بالرغم من ان رئيس مركز الدراسات العربية في لندن الذي نظم ندوة العلاقات العربية الايرانية في العاصمة البريطانية أشار الى ان هذه الندوة لا تستهدف فوز طرف على آخر الا ان التنسيق الواضح بين المتحدثين الايرانيين حاول الخروج عن الاطار الذي أراده المركز للندوة. كذلك ساد حديث بعض المشتركين الايرانيين نوع من التلاعب بالألفاظ وكان هذا البعض حريصا على نفي وصف ما دار بين المسؤولين الايرانيين والاماراتيين خلال الاجتماعات السابقة بأنه (مفاوضات) ويقابلها بالانجليزية كلمة Negotiations وأصر على تسميتها بالمناقشات ويقابلها باللغة الانجليزية كلمة Discussions. غير ان ابرز ما أشار اليه المتحدثون الايرانيون هو ان هناك في ايران الآن ثلاثة اتجاهات بالنسبة للعلاقات العربية ــ الايرانية. الاتجاه الأول: يمكن وصفه بأنه متفائل, وهو يرى ضرورة وجود علاقات جيدة مع العرب بغض النظر عن شكل الحكومات وينادي بشكل خاص بتدعيم العلاقة مع مصر. والاتجاه الثاني يمكن وصفه بأنه متشائم وهذا التشاؤم ظاهرة تاريخية حتى قبل الثورة الاسلامية في ايران. وأصحاب هذا الاتجاه يرون ان العلاقات مع العرب لن تتحسن ابدا وانه لا سبيل الى تحسينها ويضرب هذا الاتجاه مثلا بالحرب العراقية الايرانية قائلا ان العالم العربي كله وقف الى جانب العراق, وهذا القول في الحقيقة ليس صحيحا على اطلاقه. كذلك يصر هذا الجانب على ترديد حجة اخرى هي وجود اختلافات اثنية بين العرب والايرانيين. اما الاتجاه الثالث فيوصف بأنه اتجاه حذر يعكس ما يحدث في ايران اليوم. ويرى اصحاب هذا الاتجاه ان العلاقات يمكن ان تتحسن بين ايران والعرب, ويركزون كثيرا على مصر والمملكة العربية السعودية, باعتبارهما ــ من وجهة نظر اصحاب هذا الاتجاه ــ اهم الدول العربية التي يجب تطوير العلاقات معها. توجه أوروبي الأمر المهم الآخر الذي حاول الجانب الايراني التلويح به هو ان ايران قد لا تضع في أولوياتها العلاقات مع العرب ولكنها قد تفضل التوجه الى أوروبا, وان أوروبا قد تكون اكثر اهمية لإيران في السنوات المقبلة, وأن تحسن العلاقات ممكن في اطار العلاقات الدولية وعلى اساس اقامة العلاقات مع أوروبا أولا ثم مع العرب. وأشار المتحدثون ايضا الى ان العلاقات سوف تتأثر بالتطورات الداخلية في ايران, وان ايران سوف تلعب ــ بعد خمس سنوات تقريبا ــ دورا جغرافيا ــ سياسيا كبيرا في المنطقة, غير ان جميع المتحدثين الايرانيين اجمعوا على ان الدول العربية مهمة جدا للمصالح القومية الايرانية بالرغم من كل ما قيل. الرؤية السعودية وفي الجزء الثاني من الندوة دعا الدكتور فهد الحارثي عضو مجلس الشورى السعودي الى الحديث فأشار في بداية حديثه الى ان العلاقات العربية ــ الايرانية وخاصة العلاقات الخليجية ــ الايرانية مرت بحالات من التوتر الشديد الى مرحلة الانفراج الذي نشهده الآن بعد وصول الرئيس محمد خاتمي الى سدة الرئاسة. وبالنسبة لأمن الخليج قال: ان هناك شعورا واضحا لدى الخليجيين بأن ايران منذ عهد الشاه ومرورا بالثورة الاسلامية لم تخف قط تطلعاتها الى الهيمنة على امن الخليج بل ظلت تعتبر ذلك امرا طبيعيا استنادا