السباحة ضد جاذبية الارض عملية منهكة ... والخروج من منطقة عادات الناس المستقرة مهمة مستحيلة ... لكن ... من قراءة تاريخ الفكر والابداع العربي يتبين ان التغيير كان دائما مقترنا بالشهادة . منذ اكثر من عام وانا مطارد بلعنة (أم كلثوم) .. والسبب انني تجرأت وتحدثت في برنامج تلفزيوني عن الازدواجية التي تعاني منها ... وكيف يقول البعض منا عكس ما يفعل .. وضربت مثلا بمشهد في برنامج تلفزيوني آخر قال فيه سائق السيارة الاجرة في استنكار ودهشة وتحدي: (طبعا السيدة ام كلثوم) .. وكانت هذه الاجابة القاطعة ردا عن سؤال عن المطرب الذي يفضله .. وكان يمكن ان يمر المشهد بسلام لولا ان صوت المطرب ــ الذي نسب له انهيار الطرب ــ احمد عدوية كان يتفجر من جهاز (كاسيت) السيارة الاجرة .. في تناقض واضح بين ما نقول وما نفعل .. فنحن نفعل ما نريد .. ونقول ما يريد الناس سماعه. وجاءت الطامة الكبرى عندما قلت تعليقا على هذا التناقض لمقدمة البرنامج : (اقدر اقول لك انني لا احب الاستماع لام كلثوم ) ... لا احتمل ايقاعها وتكرارها .. ولا املك الوقت للبقاء محنطا في مكاني وهي تغني .. وهكذا .. قامت القيامة ضدي .. وبدأت مطاردتي في كل مكان اذهب اليه .. ولولا الحياء لوجدت من استخدم في الهجوم ماهو اكثر من الكلمات .. اللكمات مثلا. لم اجد من يستوعب ما قلت .. ولم اجد من يعطيني حقي في تفضيل مطرب آخر يعبر عن جيلي اكثر ... مثل عبدالحليم حافظ .. او فيروز .. او ماجدة الرومي .. كل الذين وقفوا معي كانوا شبابا يفضلون مطربين من بينهم يصيبون الكبار بالصداع والصخب .. فكل جيل له احلامه وثيابه وافكاره ومطربيه .. ولا يمكن اتهامه بقلة الذوق الفني والا وجدناه يتهمنا بالرجعية والجمود والبقاء في توابيت الفراعنة .. والفرق بين الانسان والرصيف .. ان الرصيف يبقي دائما مستقرا .. وراضيا ... ومستريحا ... ومنبطحا على الارض في انتظار الاقدام التي ستمشي عليه .. اما الانسان فهو لايجلس في انتظار احد .. ولا يهمه ما فات بقدر ما يهمه ماهو آت ... لا تهمه المحطات التي لاحت وانما المحطات التي لم تلح بعد .. لاتهمه الاصوات التي سمعها وانما الاصوات التي لم يسمعها بعد .. لاتهمه الكتب التي قرأها وانما الكتب التي لم يقرأها .. والا اصبحت الدنيا اسطوانة مشروخة .. واصبحت الحياة محلك سر. ولا يعني ان طرب (ام كلثوم) لا يناسبني ولا يناسب ايقاعي في الحياة انني لا احترمها .. او ارفض صوتها .. انا اصلا لا اجرؤ على تقييمها .... وانما يعني انني لا اميل الى الطعام الدسم ... ولا الى الملابس الرسمية .. ولا الى السفر بالسفن .. بل استطيع القول انني من اشد الناس اعجابا بقصة حياة (ام كلثوم) هذه المطربة الريفية البسيطة التي استطاعت بذكائها الفطري وموهبتها الاسطورية ان ترفع قامتها لتطول الحكام .. وتصبح صديقة مقربة منهم .. في عصور سياسية مختلفة تماما ... فقد غنت للملك فاروق ... وغنت لجمال عبد الناصر ... وغنت لمصر في فرحها وحزنها .. وبقيت مثل الهرم وابي الهول