أخيرا... انتهت مهزلة نقابة الصحفيين المزيفة في مصر بالنهاية الطبيعية التي كان ينبغي ان تتحقق من البداية ... النقيب المزيف وهو كهربائي بسيط في الحبس الآن بتهم تمتد من النصب والاحتيال الى اغتصاب شقة. وكل من له صلة بالموضوع يتبرأ منه, والنقابة اللقيطة تم شطبها من السجلات الرسمية, واتحاد العمال أعلن براءته, والوزراء المسؤولون يتسابقون في التضامن مع الصحفيين ضد هذه المهزلة. سبحان الله... منذ عام كامل ونحن نصرخ في البرية نحذر ونطالب ونناشد بالتصدي لهذا الموضوع ولا أحد يجيب, نقابة الصحفيين الشرعية تقدمت بشكواها للنائب العام في شهر يونيو من العام الماضي ولم تصل لشيء. ومجلس النقابة طاف بالمسؤولين وتلقى النصائح بالصبر والايمان, وكتبنا وكتب غيرنا وامتلأت الصحف بأخبار هذا التحرك المشبوه وكانت النتيجة حتى الاسبوعين الماضيين صفرا كبيرا... وبدا الجميع وكأنهم يتفرجون على مسرحية رديئة من مسرحيات القطاع الخاص في السنوات الاخيرة والتي يتصور اصحابها ان الهبوط والتدني يمكن ان يخلق الكوميديا ويبعث البهجة ويسلي الناس! سبحان الله... اختلف الوضع خلال الأسبوعين الماضيين وبعد ان ادركت الدولة ان الخطر حقيقي, وصدرت التوجيهات العليا خلال رحلة الرئيس مبارك الى اليابان بانهاء هذه المهزلة, وخلال ايام انقلبت الاوضاع, وانتقل ملف المشكلة الى رئاسة الوزراء مباشرة, وتولى وزير شؤون رئاسة الوزارة مسؤولية الملف, وتسارعت الخطوات, وانهالت الكتابات تشجب وتندد, وتحركت الشكاوى النائمة, وتم حبس الكهربائي الذي ادعى انه نقيب الصحفيين, واكتشفت (!!) الجهات المسؤولة ان عقد انشاء الشركة التي تحولت الى نقابة مزيفة عقد غير شرعي فتم الغاؤه. وبدأ التحقيق في اتحاد العمال لتحديد المسؤولية فيما حدث, وانتفض المجلس الاعلى للصحافة يتساءل: كيف تمكن هذا المحتال من طبع عدة اعداد من مجلة صدرت عن النقابة بدون ترخيص؟! وكل ذلك طيب وجميل ويستحق الشكر من جموع الصحفيين, فتحرك رئاسة الوزارة حسم الامر وأنهى حالة القلق من ان تلحق نقابة الصحفيين بنقابات مهنية اخرى توقفت عن العمل النقابي وتفرغت للصراعات الداخلية او لرفع الحراسة المفروضة عليها منذ سنوات. كل ذلك طيب وجميل ويستحق الشكر, لكن اسئلة عديدة مازالت مطروحة ولابد من الاجابة عليها, قبل ان نطالب الجميع ــ كالعادة ــ بنسيان ماجرى, وماجرى ليس مجرد مسرحية هزلية كما يريد البعض ان يصوره, وليس نكتة بايخة ننساها فور القائها, وحتى لو استبعدنا منطق التآمر من اطراف بعينها, فإن تغيير ماجرى ضروري وهام... ليس فقط لاننا لا نريده ان يتكرر وانما ايضا لانه يفسر الكثير مما يجري على الساحة السياسية والصحفية في مصر. * السؤال الاول الذي يطرح نفسه هو: لماذا كان التلكؤ في معالجة هذه القضية؟ ويسبق ذلك بالطبع ان يتم الكشف عن المتورطين في مساعدة النقيب الكهربائي ونقابته المزيفة والاهداف التي كانوا يريدونها بهذا التحرك المشبوه. ان الامر هنا يتعلق بنقابة مهمتها الاساسية الدفاع عن الحريات وحماية الكلمة والنهوض بأقدس المهن واشرفها. وهو امر يجعلها في موضع الحوار حينا والصدام حينا مع قوى عديدة في المجتمع, هكذا الامر في العالم كله حيث تسعى السلطة للحد من حرية الصحافة التي تسعى من جانبها لتكون عين المجتمع وأذنه على مايجري, خاصة في زمن أصبح حق المواطن في الحصول على كل المعلومات الممكنة حقا مقدساً. وبجانب ذلك هناك العديد من العلاقات المتشابكة التي تواجهها الصحافة, ولعل أهمها علاقتها برأس المال الذي يحاول ان يسيطر عليها ويخضعها لمشيئته ومصالحه, وهي علاقة تتنامى أهميتها في ظل تنامي القوة التي اصبح يتمتع بها رأس المال في زمن حرية السوق بلا حدود, والعولمة وسيلة الشركات عابرة القارات. في ظل هذه الاوضاع فإن نقابة الصحفيين ليست مجرد تجمع مهني, مهما كان قدره, وانما هي جزء اساسي من التكوين السياسي والاجتماعي والثقافي للدولة, انها النقابة التي تشتبك مع الاحداث, والتي تعيش على الحرية, والتي ترتبط بأوثق الروابط بكل الظاهرة السياسية والحياة الحزبية والقضايا الوطنية. ولهذه الاسباب تتعدد معارك نقابة الصحفيين ــ في مختلف العهود ــ ضد كل مساس بالحريات, وتتعدد الهجمات عليها والمحاولات لتقليص دورها, ولهذه الاسباب تتحول معارك النقابة للدفاع عن نفسها وعن الصحافة وحريتها الى معارك للمجتمع كله. هكذا كان الامر قبل عشرين سنة, حين اصطدم السادات بالنقابة التي رفضت التطبيع مع اسرائيل, وبالصحفيين الذين عارضوا سياساته, يومها قرر السادات ان ينزع من النقابة اختصاصاتها وان يحولها الى ناد اجتماعي يلعب فيه الصحفيون الطاولة ويبتعدون عن الحديث في شؤون المهنة او قضايا الوطن. وفشلت المحاولة بعد معركة طويلة, وذهب السادات, وبقيت النقابة. وبعدها ورغم تحسن المناخ السياسي, فإن فقهاء السوء او السوق لم يتوقفوا عن محاولاتهم للوقيعة بين النظام والصحفيين ونقابتهم, وتوالت الازمات التي كانت لحسن الحظ تنتهي لمصلحة الصحافة والوطن في وقت واحد, حين يدرك النظام ان فقهاء السوء هم الذين يشعلون نيران الازمات حفاظا على واقعهم او دفاعاً عن مراكز الفساد التي تخشى الصحافة وتخاف من النور وترتعد من حديث الحريات. وفي هذا الاطار فشلت محاولة السيطرة على النقابة عن طريق مشروع قانون يسمح لموظفي التلفزيون والاذاعة بالدخول الى النقابة, ثم فشلت محاولة ضرب الصحافة وحصار النقابة عن طريق القانون 103 الذي تحالفت كل القوى الفكرية والتيارات السياسية لاسقاطه, وتدخل الرئيس مبارك بنفسه في النهاية بالغائه ليسجل انتصارا كبيرا لمصر... حكومة وصحافة وحريات. والآن تجيء هذه المحاولة الهزلية المشبوهة لتؤكد ان المحاولات لن تتوقف والمؤامرات على الصحافة ستستمر, ومن هنا تأتي أهمية الكشف عن كل اطراف هذه المحاولة... فليس الكهربائي هو المتهم الحقيقي في هذه المهزلة, وانما الذين دبروا والذين ساعدوا والذين تواطؤوا, والذين تركوا المهزلة عاما كاملاً لحسابات صغيرة, أو لتآمر مشبوه! والسؤال التالي الذي يطرح نفسه هو عن علاقة الأمر بالازمة التي تمر بها النقابات المهنية الاخرى والتي ادت الى صدور قانون النقابات الموحد, والذي ادى الى فرض الحراسة على بعض أهم النقابات المهنية كالمحامين والمهندسين. لقد نجت نقابة الصحفيين من هذا المصير حتى الآن, وهي النقابة الوحيدة التي استطاعت تدبير أمورها وحافظت على الشرعية