اعتبارا من غد, اي بعد انتهاء امتحانات النقل اليوم, سنواجه نحن الآباء مشكلة كل عام وكل صيف مع الابناء, حين يجلس هؤلاء لنا بالمرصاد وهم بلا عمل ولا شغل 24 ساعة , متبرمين وضائقين ومخنفسين من جلسة البيت ومن الملل والفراغ ومن مواجهتنا ومشاهدتنا, وكأننا السبب فيما هم فيه من أزمة ومشكلة, لترتفع بذلك درجة التوتر في البيوت مع ارتفاع درجات الحرارة سواء بسواء. ويبدأ الواحد من هؤلاء اولا في نبش ماعنده من العاب تصلح لعمره, فيستخدمها يوما او بعض يوم, ثم ينقلب عليها فيركنها في احسن حال ان لم يقض عليها بالكسر والرمي, ثم يبدأ بمطالعة ما تجلبه من صحف او مجلات الى حين لتراها بعد ذلك وقد تناثرت في اربعة اركان البيت قصاصات وورقا, وهناك طبعا اشرطة الفيديو والكمبيوتر والاتاري, يكون لكل منها دور في مسرحية الملل هذه, فإذا ختم المشاهد كلها لم يتبق سوى النوم. والنوم في الصيف بالنسبة للاولاد مصيبة, فمن هؤلاء من يقضي داخل غرفته التي تتحول الى جحر فأر بالنسبة له الليل والنهار بكاملهما, نائما, ونصف نائم ومستلقيا, فلا يقلقك امره بقدر ما يقلقك امر المكيف المسكين الذي يهدر بلا توقف ولا راحة, فيحن قلبك عليه, وفي الحقيقة فإن قلبك يحن على الفاتورة المنتظرة آخر الشهر. وهكذا فإنه ان كان لديك نعمة من الله, اي ثلاثة اولاد مثلا واكثر في هذا العمر, فإن ارتفاع المصروف خاصة من الكهرباء يكفي لتكبيدك من الهم ما يغطي بقية شهور العام, لهذا فإن اغلبنا نحن الآباء لا شغل لنا في الصيف في البيوت, سوى ان نراقب غرف الاولاد لكي ننتهز فرصة خروجهم منها, ولو الى الحمام, فنسرع الى اطفاء جهاز التكييف, ومعه لمبات الاضاءة, فأولاد اليوم لا يعرفون اطفاء هذه اللمبات ولا المكيفات. اما الامهات ومعهن الخدامات, فمشغولات بدورهن بجمع اوراق الكلينكس ومخلفات الفواكه من قشر وحبوب, كالبطيخ او البرتقال, او مخلفات المكسرات وعلب الكولا والعصائر, والاحذية والملابس, التي يرميها الصبيان كيفما اتفق, في غرفهم او في الصالة او في الممرات او الحديقة, خاصة بعد زيارة يقوم بها احد اصدقائهم اليهم, فيتركون معا الغرفة وكأنها ساحة حرب. ولا نتحدث عن صغار السن من الاولاد ممن هم في المرحلة الابتدائية وما دون فنعذرهم, وانما عن اولاد في الاعدادية وما فوق, اي المرحلة الثانوية, ممن تنطبق عليهم مقولة العيال كبرت, ومع ذلك فهم في اسوأ الحالات, فنندهش كيف ان المدارس لم تعلمهم اصول النظافة والنظام والترتيب والتوفير, لكي تكثر مخالفاتهم في البيوت الى هذا الحد, الذي يمكن ان يسبب للآباء, من بعد المشقة والجهد, الانفجار العصبي وضغط الدم, اذا لم يكن البله والجنون. وبما ان ماسبق ليس الا جزءا صغيرا من مشهد الصيف في كل بيت عندنا, عدا عن مشكلات المصروف المخصص لكل سنتر تجاري, وعدا عن الطعام الذي يطبخ فلا يؤكل من الابناء الذين يفضلون عليه اكلا جاهزا من الكافتيريا في الحي, وغير ذلك من عشرات الامثلة لحالة الصيف, فإن الآباء يستحقون شيئا من الرأفة, في جمعية تعتني بصحتهم النفسية خلال الصيف وتخفف عنهم التأثيرات السلبية لما يواجهونه في البيوت, خاصة ان الواحد منهم من قهره يقول لولده: قلت لك ستين مرة ياحمار اطفىء المكيف طالما انت لست في الغرفة, فيرد عليه الولد باحترام شديد: وانا قلت لك تسعين مرة لا تقل لي يا حمار... فاهم!!