الى عوامل جغرافية وسكانية وعسكرية. وقد ظل العامل العسكري ــ كما أشار الى ذلك زميلي من الامارت العربية المتحدة ــ مسألة اساسية في الاستراتيجية الايرانية في الخليج منذ عهد الشاه وإلى ما بعد حرب الخليج. واستشهد الدكتور الحارثي بوليد حمدي الأعظمي في كتابه عن العلاقات السعودية ــ الأمريكية وأمن الخليج الذي يقول فيه: ان ايران كانت مصممة على أداء دورها الاقليمي كدولة مسيطرة سواء رغبت الدول العربية في التعاون معها أم لا, وفعلا مارست هذا الدور, ومن مظاهره احتلال الجزر الاماراتية الثلاث, وكذلك تلويح الشاه باستعداد ايران للتدخل بالقوة ضد العراق في الحوادث الحدودية بينه وبين الكويت عام 1973 اضافة الى دعم ايران لحركة الاكراد المسلحة في شمال العراق لاضعاف دوره في القضايا الخليجية بشكل خاص والقضايا العربية بشكل عام. وقال الدكتور فهد الحارثي في ورقته التي قدمها في المؤتمر: نحن نعلم ان الرئيس الامريكي نيكسون قد اسند الى ايران دورا اساسيا في مشاريع الدفاع عن امن الخليج من خلال التوسع في تسليحها كما يقول الاعظمي نفسه حتى تصبح قوة عسكرية اقليمية كبرى وفي الاتجاه الذي جعلها احدى الادوات البارزة للسياسة الخارجية الامريكية في الخليج العربي في ذلك الزمن, ومنذ ذلك الوقت اذ اعطت ايران لنفسها الحق في الكلمة الاخيرة دائماً فيما يتعلق بأي ترتيبات امنية في منطقة الخليج, ويذكر الدكتور ممدوح انيس فتحي في كتابه (ايران قوة مضافة ام مصدر تهديد للأمن العربي) ان القوات الايرانية الاستراتيجية ظلت تفتح اسلحتها الموجهة ضد أهداف حيوية في منطقة الخليج مما يزيد في حدة التوتر في المنطقة. ان ايران ــ في نظر الكثيرين ــ في فترة الثورة لم تختلف عنها في فترة الشاه. استراتيجية المجال الحيوي ويعود المتحدث السعودي الى الاستشهاد بدراسة اخرى لمحمد احمد الحامد يقول فيها ان ايران تتبنى استراتيجية المجال الحيوي الذي يعطيها حق الهيمنة على منطقة الخليج من خلال الاستئثار بدور اقليمي مهيمن, كما ان تخلص ايران من سطوة الجار القوي وهو الاتحاد السوفييتي ساعد على تغذية طموحاتها في المنطقة العربية. وينتقل عضو مجلس الشورى السعودي الى الحديث عن العلاقات السعودية ــ الايرانية فيقول: ان تلك العلاقات تميزت طوال فترة حكم الشاه وحتى سقوطه في عام 1979 بالحذر بل بالخلافات الحادة. وعند قيام الثورة في طهران يعلم الجميع ان السعودية رحبت بعودة الخميني من منفاه في فرنسا بعد سقوط الشاه كما رحبت بتشكيل الحكومة الايرانية المؤقتة برئاسة مهدي بازرجان, لكن السعودية رغم كل شيء اخذت تلاحظ في تطور الاحداث اتجاه السياسة الايرانية الجديدة نحو التطرف, وأستطيع ان اقول اثارة الدول الخليجية على وجه الخصوص مما دفع الى اضعاف مشاعر التفاعل بالوضع الجديد في ايران. تصدير الثورة ومما يزيد ايضاً في حالة التوتر في العلاقات ما يسمى بتصدير الثورة الايرانية الى منطقة الخليج العربي, فقد بدأ نظام الخميني حملة اعلامية تهاجم السعودية تحت اسم (تنظيم الثورة الاسلامية في شبه الجزيرة العربية) وصرح الخميني بأنه يتكلم باسم كل المسلمين وقد نظم عدداً من الترتيبات