لا يشكل مشروع القانون الذي وافق عليه مجلس الوزراء الكويتي مؤخرا, والقاضي بمنح المرأة في الكويت حق التصويت والترشيح في الانتخابات البلدية والتشريعية ابتداء من سنة 2003 الا تصحيحا لنوع من الحيف الذي ظلت تعاني منه المرأة في الكويت وفي بعض الدول الخليجية عموما. وهو يأتي في سياق القرار الذي اتخذ في قطر, والذي سمح للمرأة بالمشاركة في الانتخابات البلدية. لكنه يكتسي اهمية بالغة اعتبارا للواقع السياسي الذي يسم دولة الكويت, باعتبارها الدولة الوحيدة في المنطقة التي تتوفر على مؤسسة تشريعية يتم انتخابها بالاقتراع العام, وتشتغل بشكل ديمقراطي, رغم ما يعتريها من اضطراب بفعل الصراعات الحزبية والمجتمعية الداخلية. فمثل هذه القرارات لا تعني الا نوعا من الاعتراف بمكانة المرأة في المجتمع, فاذا كنا نردد باستمرار ان المرأة هي نصف المجتمع, وننوه بدورها في المحافظة على استقرار الاسرة, وفي تربية الاجيال الصاعدة القادرة على ضمان استمرارية القيم النبيلة التي لا مناص منها لكل مجتمع, فمن الاولى السماح لها بالمشاركة في تحديد اختيارات المجتمع. ان الاستمرار في اقصاء المرأة من المجال السياسي بدعوى هيمنة العلاقات التقليدية والعشائرية, وفي بعض الاحيان الدينية, لم يعد امرا يستند على اسس معقولة. فالشريعة الاسلامية كانت سباقة الى تمتيع المرأة بكافة حقوقها, ويزخر التاريخ الاسلامي بنساء لعبن ادوارا طلائعية في الحياة السياسية. وفي الوقت الراهن, فإن مجموعة من الدول الاسلامية قد مكنت المرأة من تسيير مقاليدها, كما هو الامر بالنسبة لباكستان او بنجلاديش. فقد استطاعت هذه المرأة ان تلج الكثير من المجالات الحساسة, وتتحمل مسؤوليات مهمة. عبرت فيها عن قدرات وكفاءات لا تقل عن تلك التي يستند اليها الرجل. ومن ثم فإن السماح للمرأة بالمشاركة في الانتخابات لا يعني سوى تمكينها من احدى الحقوق التي ينبغي ان تتمتع بها بوصفها كائنا انسانيا واجتماعياً. على صعيد اخر, فان هذا القرار يعني الاندارج في منظومة حقوق الانسان في عالميتها. فجميع المواثيق الدولية, وبالاساس الاعلان العالمي لحقوق الانسان, والعهد الخاص بالحقوق السياسية والمدنية, قد اكدت على ضرورة ان تتعهد الدول بكفالة تساوي الرجال والنساء في حق التمتع بجميع الحقوق المدنية والسياسية التي نص عليها العهد, ومن بينها اساسا المشاركة في ادارة الشؤون العامة, اما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون في حرية, والحق في ان ينتخب او يترشح في انتخابات نزيهة تجري دوريا بالاقتراع العام. وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري, وان تتاح له, على قدم المساواة عموما, مع سواه فرصة تقلد الوظائف العامة في بلده (انظر المادة 25 من العهد) ولدعم ارتقاء المرأة الى المكانة السياسية اللائقة بها. فقد صادفت الجمعية العامة للامم المتحدة في 18 ديسمبر 1979 على اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة وهي الاتفاقية التي تستند الى عدة اعتبارات من بينها اساسا ان التنمية التامة والكاملة لاي بلد, ورفاهية العالم, وقضية السلم, تتطلب جميعا مشاركة المرأة على قدم المساواة مع الرجل, اقصى مشاركة ممكنة في جميع الميادين, وتبعا لذلك, فإن هذا الاجراء الذي تنوي الكويت اتخاذه لايمكن الا ان يسير في اتجاه خلق نوع من المصالحة بين الاقطار العربية ومنظومة حقوق الانسان, وفي نفس السياق, فإنه يرمي