البطولات الفردية لا تكون في البداية سوى هالة من النور حول رأس شخص, لكنها مع الوقت تحوله بطلا جمعيا ما لم تقبل الجماعة هذا البطل وتجعله بطلها الخاص , وحتى تتحول البطولة الفردية إلى بطولة شعبية لابد من اقتناع الجماعة ببطلها وبطولته, حتى لو كانت تلك البطولة مبنية على حدث صغير حقيقي أو واقعي, يضاف إليه هامش كبير من الخيال الذي يساعد الزمن على بلورته, فيتحول البطل الفردي إلى قدوة لتلك الجماعة, أو على الأقل يظل مثلا أعلى تلجأ إليه الجماعة عند الحاجة. يبدو ان هذا البطل الفردي كان في الزمن الماضي مقبولا, لانه يصنع نفسه في هدوء وبعد ممارسة بعض الأفعال التي ترى فيها الجماعة بطولة حقيقية, تضاف إليها ما تريد ان تضيفه, أو تريد ان تضفيه الجماعة على بطلها من خيالها الخاص, لأنه في النهاية يمثل هذا البطل حلمها ومثالها الأعلى. لذلك فان البطولات الفردية التي نشأت بسرعة كبيرة بفضل الاعلام المعاصر الذي يسبق البرق في صناعة البطولة الفردية, تقع في دائرة الخطورة التي تحملها بين طياتها سرعة صناعة البطل الفردي المعاصر, ان خطر تلك السرعة في تلك الصناعة أكبر على البطولة الفردية المعاصرة من خطرها على بطولات فردية نمت مع الزمن وتحولت إلى أسطورة في هذه الحالة لا يمكن للاعلام ان يزيل تلك البطولة الفردية التي لفتها هالة الاسطورة مع الزمن, أو حتى يستطيع مجرد تشويهها. هناك بطولات أسطورية مشعة من مناطق كثيرة من العالم, بطولات فردية تحولت بفعل الزمن إلى اساطير كما هو الحال بالنسبة للبطولات الفردية في أمريكا اللاتينية, والتي يقف على رأسها سيمون بوليفار الذي اعتبر محرر تلك القارة من الاستعمار الاسباني, على الرغم من ان بطولته الفردية لم تكن بتلك القوة في حياته, إلا انها تحولت مع رحيله إلى اسطورة حقيقية, ولم يعد ممكنا ان يتم تشويه هذه البطولة من خلال الإعلام , لأن الناس ببساطة فتحت عيونها على تلك الاسطورة في صورتها النقية, ولا تعرف عن نقائص تلك الصورة النقية شيئا, بل لا تقبل ان يتم تشويه تلك الصورة النقية تحت أي ظرف من الظروف, إلى درجة ان الخلاف بين دول أمريكا اللاتينية قد يشمل كل شيء, لكنه لا يشمل موقف تلك الدول من شخصية سيمون بوليفار. الأمر نفسه أيضا بالنسبة لأسطورة (عمر توريخوس) في بنما الذي بدأ حياته السياسية بانقلاب عسكري, لكنه استطاع بذكائه ان يحول نظرة الناس إليه من دكتاتور إلى زعيم وطني حقيقي, لأنه وضع اللبنة الأولى نحو تحرير بلاده من القواعد الأمريكية التي لا تزال تحكم شريان البلاد حتى تحولت إلى مزرعة خاصة للولايات المتحدة, وقاعدة هامة لقوات التدخل السريع التي تمتلكها أمريكا في وسط وجنوب امريكا اللاتينية, وتهدد بها كل من تسول له نفسه التمرد على النفوذ الامريكي, اضافة الى أهميتها بالنسبة للمخابرات المركزية التي تمتلك في بنما أكبر مركز للمعلومات عن تلك القارة, وتملك من خلال هذا المركز شن غاراتها ضد أية حركة أو زعامة وطنية حقيقية تحاول التخلص من العلاقة غير الندية مع الجارة الشمالية الكبرى. لذلك فإن عملية التخلص من عمر توريخوس كان لها تأثير عكسي, حولته في نظر الناس من دكتاتور الى بطل وزعيم قومي, إذ يكفيه انه صاحب مشروع تحرير قناة بنما, وأول زعيم امريكي لا تيني تمكن من اجبار رئيس امريكي على قبول الرحيل عن القناة, وتوقيع اتفاقية تضع تاريخا لهذا الرحيل مع مطلع القرن المقبل, وهو الأمر الذي لاتزال الولايات المتحدة تبحث له عن بديل قبل ان يحين موعد تنفيذ التسليم الذي أصبح على الابواب. تلك بطولات قديمة جاءت في عهد كان الاعلام فيه له قدرة محدودة على التأثير, بل ان تأثير بعض هذا الاعلام ــ كان في ذلك الوقت ــ عكسيا كما هو الحال مع الدعاية الاستعمارية التي كانت تبث سمومها بعض تلك الوسائل, وبشكل خاص