التي تهدف الى فرض النموذج الايراني في المنطقة كلها, وظل هناك اعتقاد سائد بأن ايران تدعم حركات التطرف وتقيم معسكرات التدريب, كما يقول دكتور ممدوح انيس فتحي في دراسة له, وذلك لتنفيذ بعض العمليات مما يهدد امن تلك الدول. وتحدث الجانب السعودي ايضاً عن النزاع حول مسألة الحج فقال: لقد ظلت هذه المسألة من اخطر المسائل التي تهدد بقطع العلاقات بين السعودية وايران, فالموضوع هنا يتعلق بشرعية المركز السعودي والسيادة الوطنية, وبالفعل فقد ادت هذه القضية الى قطع العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وايران في عام 1988 بعد فشل وساطات كل من الجزائر وليبيا وسوريا وعمان والامارات من اجل الوصول الى وعد من الجانب الايراني بالكف عن استغلال موسم الحج لاغراض سياسية, وكلنا يتذكر حوادث الشغب التي قام بها الايرانيون في موسم الحج عام 1987 وأعقب ذلك استيلاء الحرس الايراني على السفارة السعودية في طهران ومقتل احد الدبلوماسيين السعوديين. ونفى الجانب السعودي ما ذكره المتحدثون الايرانيون بشأن مساعدة العراق في حربه ضد ايران, فقال الدكتور فهد الحارثي ان المعروف للجميع ان السعودية لم تساعد العراق الا بعد ان تحولت مساحة الحرب الى الاراضي العراقية ذاتها فقد شعرت السعودية هنا ــ فضلاً عن اتفاقية الدفاع المشترك ــ ان من واجبها مساعدة العراق لتحرير اراضيه, اضافة الى ان السعودية قد تحملت الكثير من التجاوزات والتحديات الايرانية ضدها, اما الموقف السعودي السابق للحرب العراقية الايرانية فقد بذلت السعودية جهوداً كبيرة لثني العراق عن نيته على شن الهجوم على ايران وذلك اثر زيارة ولي العهد السعودي آنذاك لبغداد (الملك فهد فيما بعد). اما عن وجود القوات الاجنبية, في الخليج فقد قال السعوديون في الندوة ان السعودية ودول الخليج الاخرى ترى انه كان من واجبها ليس فقط الترحيب بتلك القوات التي جاءت لتحرير الكويت ولكن شكرها ايضاً على ما قامت به من انجاز وهو اخراج صدام حسين من الكويت. وترى السعودية ودول الخليج الاخرى ايضاً ان تلك القوات انما جاءت بدعوة من الدول المعنية بالمنطقة وان تلك القوات خرجت بكاملها بعد انتهاء مهمتها التي جاءت من اجلها, ولقد رجعت بعض تلك القوات الى المنطقة بعد قرار مجلس الامن حظر طيران صدام حسين فوق جنوب العراق (الخط 38) وفي نظر السعودية او الدول الخليجية ان وجود هذه القوات لهذا الغرض بالتحديد لا يشكل بأي حال اي تهديد للمصالح الايرانية. السعودية والجزر الثلاث وتناول الدكتور فهد الحارثي عضو مجلس الشورى السعودي موقف السعودية والامارات العربية المتحدة وباقي دول الخليج الست ــ كما قال ــ فأكد ان هذا الموقف يتلخص في ضرورة خروج الايرانيين من الجزر التي احتلها الشاه في عام ,1971 او التفاوض السلمي حولها, فإن لم تنجح المساعي التفاوضية يتم عرض القضية على محكمة العدل الدولية, اما موقف ايران فهو تكريس الاحتلال وتأكيده ولا بأس من التفاوض مع عدم الحماس من قبل الايرانيين مطلقاً لعرض القضية على محكمة العدل الدولية. ان قضية الجزر الثلاث هي ايضاً من القضايا التي تثقل على مستقبل علاقات