سقط نتانياهو اخيرا بصورة مدوية, بعد ان نجح في قيادة اسرائيل والمنطقة الى حافة الشكوك والتوتر وعدم الاستقرار . وبفضل سياساته قصيرة النظر اضاع على الاسرائيليين والعرب اربع سنوات كامة, كان يمكن ان تستغل في ردم المزيد من الثغرات والفجوات بين الجانبين. والسؤال هو هل سينجح حزب العمل وقيادته الجديدة التي وصلت الى السلطة بفارق مريح في انتشال اسرائيل من كل ذلك؟ هل سينجح في مواصلة طريق المفاوضات الذي تعثر مع الاطراف العربية سواء على المسار الفلسطيني او السوري واللبناني؟ قد يكون من قبيل المبالغة الافتراض بان حزب العمل الاسرائيلي سوف يحيد عن الثوابت الاسرائيلية الداخلية فيما يتعلق بالقدس المحتلة وقضية اللاجئين والترتيبات الامنية مع سوريا ولبنان. الراجح ان هذه القضايا ستشكل نقاط خلاف وجدل متواصل خلال السنوات المقبلة. غير انه من الجانب الاخر يمكن توقع بعض التقدم في مسألة الدولة الفلسطينية, على الاقل اعتمادا على قراءة مواقف حزب العمل وقياداته طوال الفترة الماضية. كما يتوقع ان يستأنف رئيس الوزراء الاسرائيلي الجديد ايهود باراك المفاوضات مع سوريا بصيغة قريبة من تلك التي انتهت عندها مفاوضات عام 1995. ويمكن توقع ان يتم على ضوء ذلك حلحلة الملف اللبناني وايجاد صيغة تكفل انسحابا اسرائيليا مشرفا من جنوب لبنان. لكن في المقابل ستطلب اسرائيل ثمنا لكل ذلك فلسطينيا وعربيا. ثمنا لن يكون اقل من استئناف عمليات التطبيع التي بدأتها الدول العربية مع اسرائيل غداة مؤتمر مدريد واتفاقات اوسلو ومعاهدة وادي عربة. من الجانب الفلسطيني بعض هذا الثمن قد دفع على اية حال سواء من خلال قرار الفلسطينيين تأجيل اعلان الدولة المستقلة, وهو امر يتوقع انه كان بالتنسيق مع قيادة حزب العمل للحيلولة دون اعطاء نتانياهو اية فرصة للفوز في الانتخابات. او من خلال التفاهم مع حركة حماس على التخلي عن العمليات العسكرية والتزام جانب الهدوء. بالاضافة الى الدور الكبير الذي لعبه فلسطينيو 1948 في هذه الانتخابات, وافضى الى سقوط حزب الليكود وفوز العمل. وبعض ذلك الثمن دفع عربيا ايضا. فالمواقف العربية, سواء الاردنية او المصرية او الخليجية, الرافضة للتعاطي مع حكومة نتانياهو, قد اسهمت في فرض المزيد من العزلة على اسرائيل ومن ثم تقليل فرص نتانياهو في الفوز بالانتخابات. كما التزمت سوريا بموقفها الداعي الى احراز سلام شامل وعادل, وحرصت على عدم اعطاء الحكومة الاسرائيلية السابقة اي مبرر لتصعيد الوضع سواء في لبنان او المنطقة. لذلك يمكن القول بان ثمة مصلحة عربية واسرائيلية كانت قد تشكلت مع الوقت, في اختفاء نتانياهو من ساحة السياسية الاسرائيلية. والملفت ان هذه المصلحة بدأت تلتقي وتقترب تدريجيا من المواقف الاوروبية والامريكية كذلك من هنا ربما كان ثمة اجماع اسرائيلي داخلي وخارجي على حدوث التغيير. وبالمناسبة فان نتانياهو نفسه ساعد على ذلك من خلال الانشقاقات الكثيرة التي عاشها تكتل الليكود, فترة حكمه, وافضت الى خروج ابرز قياداته واكثرها شعبية مثل وزير الدفاع السابق اسحق موردخاي وقبله وزير الخارجية ديفيد ليفي. غير ان السؤال الاساسي سيظل هو هل بامكان التطورات الجديدة ان تحقق تحولا جوهريا في الموقف الاسرائيلي من كل ذلك؟ اعتقد ان جزءا من الاجابة سوف يقدمها الجانب العربي نفسه. بمعنى قدرة الدول العربية على توظيف ملابسات وظروف الانتخابات الاسرائيلية والنتائج التي تمخضت عنها, لا في مصلحة العملية السلمية فحسب, وانما ايضا في مصلحة الاستقرار والسلام في المنطقة. فهذه الدول مدعوة لتحمل مسؤولياتها تجاه الوضع الجديد وتجاوز حالة الشلل التي اصابت الجامعة العربية والعمل على مراقبة التطورات الاسرائيلية بمزيد من الجدية والحذر. فالواقع انه مهما كان استعداد الاسرائيليين جيدا او سيئا للعمل على دفع مفاوضات السلام, فانه بدون الحضور العربي القوي والمقنع, لا يمكن لهذه العملية ان تحقق اي نجاح. فالاسرائيلي المعتدل مثل الاسرائيلي المتشدد, كلاهما يمارس في النهاية سياسة هدفها الاساسي هو حماية المصالح الاسرائيلية, ولا يمكن ان نتوقع منه شيئا غير ذلك. والمسؤول العربي ايضا وسواء كان معتدلا او متشددا يتوقع منه ان يدافع عن المصالح العربية وليس عن اي شيء اخر. ان الفرص تأتي دائما كما يقال, لكن المشكلة فيمن يحسن استغلالها, ومن يكون مستعدا لاستثمارها. اما الجزء الثاني من الاجابة على السؤال المذكور فهو يتعلق بالاسرائيليين ومدى رغبتهم الحقيقية في تحقيق السلام مع العرب. اعتقد بان الانتخابات الاسرائيلية تمثل فرصة مستمرة لامتحان هذه الرغبة. وقد اظهرت الانتخابات الحالية ان الاسرائيليين استبعدوا فعلا الخيار السيىء ــ خيار نتانياهو, لكن مالايزال غير معروف بعد, هو هل رجحوا فعلا الخيار الجيد ــ خيار باراك. هذا على اية حال ما ستفصح عنه الاسابيع والاشهر المقبلة.