الاذاعات الموجهة لهذا الغرض مثل صوت أمريكا وغيرها. أما البطولات الفردية المعاصرة التي لعب الاعلام فيها دور المروج لها هي بطولات هشة, بطولات يمكن تشويهها بالسهولة نفسها التي تم بها صناعتها والترويج لها, لأن الصناعة السريعة لأية بطولة فردية تقف على قاعدة ثابتة, تماما كالتماثيل المصنوعة من الحجر الجيري, التي تنحل وتذوب أمام أول زخة مطر تنهمر عليها, أو تنكسر أمام أول زوبعة تهب عليها. تعتبر المناضلة الجواتيمالية روجوبرتا منتشو نموذجا لتلك البطولة المعاصرة التي تعجلت وسائل الاعلام في ابرازها, لذلك كان من السهل تشويهها وإبطال مفعولها على الرغم من الطنين الذي رافق الدعاية لها, والهالة التي أحاطها بها الاعلام. ما ان برزت روجوبرتا منتشو على ساحة النضال في جواتيمالا حتى بحث لها الاعلام الغربي ــ في مقدمته الاعلام الامريكي ــ عن دور في تعديل بعض الأوضاع في تلك المنطقة المنكوبة, اتساقا مع مخططات الولايات المتحدة في تغيير اتجاه الرياح, ونشر رايات جديدة تجمل قليلا من الوجه القبيح المعروف عن وجودها في معظم بلاد تلك المنطقة. لكن مع تطور الاوضاع هناك, وإمكانية ان يكون دور تلك المناضلة اكبر مما كان مخططا له, بدأت عمليات تشويه تلك البطولة من خلال خطين متوازيين, الخط الأول: تشويه نضالها الفردي من اجل جماعتها التي تحمل اسمها وتتزيا بزيها, اما الخط الثاني: تصوير نضالها على انه نضال عادي, وان قصة حياتها شابها الكثير من المبالغة, خاصة ان كل افراد جماعتها تعرضوا لما هو أكثر خطرا مما تعرضت له حياة روجوبرتا منتشو وحياة اسرتها, فكل افراد هنود جواتيمالا ابطال لو طبقنا نظرية حياة تلك المناضلة (؟!). وهكذا تحولت وسائل الاعلام التي روجت للبطولة الفردية لروجوبرتا منتشو الى الدعاية ضدها, بل ان كتاب سيرتها الذين شاركوا في صنع الاسطورة, وضعوا اقلامهم في خدمة من يريدون هدم تلك الاسطورة. وكما تم صناعة بطولة روجوبرتا منتشو الفردية بسرعة, امكن تشويه تلك البطولة بسرعة ايضا, ويبدو ان هذا التشويه نجح تماما كما نجحت صناعة تلك الاسطورة, والدليل على ذلك نتيجة الاستفتاء الذي جرى هذا الاسبوع على تعديلات مواد الدستور في جواتيمالا, تعديلات طالبت بها المناضلة الهندية عندما كانت اسهم بطولتها الفردية في السماء, لكن عندما جرى الاستفتاء كانت اسهمها محاطة بظلال كثيفة تثير من حولها الكثير من الشكوك. شكوك آثارت الرعب في قلوب اهلها من الهنود الحمر, الذين امتنعوا عن المشاركة في هذا الاستفتاء حتى بلغت نسبة الامتناع عن التصويت لأكثر من 80 في المائة, اي ان الهنود الحمر لم يشاركوا في التصويت في استفتاء يمنحهم حقوقا حرموا منها منذ غزو كولومبوس لتلك البلاد قبل خمسة قرون, وهذا في حد ذاته كان مثيرا للكثير من المراقبين الذين شاهدوا المناضلة الهندية روجوبرتا منتشو تجوب القرى والجبال مطالبة اهلها من الهنود الحمر التصويت لصالح تلك التعديلات, لانها تضع حدا لعذاباتهم, وتوقف تسلط الجيش والبوليس ضدهم. لكن جولات روجوبرتا منتشو في وطنها وبين أهلها من الهنود الحمر لم تكن هذه المرة محاطة بهالة البطولة الفردية التي أضفتها عليها وسائل الاعلام, بل كانت تحيط بها الظلال التي نشرتها من حولها تلك الوسائل نفسها, ونجح التخويف من جانب الجيش والبوليس في منع الهنود الحمر من التمسك بحقوقهم, لانهم عرفوا ان بطولاتهم شيئا عاديا وليست شيئا خارقا كما كانوا يتصورون, والدليل على ذلك أن هالة البطولة التي كانت تضيء شخصية روجوبرتا منتشو لم تكن سوى وهم, ومن يدريهم ان تلك الحقوق التي يقولون انها لهم في اطار احلال السلام مابين الهنود الحمر والجيش والبوليس ليست سوى وهم جديد يضاف الى اوهامهم التي اعتادوا عليها خلال القرون الخمسة الماضية. كاتب مصري مقيم في اسبانيا