ايران مع دول الخليج العربية. مؤشرات ايجابية ويخلص بحث الدكتور فهد الحارثي الى ان الخليجيين يرون ان التغيير الذي حدث بعد الشاه لم يؤد الى تغيير حقيقي على صعيد التعامل مع دول المنطقة, بل على العكس من ذلك ظلت العلاقات الايرانية ــ الخليجية تمر بأزمات اكثر تعقيداً عما قبل ولا يمكن ان ننكر بعض الاشارات التي تخللت تاريخ تلك العلاقة التي اتسمت فيما لاحظنا بكثير من التوترات وقليل من الهدوء, ومن ذلك الاشارات التي ابداها الزعيم الايراني هاشمي رفسنجاني في يوليو 1984 على اثر دعوته رسمياً من قبل السعودية لزيارة المملكة وحج بيت الله الحرام, اذ علق بالقول: (ان مثل هذه الاتصالات مفيد للعلاقات الثنائية بين البلدين) ثم بعد ذلك جاءت زيارة الامير سعود الفيصل الى طهران في مارس 1985 والتي كانت مؤشراً واضحاً لانفراج مقبول في علاقات الطرفين, ورداً على هذه الزيارة قام وزير الخارجية الايراني علي اكبر ولايتي في عام 85 ايضاً بزيارة السعودية. واهم ما يستنتج من مثل تلك الاشارات القليلة جداً ــ على حد تعبير الجانب السعودي ــ هو النمو الكامل احياناً لامكانيات التفاهم بين الطرفين. ثم استعرض الجانب السعودي تطورات العلاقات السعودية ــ الايرانية بعد ذلك وخاصة بعد اللقاء الذي تم في إسلام أباد بين الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي والرئيس رفسنجاني والذي أعقبته اتصالات سعودية ــ ايرانية عالية المستوى في طهران على هامش مؤتمر القمة الاسلامي الأخير, ثم زيارة الرئيس رفسنجاني للسعودية في فبراير 1998. وقد رأى المراقبون في هذه الزيارة إحدى أبرز محطات التطور الايجابي في العلاقات بين الدولتين, مثلما وجدت فيها دوائر قريبة من السعودية توكيدا للخط الايراني الجديد الذي جسمته ولاية الرئيس محمد خاتمي, أي الانفتاح على العالم الاسلامي انطلاقا من البوابة السعودية. تفاؤل في المستقبل ورغم الصورة القاتمة للعلاقات السعودية ــ الايرانية بوجه خاص, والعلاقات بين ايران والعرب بشكل عام والتي تتبع الجانب السعودي في الندوة معالمها منذ أيام الشاه وحتى ما بعد قيام الثورة الايرانية, فإن الجانب السعودي في الندوة عاد لكي يؤكد تفاؤله بالنسبة لمستقبل تلك العلاقات. فقد أعرب عن ثقته في أن الخليجيين يعتقدون ان حالات التوتر التي تسود العلاقات مع ايران ليست في مصلحة ايران ولا في مصلحة دول المنطقة بكاملها, وأن إمكانية التعاون قائمة, وإمكانية التفاهم موجودة, وهي ستؤدي الى خلق وضع طبيعي من العلاقات التي يمكن أن تنشأ بين دول متجاورة يحكمها دين واحد وتاريخ مشترك, وان عهد الرئيس محمد خاتمي هو من أقوى العهود وعد بمستقبل أجمل لعلاقات ايران بالخارج ولاسيما بجيرانها الخليجيين. ويجمع المراقبون على أن العلاقات الايرانية الخليجيين لم تشهد تحسنا وانفراجا على مستوى الخطاب السياسي والاعلامي فقط, بل لقد شهدت العلاقات نفسها انفراجا عاليا وأحد شواهده الاتفاق الأمني الذي وقع بين ايران والكويت علما بأن الكويت لم توقع اتفاقا مماثلا مع دول مجلس التعاون الخليجي نفسها. أبعاد جديدة وعن أبعاد التفاهم الجديد الذي طرأ على العلاقات