لعل اهم ما اكدته النتائج التي اسفرت عنها الانتخابات الاسرائيلية ثلاث حقائق سياسية اساسية, (اولها) انه على الرغم من حملات الاتهام المتبادلة بين الاحزاب الاسرائيلية الى حد التراشق بالشتائم والنعوت السوقية , الا انها اتفقت جميعها في برامجها ودعاياتها على الالتزام ببقاء القدس عاصمة موحدة وابدية لاسرائيل, وتشديد قبضة الاحتلال على الجولان وغور الاردن, ورفض العودة الى حدود الرابع من يونيو 1997 وشرعية التوسع والاستيطان فيما تعتبره العقيدة التوراتية ارض الميعاد! الحقيقة (الثانية) ان ايا من الاحزاب الاسرائيلية لم تطرح قضية السلام مع العرب كمطلب شعبي او هدف قومي, بل ان سحب بعض عناصر وتيارات اليمين المتطرف دعمها لنتانياهو انما بدعوى توقيعه على اتفاق واي بلانتيشن رغم انه اقر بأقل من الحقوق والاراضي الفلسطينية التي وافق عليها حزب العمل الاسرائيلي في اتفاقية اوسلو. واما الحقيقة (الثالثة) ان المجتمع الاسرائيلي عندما صوت بالاجماع لصالح ايهود باراك فلانه ركز في برنامجه الانتخابي على معالجة الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والوحدة الوطنية وليس لانه اقل مزايدة في التشدد مع العرب من غيره, في الوقت الذي بات نتانياهو يشكل خطرا داهما على اسرائيل, عبر استثمار ممارساته المتطرفة مع الفلسطينيين لصالح معركته الانتخابية وبشكل صارخ يفتقر الى الدهاء والمرونة, وهو ما ادى بالتالي الى تعرية اسرائيل وفضحها امام المجتمع الدولي, واظهارها على حقيقتها العنصرية المتعصبة التي تحاول اخفاءها عبر اساليب الخداع والتضليل. والشاهد ان ثمة عوامل جانبية اسهمت بدورها في افتضاح نوايا وخطط نتانياهو وعرقلة مساعيه المضنية لاعادة انتخابه رئيسا للحكومة, لعل ابرزها الدور الذي نهضت به الفضائيات التلفزيونية والصحافة العالمية على اختلاف توجهاتها وانتماءاتها على صعيد عكس مظاهر التعنت والقهر الاسرائيلي المتصاعد الذي كابد الشعب الفلسطيني تباعا منذ الاعلان عن حل الكنيست في الرابع من يناير الماضي وحتى اجراء الانتخابات الاسرائيلية في 17 مايو الحالي, ثم كانت الضربة الاعلامية والدبلوماسية والقانونية القاصمة, عندما اصدرت المحكمة الاسرائيلية العليا حكما بارجاء تنفيذ قرار نتانياهو بإغلاق بيت الشرق في القدس وهو الاجراء الذي وصفه الرئيس الفرنسي جاك شيراك بالرعونة ومنتهى الخطورة وجاء على خلاف قرار الاتحاد الاوروبي في مؤتمر برلين الذي اكد على ان القدس لاتزال تحت الاحتلال وليس من حق اسرائيل التلاعب بتغيير اوضاعها الى حين مفاوضات التسوية النهائية والاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم! على ان المراقبين يجمعون على انه لولا ارجاء المجلس المركزي الفلسطيني قرار اعلان الدولة الفلسطينية عن موعدها المحدد في الرابع من مايو الحالي, اذن لكانت الاجواء والظروف مواتية امام نتانياهو لتنفيذ تهديداته بالاستيلاء على مافي حوزة اسرائيل من الاراضي الفلسطينية التي يتعين الانسحاب منها وفقا للاتفاقيات المعقودة بين الطرفين وربما اجتياح مناطق السلطة الفلسطينية ايضا وعندئذ كان من رابع المستحيلات ملاحقة تداعياتها الخطيرة على صعيد اندلاع موجات العنف الفلسطيني المضاد فور مبادرة العنف الاسرائيلي, وتلك كانت فرصة نتانياهو الذهبية لتقديم نفسه الى الناخبين باعتباره حامي حمى اسرائيل والضامن لأمن الاسرائيليين, ومن ثم تصويتهم لصالحه في هذا الظرف المرحلي العصيب! واذا كانت اصوات عرب 1948 البالغ عددهم مليون فلسطيني قد منحت باراك فرصة الفوز الحاسم في المرحلة الاولى للانتخابات اثر انسحاب مرشحهم عزمي بشارة الا ان انسحاب عدد من الصقور المنشقين عن نتانياهو مثل شاحاك وموردخاي اكد بما لا يدع مجالا للشك ان المرجعيات الاسرائيلية داخل مؤسسات صنع القرار الاستراتيجي في الجيش والامن والمراكز البحثية, ادركت بدقة ان ممارسات نتانياهو تسببت في حرج الادارة الامريكية, عندما افشل جهودها في التنسيق معه حول استمرار مسيرة السلام التي شملها