بعد ثورة يوليو .. الثورة التي قلبت المجتمع وغيرته اعتبرتها من ثوابت الحياة في مصر .. لايجوز المساس بها. عن حياة (ام كلثوم) صدرت في بيروت ترجمة لرواية ادبية كتبت اصلا باللغة الفرنسية .. كتبها سليم تركية بعنوان (ام) لكن الترجمة صدرت بعنوان (كان صرحا من خيال) .. وهو جزء من بيت في قصيدة (الاطلال) الشهيرة التي غنتها للدكتور ابراهيم ناجي ... (يافؤادي لاتسل اين ايام الهوى ... كان صرحا من خيال فهوى ) .. والرواية على لسان شاعر آخر كان اشد ارتباطا بام كلثوم هو احمد رامي ... ولكن عندما تقرأها لا تستطيع ان تعرف اين يبدأ الخيال الادبي واين ينتهي الواقع الحي .. خاصة وان الرواية صدرت بعد ان اصبح احمد رامي وام كلثوم في رحاب السماء .. فقد مات احمد رامي عام 1981 وماتت ام كلثوم في عام 1975 والطبعة الفرنسية من الرواية صدرت في عام 1994 بينما صدرت ترجمتها العربية في عام 1999 .. وهو مايطرح قضية حساسة ومهمة اتصور انها تستحق التدخل الجراحي العاجل للنقاد .. هي هل من حق من يكتب عملا روائيا عن شخصية شهيرة ان يتصرف في الوقائع والاحداث على هواه ... وان يضع على لسان الشخصيات مالم تقله .. وان يفسر ما اخفته .. وان يحملها ما لم تقله وهي على قيد الحياة؟ .. وما يؤكد خطورة القضية ان مؤلف الرواية نفسه يعترف بانه (استوحى) فصولها من قصة احمد رامي .. لكنها في النهاية ــ وعلى حد قوله ايضا (مجرد خيال) .. وتزداد خطورة القضية لو عرفنا ان كثيرا من ابطال التاريخ المصري اصبحوا ابطالا لروايات أدبية يمتزج فيها الواقع بالخيال مثل رمسيس الثاني .. واخناتون .. ونفرتيتي .. وجمال عبد الناصر .. وتتصدر هذه الروايات قائمة افضل المبيعات في الغرب .. ولكنها في الوقت نفسه تمتلىء بخرافات تاريخية لعل اشهرها ان اليهود هم الذين بنوا الاهرام .. او تحسم ما كان مجالا لخلافات علمية ودينية حادة .. مثل ان اخناتون كان هو النبي موسى .. او تسيء لزعيم عربي مثل جمال عبد الناصر نسبوا اليه في احدى هذه الروايات انه احب فتاة يهودية وهو صبي صغير في سن المراهقة .. ولو واجهت كتاب هذه الروايات باخطائهم, قالوا: انهم ادباء وليسوا مؤرخين .. وان الخيال يمنحهم الحق في ان يقولوا ما يخطر وما لايخطر على البال ... ولو تركت هذه الاخطاء التاريخية كما هي تحولت في عقل ويقين القارىء غير المتخصص من خرافات وهواجس الى حقائق .. ولعلي لا اتجاوز لو قلت ان هذه الطريقة هي افضل وسيلة لتزويد التاريخ ... خاصة التاريخ البعيد عنا .. فبدعوى حرية الخيال والادب والابداع يمكن ان ترتكب جرائم لا حد ولا حصر لها. لكن هذه القضية لاتفقدنا استمتاعنا بالرواية )التي حملها معه من بيروت الصديق الطبيب المثقف محمد ابو الغار) ولاتحرمنا من معرفة الكثير الذي كان خفيا من حياة ام كلثوم .. ولعل اول مايحتاج للتفسير الاسم الاصلي للرواية : (ام) ... بدون (كلثوم) .. فنحن نعرف ان ام كلثوم تعني المرأة ذات الوجنتين الممتلئتين .. او ذات الوجه المكتنز .. اما كلمة (ام) بمفردها