بين المملكة العربية السعودية وايران. أشار الدكتور فهد الحارثي الى تصريح الأمير سلطان بن عبدالعزيز النائب الثاني وزير الدفاع والطيران والمفتش العام والذي قال فيه (ان المملكة العربية السعودية مهتمة بعلاقاتها مع ايران اهتماما بالغا وهي لن تسمح بأن تتأثر هذه العلاقات بأمور ثانوية غير مرتبطة بشكل مباشر بالبلدين) . وأشار المتحدث الى الأهمية التي تكتسبها زيارة الرئيس محمد خاتمي للسعودية وعن الآمال في مساهمتها في تدعيم الصداقة بين البلدين, كما أشار الى ما ذكرته بعض الصحف من أن عهدا من التعاون الاستراتيجي قد بدأ بين البلدين, كما يدل على ذلك الاتفاق الذي تم بين الرياض وطهران بشأن تخفيض حصتها من انتاج النفط. مسألة سياسية أم قانونية من جانبهم حاول المتحدثون الايرانيون الاعتراض على استخدام تعبير (احتلال) ايران للجزر, كما حاولوا أيضا إخراج قضية الجزر من إطارها القانوني والحقوق التاريخية لدولة الامارات العربية المتحدة في الجزر الثلاث, فقد أشار الباحث الدكتور محمود سريع القلم, وكذلك الدكتور مصطفى زهراني الذي قرأ بالنيابة ورقة الدكتور صادق خرازي نائب وزير خارجية ايران الذي اعتذر عن الحضور, أشار الاثنان الى أن قضية الجزر مهمة جدا بالنسبة للشعب الايراني وأنها قضية جماهيرية يجمع عليها. أما القضية في السياسة الخارجية فهي موضوع للخاصة من الناس فقط, وزعما أنه لا يوجد ايراني ينظر اليها باعتبارها مسألة قانونية بل هي مسألة سياسية ودولية. مزاعم غير صحيحة وقد تصدى للرد على هذا الزعم الدكتور محمد عبدالله الركن وكيل كلية الشريعة والحقوق بجامعة الامارات في أثناء تناوله للجوانب القانونية لقضية الجزر, فقال إن الزعم بوجود إجماع شعبي ايراني غير صحيح على إطلاقه لأن هناك جماعات معارضة من بينها جماعة (مجاهدي خلق) مثلا نددت باحتلال الشاه للجزر واعتبرت ذلك عملا توسعيا استعماريا. وأضاف أنه حتى لو سلمنا بما قاله الباحثان عن شعبية القضية في إيران فإن ذلك لا يكسب الشرعية لاغتصاب الجزر. وأشار الدكتور الركن الى ما ذكره الدكتور محمود سريع القلم وهو أن هذا الموضوع هو أحد المسائل التي تضعف أو تخفف من التعاون بين الأطراف المعنية, وذكر الدكتور محمود أننا في الخليج نعرف إيران جيدا أكثر من مصر وسوريا والمغرب مثلا لعدة أسباب: أولا: نحن أكثر الناس تأثرا بديناميكية ايران التي ذكرها فنحن في دولة الامارات على سبيل المثال تضم تركيبتنا السكانية جالية ايرانية كبيرة منهم من حصل على جنسية الدولة ومنهم من هو مقيم للعمل التجاري فيها, والسفر الى دولة الامارات بالنسبة للايرانيين أسهل بكثير من سفرهم الى أوروبا وأمريكا. ثانيا: توجد لدينا أيضا منشآت ايرانية كثيرة في الامارات, والاقتصاد بين الدولتين متواصل منذ عدة قرون وإلى وقتنا الحاضر. ثالثا: وبالنسبة لموضوع الجزر فإن التحدث عنها بصيغة دولة كبرى في مقابل دولة صغيرة لا ينفع ولا يصلح لحلها حلا سلميا. رابعا: إن تصرفات دولة الامارات بخلاف ما ذكر الجانب الايراني ــ هي ردود فعل للتصرفات التي تقوم بها ايران. والقول بأن الجزر الثلاث شأن عام في إيران وأنها موضع إجماع