الرئيس كلينتون برعايته ويعول عليها كأحد الانجازات الكبرى نهاية ولايته, وامريكا كما هو معلوم الحليف الاستراتيجي لاسرائيل وهي التي تزودها باحتياجاتها الاقتصادية والعسكرية, وليس من المقبول والامر كذلك ان يتحدى نتانياهو ارادتها ويعلن على الملأ رفض نصائحها وتوجيهها واذا كانت قد سكتت على تعنته وممارساته العنصرية على مضض وبررتها ودافعت عنها تباعا في المحافل الدولية, فالانتخابات الاسرائيلية الآنية المناسبة للتغيير وتصحيح مسار العلاقات ديمقراطيا بشكل غير مباشر وعودة الامور الى نصابها, ومن هنا يمكن فهم مدلولات تهنئة الرئيس كلينتون ووزيرة خارجيته مادلين اولبرايت لباراك التي اكدت ارتياح الولايات المتحدة الضمني لفوزه بالاغلبية التي تؤهله للتغيير واحلال السلام, وفي نفس السياق كذلك يمكن فهم قرار نتانياهو بالتخلي عن زعامة الليكود وربما اعتزال الحياة السياسية برمتها وكذا استقالة سفير اسرائيل في واشنطن بعد اعترافه بأنه مارس من منصبه جهودا ومساعي لفوز نتانياهو لكنه اخفق! السؤال الان ما الذي يتعين على العرب فعله بعد تولي باراك مهام منصبه؟ المعروف ان زعيم حزب العمل الابن البار للمؤسسة العسكرية المؤمن بالايديولوجيا الصهيونية حتى النخاع رغم انتمائه لليسار العلماني والحائز على ارفع الاوسمة الاسرائيلية لتعقبه واغتياله عدد من الزعامات الفلسطينية وعلى رأسهم ابو جهاد في تونس لايختلف عن منافسيه في الوصول الى السلطة على حساب هضم الحقوق العربية ولكن بأسلوب نوعي وكيفي مختلف عن ممارسات نتانياهو فهو قد تعهد في 21 ابريل الماضي بتسوية شاملة مع الفلسطينيين بشرط عرضها في استفتاء عام على الاسرائيليين, لكنه عاد يؤكد خلال المعركة الانتخابية على اربع لاءات مرفوضة من الفلسطينيين والعرب, وهو قد اكد وشيمون بيريز زعيم العمل السابق على حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم, بما يعني موافقته على اعلان الفلسطينيين لدولتهم, لكن من خلال مفاوضات التسوية النهائية, وعبر اسلوب المفاوضات يظل المجال مفتوحا للمساومة والمراوغة حول قضايا اللاجئين والحدود والمياه, وربما جاءت الموافقة على اعلان الدولة الفلسطينية مشروطة ببقاء المستوطنات واعتراف الفلسطينيين بالقدس عاصمة ابدية لاسرائيل او مقابل تنفيذ وعوده الانتخابية بالمساواة بين عرب 1948 والاسرائيليين في الحقوق والواجبات, والادهى والامر ان يضطر باراك وهو يعاني من وطأة تجاربه بين اقصى اليمين الى اقصى اليسار مرورا بالوسط كما في حالة الانقسام السياسي والعقائدي والمطلبي غير المسبوق الذي يشهده الكنيست الجديد, الى التراجع عن تشكيل حكومة ائتلافية الان او غدا, واستبدالها بحكومة وحدة وطنية, تمثل مختلف القوى السياسية البرلمانية بما فيها الليكود كي تحمل عن كاهله مسؤولية الوفاء باستحقاقات السلام, والعودة بالتالي الى حلقة التعنت والمزايدات المفرغة. واذا كان الشائع عن العرب اهدار مختلف الفرص المتاحة لنيل حقوقهم على مدى خمسين عاما منذ نكبة 1948 بينما ظلت اسرائيل دوما على اهبة الاستعداد لكسب جولات الصراع مع العرب تباعا, فلأن زعاماتها واحزابها موحدة في اطار خطة استراتيجية وثوابت منهجية صارمة لاتتغير مهما تغيرت الحكومات, ولا مانع بل والمفيد كذلك ان تختلف تكتيكيا في الاساليب والممارسات, ومن هنا تبدو الضرورات ماثلة لاغتنام زخم التغييرالذي افرزته الانتخابات الاسرائيلية عبر عقد قمة عربية عاجلة تختص فحسب بوضع استراتيجية ثابتة لاحلال السلام الشامل والعادل الذي يضمن امن اسرائيل كصفقة سياسية متكافئة مقابل انسحابها من الاراضي العربية المحتلة والتسليم بحقوقهم المشروعة, والاصرار على عودة العرب الى المفاوضات مع اسرائيل كتلة واحدة, وكفى ماشهدته القضية المصيرية من تراجعات وانتكاسات عندما اعتمد العرب اسلوب المفاوضات المنفردة مع اسرائيل, ولانعتقد ومعادلة الصراع ان يكون العرب ام لايكونوا ان يعتذر او يتملص اي من الملوك والرؤساء العرب عن حضور القمة المصيرية والالتزام بقراراتها!