشرف) وتؤكد ان ما حدث في الجلسة الافتتاحية هو اعتداء على الحرية الانسانية, باعتبار ان الغالبية العظمى من نساء تركيا محجبات, اذ يشكلن 75 بالمائة, وفي خطوة جريئة لمواجهة عسكرتاريا السياسة قالت (سأكافح كما كافح زنوج أمريكا حتى نالو حقوقهم وتحرروا, ونحن سنتحرر من اعداء الديمقراطية) . واذا كانت مروة قاوقجي قد دخلت المعركة السياسية ضد المفهوم المقلوب للعلمانية الممارس من قبل العسكر, فإن الادعاء العام التركي سرعان ما وجد في حادثة البرلمان فرصة لا يجب ان تفوت, فبدأ في ملاحقتها قضائياً وملاحقة حزبها (الفضيلة) بتهمة انتهاك الدستور, مستنداً في ذلك على تصريحات لرئيس الدولة سليمان ديميريل حين وصف دخول النائبة بحجابها بمثابة عمالة واثارة للفتنة. والمدعي العام التركي حدد هدفه من ملاحقة مروة قاوقجي وهو حل حزب الفضيلة, مثلما تمكن من حل حزب الرفاه وارسل زعيمه نجم الدين اربكان الى السجن وانهى حياته السياسية وهو في أوج شعبيته. بيد ان الموضوع جله ليس حجاب مروة, بقدر ما هو الوضع (العويصي) الذي تعاني منه تركيا. فهي تعيش انكماش اقتصادي اسهم فيه اللا استقرار السياسي بجزء مهم, حيث بلغ التضخم نسبة مائة بالمائة رغم الجهود المبذولة للجمه ورغم اشادة صندوق النقد بنتائج الاصلاح الهيكلي الذي بدأ في تطبيقه منذ العام 1997م, وانخفض نمو اجمالي الناتج المحلي من 2.7 بالمائة في العام 1997م الى 8.2 بالمائة في العام المنصرم, وتراجع النمو من 7.8 بالمائة في الربع الأول من العام الماضي الى 4.1 بالمائة في الربع الاخير منه. كما بلغت الديون الخارجية على تركيا مائة مليار دولار حتى نهاية العام الماضي, فيما وصلت الديون الداخلية الى أربعين مليار دولار, وزادت البطالة عن نسبة 12 بالمائة, في الوقت الذي يشتغل نصف سكان تركيا في قطاع الزراعة. تراجع الاداء الاقتصادي هذا سيؤدي الى تأخير فتح مشاريع مائية كالسدود في الجنوب الشرقي لمدة خمس سنوات على الأقل, ما يبقي التفاوت في الناتج المحلي للفرد بين الشمال الذي يصل الى نحو عشرة آلاف دولار وبين الجنوب الذي لا يزيد عن خمسمائة دولار. وعلاوة على الوضع الاقتصادي المأزوم, فإن الوضع السياسي يبدو أكثر تأزماً, خاصة في ظل عدم قدرة حزب واحد من الاحزاب الرئيسية الحصول أغلبية مطلقة في البرلمان تمكنه من تشكيل حكومة بمفرده, أو صياغة برنامج البلاد الاقتصادي والسياسي, الامر الذي يضع النهج الحكومي تحت مطرقة الاحزاب المتحالفة في التشكيل الحكومي والبحث عن نقاط التقاء من بين التعارضات القائمة, وهذا ما هو مرجح ان يحصل في التشكيل الحكومي المقبل الذي يقوده الان بولنت اجاويد زعيم اليسار الديمقراطي والذي جاء على رأس الحكومة التي انتهت مدتها بعد اطاحة العسكر بزعيم حزب الرفاه نجم الدين اربكان. الفسيفساء الحزبية في تركيا, تعطي صورة وتقود الى مؤشر استبعاد امكانية الوصول الى الاستقرار السياسي. فبعيداً عن القضية الكردية التي تستنزف البلاد اقتصادياً وسياسياً والتي حدد لمحاكمة زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله