حزب الامة بقيادة السيد الصادق المهدي وحزب الجبهة الاسلامية القومية بقيادة د. حسن الترابي دخلا في مصالحة مع نظام نميري عام 1977 مما ادى الى تمديد العمر الافتراضي للنظام . حتى ذلك العام كان الحزبان متحالفين مع (الحزب الاتحادي الديمقراطي) بقيادة الزعيم الراحل الشريف حسين الهندي في جبهة معارضة موحدة تمارس نشاطها خارج الحدود... وتحديدا من ليبيا. وفي تصعيد للصدام مع النظام الى اعلى ذروة شنت الجبهة في عام 1976 حملة عسكرية ضد النظام عبر الحدود. وادى فشل الحملة, رغم ضراوتها, الى اضعاف الطرفين معنويا مما هيأ الظروف للتصالح فنشأ حوار عبر وسيط سوداني انتهى الى اتفاق في العام التالي أبرمه السيد الصادق المهدي و د. حسن الترابي من ناحية والرئيس نميري من الناحية الاخرى. ومما يؤخذ على الصادق والترابي معا انهما تعجلا النتائج في الاخذ والرد مع نميري فارتضيا تصالحا معه دون ضمان مؤكد بأنه سوف يلتزم بالشروط المتفق عليها على الصعيد التطبيقي الامر الذي تنبه اليه الشريف حسين الهندي فلم يتورط في فخ المصالحة. وبدخول الصادق والترابي عضوية (الاتحاد الاشتراكي السوداني) التنظيم السياسي الاوحد للنظام ظهرا وكأنهما ايدا اجندة نميري السياسية. وربما نظر كل منهما الى مسألة المصالحة من منظور (التكتيك) المشروع في مثل هذه الظروف ولكن الزعماء السياسيين عموما في تعجلهم النتائج يخلطون احيانا بين ماهو تكتيكي وبين ما يجب ان يكون استراتيجيا. على اية حال... شهر العسل كان قصيرا فيما يختص بالصادق المهدي وحزب الامة فسرعان ما تمرد على نميري بعد ان زالت غشاوة التصالح وانتهى الامر بالصادق الى السجن. اما الجبهة الاسلامية القومية فقد واصلت المشوار مع نميري أملا في توجيه النظام صوب اتجاه اسلامي في الوقت الذي صار الناظم معزولا بعد ان احترقت في يدي نميري ورقة المناورة بحزب الامة كما احترقت قبلها ورقة المناورة بالشيوعيين واليسار عموما. ولم يبق مع نميري, بالاضافة الى (الجبهة الاسلامية القومية ) سوى طائفة (الختمية) بزعامة السيد محمد عثمان الميرغني. وعندما لجأ نميري في عام 1983 الى اعلان ما اسماه الشريعة الاسلامية (قوانين سبتمبر) كانت الجبهة الاسلامية القومية مع طائفة الختمية في مقدمة مبايعيه. وفي دفاعها عن هذا الموقف بعد نهاية نظام نميري قالت الجبهة الاسلامية انها رأت في قوانين سبتمبر خطوة تفتح لها المجال للدفع بأجندتها الاسلامية الى الامام. لكن هذا دفاع غير مقنع لان نميري كان شخصية استبدادية انتهازية لا ترى في الايدولوجيات ــ اسلامية او شيوعية او غيرهما ــ سوى وسائد للمناورة من اجل حماية نظام دكتاتوري. هذا يفسر لنا لماذا وقع صدام بين نميري والجبهة في السنة الاخيرة من حكمه فقد انقلب عليها بعد ان اكتشف ان قوة قاعدتها التنظيمية اخطر من قيمتها الايديولوجية فأودع د. الترابي السجن كما اودع قبله السيد الصادق المهدي. وعلى العموم فإن المحصلة النهائية لتصالح (حزب الامة) و(الجبهة القومية الاسلامية) مع نميري ــ بصرف النظر عن المبررات التي ساقها كل من السيد الصادق ود. الترابي لاحقا هي اطالة عمر النظام. وربما يقول هذان الزعيمان الآن ان قصد كل منهما كان ابداء مرونة تكتيكية مرحلية من اجل خدمة اهداف استراتيجية عليا, ولكن ذلك لن يغير من الحقيقة شيئا فقد طال عمر النظام فعلا. على ان وصيفهما السيد محمد عثمان الميرغني زعيم طائفة (الختمية) لا يملك اي حد ادنى للدفاع, فقد اختار ان يهادن النظام ويتحالف معه تحالفاً وثيقا من البداية حتى النهاية لمدى 16 عاما كاملة. كاتب صحفي وسفير سوداني سابق