فهي كلمة في اللغات القديمة تعني القيادة او البداية .. ومنها اشتقت عدة كلمات مثل الامة والامام والامومة والامة ( بفتح الالف والميم ومعناها الجارية) ... وبهذا التفسير يصبح لعنوان الرواية معنى.. فأم كلثوم عبرت عن (الامة) في مواقفها السياسية والتاريخية.. وكانت احد ائمتها (ولو بالغناء الوطني الحماسي) في حروبها ضد اسرائيل.. منذ حرب فلسطين عام 1948 الى حرب اكتوبر عام 1973.. وكانت رمزاً من رموز (الأمومة) في عواطفها المغناة رغم انها لم تنجب اطفالاً.. وكانت في بعض الاحيان مثل الأمة (بفتح الالف والميم) في كلمات أغانيها التي تعترف فيها بقيود الرجل (اعطني حريتي.. اطلق يدي.. انني اعطيت ما استبقيت شيئاً.. آه من قيدك أدمى معصمي.. ألم ابقيه.. وما ابقى علي.. ما احترامي لعهود لم تصنها .. ولم الهجر والدنيا لدي) . وتكشف الرواية عن قصة الحب الخفية بين أحمد رامي وأم كلثوم.. ويبدو ان هذا الحب كان السبب في أنه نظم لها 137 أغنية من أصل 283 أغنية غنتها ام كلثوم خلال مشوارها الفني الطويل.. لكن الأهم في هذه الرواية ما يشير الى ان ذكاء أم كلثوم كان ينافس موهبتها.. فهي أول من اسس دولة الطرب المستقر.. وأول من وقفت ضد ان تظل الاغنية في حالة حصار مع نفسها.. مثل حصان طروادة.. او تتحول الى ناد مغلق كنوادي البريديج.. لا يدخله عامة الناس من غير الاعضاء.. فقد اصبح صوتها متاحاً للجميع مثل زجاجة الحليب.. كاسرة بذلك الارستقراطية في الطرب.. واحتكاره.. سواء كان هذا الاحتكار للملوك والامراء.. او للصالونات.. او للرؤساء والوزراء.. وقد علمتها تجربتها العريقة ان الذين يجلسون في الصفوف الأمامية قد يكونون آخر من يتذوق صوتها.. وان الذين يجلسون في الصفوف الخلفية هم (الحب كله) والطرب كله.. الطرب يسقط بالتساوي على الناس جميعاً مثل المطر. وأغلب الظن ان هذا الاحساس هو ما جعل الثوار يحبون ام كلثوم بنفس القدر الذي كان يحبها به الامراء.. هو ما جعل جمال عبدالناصر يقربها الىه بنفس الحماس الذي قربها به اليه الملك فاروق.. لقد تغير النظام في مصر.. ولكن بقيت ام كلثوم ثابتة..رغم انها بعد نجاح الثورة كانت تخشى ان يمنعها الثوار من الغناء عقاباً لها على الغناء للملك ووصفها له بمليكي.. والذي حدث هو ان جمال عبدالناصر ــ حسب الرواية ــ هو الذي بادر بالاتصال بها تلفونياً قائلاً في صوت جهوري محبب: ــ أنا المقدم جمال عبدالناصر. كان معها في البيت وخادمتها سعدية تمد لها يدها بسماعة هاتفها الخاص احمد رامي الذي طلبت منه ان يقترب منها ليتنصت على المكالمة.. قالت ــ بقدرة مذهلة على تمالك نفسها ــ للقائد الحقيقي والخفي للثورة: ــ لقد رفعت رؤوسنا عالياً. ــ رأسك لم ينحن يوماً الا لله. ساد الصمت قليلاً. ثم استطرد: اقول لك بصدق.. منذ اكثر من عام ونحن نعقد اجتماعات الضباط الأحرار سرا ليلة اول خميس من كل شهر (الموعد المعتاد لحفلاتها الغنائية) لاطمئناننا الى ان الجميع (يقصد قيادات العهد الملكي) منصرفون لسماعك.. لم يخبرني احد