سياسي بين الايرانيين وأنها حساسة بالنسبة لهم, لا يعني ولا يبرر أن تسلب ايران سيادة دولة الامارات على هذه الجزر أو أن تطلب منها التنازل عنها. والجزر كما تذكر الوثائق التاريخية كانت تقع تحت سيطرة القواسم منذ 1750 الى 1971 أي ما يزيد على قرنين وربع من الزمان. وقد مارست الامارات كل مظاهر السيادة التي نعرفها في القانون الدولي على هذه الجزر حتى عام 1971, ويذكر سيد جمشيد ممتاز وهو أحد الكتاب الايرانيين البارزين وأستاذ القانون الدولي في مقال وبحث له نشر أن ايران لم تمارس سيادتها على هذه الجزر بشكل فعلي. ومذكرة التفاهم التي تم التوصل اليها بين إمارة الشارقة وايران تذكر في مقدمتها أنه لا إيران ولا الشارقة تعترفان بسيادة الأخرى على جزيرة أبو موسى, وقد ظلت المذكرة محترمة من طرف الامارات وظهرت الخروقات من جانب ايران خصوصا منذ عام 1992. ولا يتصور أن تمارس إيران كل هذه المخالفات لمذكرة التفاهم وتظل الامارات صامتة ازاءها. وتعتبر إيران نفسها منذ 1992 السيدة أو المالكة لجزيرة أبو موسى وتمارس تصرفات تخالف ما اتفقت عليه مع دولة الامارات كبناء خط طيران والمطالبة بتأشيرات لغير مواطني الدولة, وتغيير البنية السكانية للجزيرة وافتتاح بلدية كما حصل في مارس الماضي. موقف الامارات ودولة الامارات ــ في تعاملها مع موضوع الجزر ــ تطلب ان تحل حلا سلميا ولا يمكن بأي حال من الاحوال ان تطالب بأي حل عسكري لها, وعلاقاتنا الجيدة والمتميزة مع ايران لا تعني بأي حال من الاحوال التنازل عن حقوقنا في هذه الجزر, وهناك من وسائل الحل السلمي التي يوفرها لنا التنظيم الدولي الحديث الشيء الكثير الذي يمكن ان نلجأ اليه لحلها, سواء كان ذلك بإحالة الموضوع الى محكمة العدل الدولية, أو من خلال المفاوضات الثنائية المحدد لها سقف زمني, أو التحكيم الدولي. وتناول الدكتور محمد عبدالله الركن موقف ايران من الجزر فقال انه يستطيع ان يقول انه كان اكثر موضوعية وتقدمية قبل سبعين سنة من وقتنا الحاضر. وأنا هنا أقتبس فقرة من مقال للدكتور بيروز مجتهد زادة نشرت عام 1997 وفيها يقول انه (في عام 1929 ــ اي من سبعين سنة مضت ــ بدأ الايرانيون يفكرون في احالة قضية هذه الجزر الى عصبة الأمم المتحدة) وكذلك قال في مقاله: (ان تيمور تاش وزير بلاط رضا شاه كتب الى سير روبرت كلايد الوزير البريطاني في يناير 1929 يقول له: في هذه القضية لا يوجد طريق آخر غير احالة الموضوع الى التحكيم الدولي) وكانوا بذلك يعرضون منذ سبعين عاما اما حل المشكلة عبر عصبة الأمم المتحدة أو التحكيم الدولي. ولا أدري ماذا حدث بعد السنوات السبعين حيث تراجع الايرانيون عن هذا الموقف. روابط هائلة وكان أحد من اشتركوا في المناقشة والتعليق الكاتب البريطاني المعروف والاستاذ بجامعة لندن البروفيسور فرد هاليداي والذي أشار الى ان ما يدهشه هو الدرجة الهائلة من الترابط بين الثقافة والديانة وحتى روح المرح بين الايرانيين والعرب الذين يتشاركون في اشياء اكثر بكثير مما يفرق بينهم, وان من الخطورة ان تلعب بالتاريخ ومع ذلك فإن التاريخ يبدو اكثر ايجابية من الذين يحاولون اساءة استغلاله. واستطيع