اوجلان نهاية الشهر الحالي لبدء المحاكمة.. بعيداً عن استحقاقات الاكراد, فإن الواقع الحزبي الذي جاء بسبب الحالة الكردية وممارسة جنرالات الجيش في السياسة الداخلية, هو في وضع لا يحسد عليه, ففي الوقت الذي تمكن فيه العسكر من انهاء حزب الرفاه الاسلامي, وتراجع خليفته حزب الفضيلة في الانتخابات الاخيرة الى المرتبة الثانية, برز حزب العمل القومي العنصري الذي يحمل في احشائه برنامجا يمينيا متطرفا ينسجم مع اسم الشهرة الذي عرف به (الذئاب الرمادية) التي ان تمكنت من القرار السياسي فإنها لن تبقي احداً في الغابة التركية الحائرة بين نهج العسكر وبين الديمقراطية الحقيقية, اذ من المرجح ان تقرأ الفاتحة على ماتبقى من ليبرالية اذا استطاع حزب العمل القومي من تعزيز مواقعه على حساب الفضيلة واحزاب يمين الوسط مثل حزب الطريق القويم والوطن الام, فقد حصل القوميون المتطرفون على المرتبة الثانية حين حصدوا 18 بالمائة من الاصوات ومن مقاعد البرلمان, وهي المرة الاولى التي يصل فيها هذا الحزب الى قبة البرلمان وبهذا الحجم والثقل الحزبي المهم, والذي يعبر بشكل او بآخر عن عجز الاحزاب التي قادت الحكومات خلال السنوات الماضية من حل المعضلات الحقيقية التي تتعرض لها تركيا. وبذات القدر فإن التدخل العسكري السافر في الشؤون السياسية الداخلية هي العنصر الرئيسي الذي ادى الى حصول الحزب القومي على هذه النسبة الهامة. من هنا يمكن فهم المعضلة التي تنتظر بولنت اجاويد في تشكيل الحكومة, فهو مجبر على التحالف مع حزبين على الاقل من اصل الاحزاب الخمسة, ليس بينها حزب الفضيلة الذي سيقود المعارضة ولا حزب الطريق القويم الذي سيراجع اداءه السياسي خلال الفترة المقبلة, فيبقى حزبي الوطن الام الحاصل على 13.4 بالمائة (87 مقعداً) وحزب العمل القومي المتطرف الذي حصل على 128 مقعدا اضافة لحزب اليسار الديمقراطي الحاصل على 137 مقعداً. والتحالف الثلاثي هذا لن يستطيع تمرير مشاريع الاصلاح الهيكلي والخصخصة بسبب رفض القوميون له, حيث يضيفون بان على تركيا اصدار عملة جديدة للحد من التضخم, عدا التوجه المعروف لدى زعامتهم والتي تريد قطع العلاقة مع دول الاتحاد الاوروبي وزيادة النعرة العنصرية خاصة تجاه الاقليات القومية. وسط هذا الزحام الاقتصادي والسياسي, جاءت قضية مروة قاوقجي التي تحدت اعراف سياسية عمرها اكثر من خمسة وسبعين عاماً, واعلنت انها لن تكشف رأسها ولن تستقيل وتأمل بان (تصل الديمقراطية في تركيا الى نقطة لا تعود النساء فيها مستعبدات بسبب خياراتهن الشخصية) . بيد ان خيار مروة الشخصي لم يعجب اليسار الديمقراطي الذي يسير في درب العسكر الذين يزعمون حماية النظام العلماني, بينما هذا النظام له مبادىء تداول السلطة سلمياً دون حاجة لانقلابات علنية كما حصل في الستينات والسبعينات والثمانينات, ولا انقلابات خفية كالذي حصل في العام 1997م لحزب الرفاه. لقد عرى حجاب مروة قاوقجي سياسة العسكر واليسار الديمقراطي على حد سواء. فلم تتسع ديمقراطيتهم لامرأة تمارس قناعاتها الشخصية. كاتب بحريني