من قبل خبر توقف الاذاعة عن بث اغانيك (لم يقل ان الموظفين في مصر اكثر ابتكاراً واكثر تشدداً واسرع مبادرة في العقاب من زعماء وحكام البلاد) .. صديقك الصحفي مصطفى امين يجلس الآن قبالتي.. هو الذي اخبرني للتو (بمبادرة المنع بدعوى ان ام كلثوم من مخلفات العهد البائد) اتصلت بمدير الاذاعة فورا وقلت له: النيل والاهرام هي ايضاً كانت موجودة في ظل النظام البائد.. ولا اعتقد ان هناك أحداً ينوي منعهما. ــ إنكم تضعونني في مكانة لا استحقها. ــ ستكون مكانتك اعظم.. وأعظم.. لقد كنت صوت مصر.. لكن الثورة ستجعلك صوت كل العرب.. وسوف ترين. لقد كسر جمال عبدالناصر بهذا الموقف جدار الخوف بين السلطة والفن.. بين الطرب والثورة.. ولكتن نظامه لم يتعلم الدرس الذي استفاد منه شخصياً في تحديد مواعيد الاجتماعات السرية للضباط الاحرار.. وهو ان الدولة كلها تكون في حالة غياب في الخميس من الاول من كل شهر.. وهي تغني حتى مطلع الفجر.. ولا ننسى ان الاسرائيليين قالوا اكثر من مرة انه كان من السهل هزيمة المصريين. فقد كانوا في حالة غيبوبة بسبب الحشيش وام كلثوم.. ورغم ان التفسير مبالغ فيه لان الهزيمة كان لها اسباب جوهرية واضحة فإنه لا يخلو من حقيقة ولو عابرة وهي ان غالبية المصريين كانوا يغيبون عن الوعي بسحر صوتها وبفعل التخدير.. واغلب الظن ان هذه المسؤولية غير المباشرة عن الهزيمة هي التي ضاعفت من حماس ام كلثوم في الغناء في اماكن كثيرة في العالم جمعا للمال من اجل دعم (المجهود الحربي) .. والاهم من المجهود الحربي هو ان تقول ان لمصر صوتا لا يزال رغم الهزيمة مرتفعاً. واعترف ان الاشارة ولو من بعيد لمسؤولية ام كلثوم والحشيش عن الهزيمة كان سبباً غير مباشر لعدم حماسي لأغانيها.. فأنا واحد من الجيل الذي وجد الهزيمة في انتظاره وهو على عتبة الوعي والجامعة والحياة العملية.. واحد من الجيل الذي كان عليه ان يحمل كل اخطاء من سبقوه.. وهي اخطاء اتصور انها لا تزال تفرض ارادتها علينا حتى الآن. على ان الدرس الذي لا انساه من حياة أم كلثوم .. وحياة غيرها من المبدعين والموهوبين والفنانين والروائيين والصحفيين.. هو ان الفن ابقى من السياسة.. والابداع اطول عمرا من السلطة والثروة.. لقد خلدت اللوحات والروايات والمقالات والاسطوانات اكثر مما خلدت القرارات.. وتذكر الناس اصحابها أكثر مما تذكروا الوزراء وبعض الحكام.. اننا نتذكر محمد حسين هيكل بوصفه كاتب رواية (زينب) ولا نتذكر انه كان رئيس مجلس الشيوخ.. ونتذكر محمد حسنين هيكل بوصفه صحفياً وكاتباً وربما نسينا انه كان وزيراً للاعلام.. ونتذكر عباس العقاد بما كتب ولا نتذكره عضوا في مجلس النواب.. ونتذكر سيد درويش ونحفظ الحانه ونغني اغانيه ولا نتذكر رؤساء الحكومة الذين تعاقبوا عليه في حياته.. ولولا ان محمد محمود باشا قد خلد نفسه بالمتحف الذي يحمل اسمه لما عرفناه.. ان القاعدة الذهبية الخالدة هي تذهب السياسة وتبقي الموهبة.. تذهب الحكومات ويبقى المبدعون.. لكن اغلب المبدعين لا يصدقون.