الى الزيادة من فرص التنمية, وبالاساس التنمية السياسية اعتبارا انه لا ديمقراطية, اذا كان نصف المجتمع مقصيا ومستبعدا منها. لكن اهمية القرار, وتطلعه الى تصحيح الاوضاع, لاينبغي ان ينسينا بعض المظاهر التي تحد من قوته, فمن جهة, فإنه لايعدو مجرد مشروع قانون, ومن ثم لا مناص من عرضه على البرلمان الذي يوجد الان في وضعية عطالة بفعل حله, وينتظر ان تفرز الانتخابات التي ستجري في يوليو المقبل برلمانا اكثر ليبرالية واستجابة لتطلعات الحكومة, لاسيما في المجال الاجتماعي, ومن جهة اخرى, وحتى في حالة تبنيه من طرف البرلمان بالاغلبية المطلقة, فإنه لن يدخل الى حيز التطبيق الا في سنة 2003, واذا كانت هذه السنة قد تقترن مع الانتخابات التشريعية المقبلة, فمع ذلك يمكن التساؤل عن هذا التأجيل لمدة اربع سنوات, هل يتعلق الامر بمرحلة ضرورية لخلق المناخ اللازم لاقحام المترددين والمناهضين لحق النساء في الترشيح, وكذلك توسيع امكانيات وعي المرأة الكويتية نفسها بهذا الحق الذي يحملها التزامات واضحة, وعبئا اضافيا؟ ام ان الامر يتعلق بمشروع قد لايرى فعلا النور بسبب المعارضة التي قد يتلقاها, لاسيما من طرف الاتجاهات الاسلامية التي ترفض اعطاء حق الترشيح للمرأة بوصفه يعادل حق الولاية, الذي ينبغي ان يقتصر شرعا على الرجال حسب ادعائها؟ مهما يكن من امر, فإن مجرد التفكير في تمتيع المرأة الكويتية بحقها في الانتخاب, يعتبر خطوة ايجابية على درب توسيع المشاركة السياسية, سواء تعلق الامر بالكويت, او بالاقطار الخليجية الاخرى التي مازالت لم تنخرط بشكل واضح في الخيار الديمقراطي الذي يشكل احدى السمات المميزة لعالم اليوم. غير انه في نفس الوقت لاينبغي المبالغة في الانعكاسات السياسية لهذا القرار, فليس من شأنه, على الاقل, على المدى القصير ان يغير من التركيبة الاساسية لمجلس الامة الكويتي, فالملاحظ عبر العالم, وحتى في الدول التي نالت فيها المرأة حقوقها الانتخابية منذ سنوات طويلة, ان مشاركتها مازالت لم ترق الى كثافتها وتمثيليتها الاجتماعية, فمازالت نسبة النساء الممثلات في البرلمانات العالمية ضئيلة وقد يعود ذلك الى عدة اعتبارات منها الهيمنة الشديدة للرجال على عالم السياسية وتميز هذا الاخير بالكثير من الممارسات التي لايمكن للنساء مسايرتها, علاوة على ذلك, فإن المرأة لم تبرز لحد الساعة شغفا كبيرا بالقضايا السياسية وبالشأن العام, وتفضل في كثير من الاحيان الاشتغال بمجالات لاتبعدها كثيرا عن هاجسها الاساسي المتعلق بضمان الاستقرار العائلي والاسروي لها ولاطفالها, ومن ثم هناك نقاشات متعددة ومقترحات من اجل تغيير هذه الوضعية, وضمان حضور سياسي للمرأة يناسب حضورها السكاني, من بينها اتخاذ اجراءات تشريعية وقانونية لتحسين الوضع السياسي للمرأة, الا انه ينبغي الاعتراف ان مثل هذه الاجراءات مازالت تواجه مقاومة داخل شرائح وفئات اجتماعية متنوعة, لذلك تبقى وضعية المرأة من الناحية السياسية الفعلية دون ما تطمح اليه هذه الاخيرة. وبصفة عامة, فان الاقرار بحق من الحقوق لفئة معينة, لايمكن الا ان يشكل في حد ذاته عنصرا ايجابيا في تقويم وتصحيح العلاقات الاجتماعية, لكن مسيرة مساهمة المرأة سياسيا تبقى طويلة, ورهينة بمدى رغبة وقدرة هذه الاخيرة, وكذلك درجة تطور المجتمع, وقبوله الاقرار بمكانة المرأة الفعلية في كافة المجالات. استاذ العلاقات الدولية جامعة محمد الخامس ــ الرباط ــ المغرب