عام 1983 كان حاسما في عهد نميري الذي امتد عبر 16 سنة. في ذلك العام أعلنت ادارة الرئيس رونالد ريجان قرارا بقطع المساعدات الاقتصادية الأمريكية عن السودان . ولم يكن ممكنا للمراقبين العاديين للشأن السوداني ان يدركوا آنذاك ان تلك الخطوة الأمريكية كانت ايذانا ببدء العد التنازلي لنهاية عهد نميري وفق سيناريو أمريكي وضع لمساته الأخيرة الحاسمة نائب الرئيس جورج بوش عندما قام بزيارة غريبة إلى الخرطوم... واستذكر الناس لاحقا ان انتقال حكم السودان من يد نميري إلى يد (المجلس العسكري الانتقالي) أي جنرالات نميري عام 85 تم بعد أسابيع فقط من مغادرة بوش الخرطوم. وإن كان هناك سوداني واحد أدرك مغزى القرار الأمريكي بقطع المساعدات الاقتصادية فور صدوره في عام 1983 كبداية لسيناريو فهو الدكتور منصور خالد (الذي التحق فيما بعد بحركة قرنق كمستشار سياسي لها)... بالنظر إلى قربه الحميم من أجهزة السلطة الأمريكية. في وقت لاحق من ذلك العام المصيري فوجىء السودانيون في الخارج والعرب عموما بسلسلة مطولة من المقالات المفصلة بقلم د. منصور خالد كانت تنشر يوميا في صحيفة عربية... هي تلك السلسلة التي نشرت لاحقا في كتاب بعنوان (السودان داخل الكرة البلورية) . لماذا كانت مفاجأة؟ لأنها كانت في جملتها حملة عاصفة مكشوفة ضد الرئيس نميري ونظامه الاستبدادي الفاسد. فقد كان المعلوم لدى الجميع حتى ذلك الحين ان د. منصور خالد من كبار مؤيدي النظام.. بل من قادته السياسيين رغم انه كان يقيم في الخارج منذ عام 1978. أجل... كان د. منصور في ذلك الوقت يشخص الى الخرطوم ليحضر من حين لآخر اجتماعا للمكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي السوداني.. فقد بقي عضوا رسميا فيه حتى بعد مغادرته السودان ليقيم في الخارج اعتبارا من عام 78. والسؤال المطروح منذ ذاك الوقت وحتى هذه اللحظة هو: اذا كان د. منصور خالد غاضبا على النظام عندما غادر السودان عام 1978 فلماذا ظل ساكتا لمدى خمس سنوات حتى عام 1983 عندما فاجأ الناس بمقالاته المشار إليها؟ في تقديري الشخصي ان أهمية تلك المقالات لا تتعلق بمضمونها بقدر ما تتعلق بتوقيتها .. وكأنه اختير لوقت نشرها ان تكون متصلة بالسيناريو الامريكي من أجل تهيئة الأذهان لما هو قادم ووشيك. لقد عمل د. منصور خالد مع نميري ونظامه لمدى تسع سنوات ابتداء من عام 1969 ــ سنة وقوع الانقلاب ــ وزيرا ومستشارا ومساعدا لرئيس الجمهورية .. فكان وزيرا للشباب ووزيرا للخارجية ومستشارا للشؤون الخارجية ومساعدا للأمين العام للاتحاد الاشتراكي. كوزير للشباب كان أبرز انجازاته انشاء (كتائب مايو للشباب) لمناوأة (اتحاد الشباب السوداني) التابع للحزب الشيوعي والحلول مكانه كإحدى القواعد الشعبية للنظام. وكوزير للخارجية كان تعيينه ايذانا بتحويل بوصلة النظام خارجيا من التحالف مع المعسكر السوفييتي إلى التحالف مع المعسكر الأمريكي. وخلال هذه السنوات التسع شارك في ابتداع تنظيم (الاتحاد الاشتراكي السوداني) لخلق قاعدة شعبية مزورة للنظام وابتداع الدستور الذي فصل تفصيلا وفقا لرغبات نميري ليضفي غطاء من الشرعية الزائفة على الاستبداد السلطوي والدكتاتورية الفردية. وعلى الصعيد الخارجي سخّر د. منصور كل امكاناته الفكرية لتلميع صورة نميري ونظامه وتسويقها عالميا حتى أطلقت عليه صحيفة غربية لقب (خبير العلاقات العامة للنظام) . وبالجملة كان من كبار المساعدين الذين كان نميري يعتمد عليهم في محاربة خصومه السياسيين خاصة اليساريين... وعلى الأخص الشيوعيين (من غير أولئك الذين باعوا أنفسهم للنظام).