وقامت باجراء الانتخابات الداخلية لها في مواعيدها رغم كل المحاولات التي بذلت للحيلولة دون ذلك. ولم يكن ذلك الا النتيجة الطبيعية لتاريخ طويل من الممارسة النقابية الواعية لجموع الصحفيين المصريين الذين انتصروا دائما لوحدة صفهم, وعارضوا اي محاولة لتقسيم النقابة, وحرصوا دائما على وجود التيارات السياسية والفكرية, واتفقوا علي ان يجنبوا العمل النقابي آثار الخلافات الحزبية, وادركوا على الدوام ان السماح بضرب اي فصيل سياسي سوف يكون مقدمة لضرب الاخرين, ولذلك كانوا دائما ضد محاولات الطرد او الاستبعاد, وابتكروا صيغتهم الخاصة في العمل النقابي, وهو امر لم يحدث ــ للأسف الشديد ــ في نقابات اخرى, وكانت له اوخم العواقب. ولا شك ان النموذج الذي قدمه الصحفيون للعمل النقابي لا يسعد الكثيرين من فقهاء السوء الذين يتصورون ان اغلاق النوافذ يمنع الهواء, وان حصار كل نشاط حي في المجتمع السياسي أو النقابي أمر جميل, وان السكوت علامة الرضا والحوار أمر مكروه, وان الحريات تضر ولا تنفع, والمعارضة رجس من عمل الشيطان, وان الاحزاب ينبغي الا يكون لها دور حقيقي, والنقابات يستحسن ان تكون تحت الحراسة, والجمعيات والتنظيمات المدنية تعطل ولا تفيد. وأظن ان على الجميع الآن ان يستوعبوا جيدا تجربة الصحفيين, التيارات المختلفة بتغليب المصلحة العامة والتكاتف لانقاذ العمل النقابي, والسلطة بإدراك ان تقوية الأحزاب والنقابات والجمعيات المدنية هو لصالح الوطن ولمصلحة النظام, وان نصائح فقهاء السوء ليست هي الحل! * وثالث هذه الاسئلة للصحفيين انفسهم, فالحفاظ على تجربتهم النقابية المحترمة لا يعني الجمود, ولا يعني ان كل شيء جميل وانه ليس في الامكان افضل مما كان, ان هناك قضايا كثيرة تطرح نفسها ولا تجد الاجابة على الساحة الصحفية التي تشهد الآن تغيرات واسعة وتطورات غاية في الاهمية كان من نتيجتها ان مئات من الصحفيين المؤهلين لا يجدون مكانهم داخل النقابة, بينما يتسلل الى عضوية النقابة بعض من لا يستحقون لحسابات انتخابية ضيقة, واظن ان حل هذه المشكلة يمثل اولوية قصوى في المرحلة الحالية حتى يمكن السيطرة على الفوضى التي تعم السوق الصحفية, والتي كان من نتيجتها ان ذهب الآلاف من العاملين بالوسط الصحفي الى الكهربائي ونقابته المزيفة ظناً منهم ان ذلك قد يمنحهم الشرعية او يمثل عامل ضغط على النقابة الحقيقية. ان ذلك يتصل بدور نقابي هام ومطلوب من اجل اطلاق حرية اصدار الصحف في ظل الضوابط القانونية, وبالتالي اغلاق باب الصحف المشبوهة التي تصدر بتراخيص اجنبية وتطبع في مصر اذا عرفت الطريق لـ (تسليك) أمورها! وهو الامر الذي ادى الى العديد من السلبيات التي لابد من مواجهتها بسرعة وبحسم وبعمل نقابي رشيد. لقد انتهت مهزلة النقيب الكهربائي ونقابته الزائفة, ولكن الملفات لا ينبغي ان تغلق, والمسؤولية يجب ان تتحدد, واطراف اللعبة يجب ان يتم اكتشافهم, والاهم من ذلك كله ان يتم استيعاب ماحدث جيداً, وان يتم حل القضايا المعلقة, وان تستفيد كل الاطراف من التجربة, وان يترسخ العمل من اجل صحافة اقوى وأشد تأثيرا, وحياة نقابية فعالة, ومناخ يشع بالحرية ويؤمن أنها طريق الاستقرار والتقدم.