ان اقول ان النزاعات الاقليمية بين ايران والعرب كنتيجة للاستعمار قليلة في الحقيقة بالمقارنة بما بين الهند وباكستان مثلا أو في البلد الذي أنتمي اليه وهو ايرلندا. وقد لمست من خبرتي الشخصية عبر 35 عاما ان النخبة الجديدة... النخبة المسؤولة عن التحديث سواء في ايران أو العالم العربي تعرف القليل عن بعضها البعض ولا تهتم بمعرفة الكثير, ولا تقرأ تلك الدول عن بعضها البعض لا في الادب ولا اللغة ولا يعرفون بعضهم البعض, وقد يذهب المتعلم الايراني الى مكة أو كربلاء ولكنه لا يذهب الى المدن العربية الحديثة, وهم يعلمون عن العالم العربي أقل مما يعرفون عن لندن أو باريس أو نيويورك, وينطبق الحكم على الجانب العربي. وقال البروفيسور هاليداي انه يعتقد ان جزءا من المسؤولية عن المغالاة في جوانب الخلاف بين العرب والايرانيين يقع على عاتق لا النخبة السياسية وحدها بل وايضا النخبة الدينية, وكذلك الادب, فالادب الايراني الحديث مليء بالاحقاد ضد العرب مثل ادب صادق هدايت وأحمد حسني ويمكن ان يوجد مثلها عند الجانب الآخر وكذلك في كتب التاريخ وأسوأها في العراق, كما اقحمت في زمن الشاه مثل هذه الافكار باعتبار ايران بلدا آريا لا ينتمي الى الشرق الاوسط. واعتقد بشكل خاص ان مصدر المواجهة الحديثة يكمن في الدولة الحديثة, فعلى الجانب الايراني في ظل الشاه كما ذكرت نجد ترويج فكرة ان ايران افضل من العرب وان الخليج اسمه (الخليج الفارسي) وليس (العربي) , وفي العراق بشكل خاص نجد ترويج فكرة القومية العربية بعد 1941 بعد ثورة رشيد عالي الكيلاني وحتى ثورة 1958. وهكذا كانت هناك ارضية للتفرقة في العصر الحديث نشأت عن النخب والتجربة الاستعمارية. واعرب البروفيسور هاليداي عن ايمانه بامكانية التغلب على كل هذه العوامل مستخدما كلمة (التقريب) باللغة العربية التي يجيدها, وان هذا التقريب يحتاج الى الصبر لتحقيقه, واذا نظرنا الى امكانية التوافق في اوروبا بين روسيا والمانيا وفرنسا وبريطانيا التي يقف بينها تاريخ دموي اعنف مما يوجد بين العرب والايرانيين, ولذلك فإنني أجد اسبابا تدعو الى الثقة فيما اقول بشرط الا تسعى النخب السياسية والثقافية بمعالجة هذه الاختلافات من اجل اهداف محلية صرفة. مع التحكيم الدولي أما بالنسبة لقضية الجزر فإنه يبدو لي انها يجب ان يتم حلها من خلال التحكيم الدولي. وفي الخليج اشارت التطورات الى مزيد من خطوات بناء الثقة بين بلاده وإيران وقد تمت زيارات متبادلة متنامية وهناك الكثير مما يمكن عمله لازالة مشاعر القلق وكذلك لتشجيع الفهم السياسي لكل من الطرفين, والموقف في الخليج ليس سهلا لا بسبب فقدان الثقة فقط بل ايضا بسبب عدم حل مشكلة العراق وضرورة اشراك العراق في اي بنية أمنية هزيلة, وقد ازداد الموقف سوءا في الخليج بالخطوة غير المسؤولة التي اقدمت عليها الهند مؤخرا بتجربتها النووية. وفي ختام حديثه قال هاليداي انه يعتقد انه بنهاية الحرب الباردة مع التغييرات في المنطقة فإن الفرصة سانحة الآن اكثر من اي وقت في التاريخ الحديث لكي يتعامل العرب والايرانيون مع بعضهم البعض مباشرة وبطريقة خلاقة. إعداد وترجمة: صلاح عويس