في اطار ما يمكن تسميته بالعولمة الثقافية والتي تعد جزءا من النظام العالمي الشامل, برز اتجاه قوي يدعو الى اطلاق حوار الثقافات, وذلك على غرار مقولة: (حوار الحضارات) والذي يعتبر مكملاً لهذا النوع الاول من الحوار . والمقصود بذلك ان يتم تبادل الثقافات بين مختلف الدول والشعوب, وان يتحول هذا التبادل الى نوع من الحوار الذي يفترض فيه ان يقود الى حدوث تفاعل وحتى تمازج بين الانواع المتعددة للثقافات العالمية. وعلى الرغم من ان القوى الاستعمارية والغربية, تسعى الى فرض ثقافاتها على الشعوب والدول الاخرى, عبر اللجوء الى ما يمكن وصفه بالغزو الثقافي والاعلامي الذي يتم تسويقه بوسائل وطرق عدة, الا ان ثمة اصواتاً عاقلة في الغرب وفي اصقاع اخرى من العالم تدعو الى الحوار الثقافي المتبادل بين مختلف الشعوب, بدلا من السعي الى فرض ثقافة بعينها على هذا الطرف او ذاك. وقد بدأت هذه الاصوات تحدث التأثير المطلوب, مما ادى الى طرح افكار ومقترحات جريئة للبدء في فتح حوار شامل ومتعدد المستويات, بين كل ثقافات العالم وترافق ذلك مع ظهور اتجاه يدعو الى الاخذ بعين الاعتبار مصالح وحضارات الشعوب الاخرى, وخاصة بلدان العالم الثالث التي تؤكد المعطيات انها تمتلك ثروات هائلة من الكنوز الثقافية التي يحتاج اليها العالم في كل مكان. مفهوم الحوار منذ البداية برزت اختلافات جوهرية حول مفهوم الحوار الثقافي نفسه, ففي الوقت الذي اصر الغربيون على الترويج لافكارهم وحضارتهم وبالتالي ثقافتهم, فإن بلداناً وشعوباً كثيرة في العالم رفضت هذا التوجه, ودعت الى حوار متكافىء ومتوازن يرتكز على اولويات واسس تعترف بأن لدى الشعوب الاخرى ثقافة وحضارة وتراثا, وانه لابد من الاستفادة من ذلك. وطبعاً فإنه لدى مقارنة مستوى التقدم الحضاري في كلا الجانبين, فإن الشعوب والدول الغربية تحقق التفوق من خلال التقانات الحديثة الموجودة لديها, والتي تمكنها من كسب قصب السبق, لان اللجوء الى وسائل الثقافة الحديثة من شأنه ان يفتح الباب واسعا امام الطرف الاول في الحوار لابراز وجهة نظره اولا, وذلك على حساب وجهة نظر الطرف الآخر. وكادت هذه الاتكالية ان تقود الى نتائج عكسية, ولكن اصرار شعوب وبلدان العالم الثالث على ممارسة دورها قد عجل في كسر الحواجز والوصول الى صيغة الحوار التبادلي, اي الحوار الثقافي القائم على مفاعيل فكرية وحضارية ترتشق من الماضي عبق التاريخ, وتطرح تساؤلات مشروعة حول المستقبل. وبفعل هذا التوجه تم حسم اشكالات كبيرة مهدت الطريق امام الخروج من دائرة العولمة الثقافية السلبية, الى دائرة العولمة المتصلة والملتصقة بتطورات اللحظة الراهنة في العالم. الثقافة العربية في اطار هذا المشهد الحضاري الهام برز دور الثقافة العربية جليا وساطعاً, في اجواء التبادل والحوار الثقافي بين الشرق والغرب, وتجسدت عدة عناصر وعوامل استطاعت ان تعطي للثقافة العربية هذا الدور. وكان من ابرز هذه العناصر غنى وشمولية هذه الثقافة من جهة, وبعدها التاريخي والحضاري من جهة اخرى. فعلى الصعيد الاول, يعترف حتى الغربيون ان الثقافة العربية تعد بحق من اغنى الثقافات في العالم كله. وهذا الغنى نابع اصلا من الخصوصية التي تتسم بها لغة الضاد, التي استطاعت ان تستوعب الكثير من الحضارات والثقافات القديمة, وان تعيد صياغتها وفق منظومة فكرية وحضارية, وحتى وجدانية خاصة. والى جانب هذا الغنى, فإن الثقافة العربية تتسم بالشمولية, بمعنى انها مؤطرة لكل الابداعات الفكرية والمعرفية التي انتجها العرب عبر تاريخهم الطويل. ومن هنا فإن كل نوع من انواع الابداع الادبي, من شعر وقصة ورواية وحتى فن مسرحي, عبر عن تجلياته الاولى من خلال الشعر نفسه وبهذا المعنى استطاعت حركة الثقافة العربية, قديما وحديثا ان تجمع وتشمل كل الانشطة والابداعات التي تتصف بالواقعية الحضارية. ويؤكد المستشرقون وعلماء الخبر ان التنوع الموجود في الحضارة والثقافة العربية لا مثيل له, وهو يدل على ان مكونات ومقومات الابداع الثقافي لدى العرب تجسد بأصالة وصدق المنحى الواقعي لحركة تطور الحضارة العربية في القرون الماضية, فاتجه البحث عن ركائز ومحطات فكرية وثقافية مميزة. ولا تزال هذه الخاصية تفرض نفسها بقوة على المبدعين والمفكرين العرب الذين يتصارعون من اجل تحديد هوية محددة ونهائية للمسألة الثقافية ــ القومية ولكن الامر لا يتوقف عند حدود هذا الجدل, لان المقصود هو الاقتراب اكثر من اللحظة التاريخية, اي اعادة صياغة حركة الزمن وفق اولويات شاملة, وقد يتحقق ذلك, حتى لو كان المناخ الثقافي غير مناسب. البعد التاريخي وإلى جانب تلك المواصفات, فإن من الاهمية بمكان التوقف عند البعد التاريخي ـ الحضاري للثقافة العربية. فالثقافة العربية لم تأت من فراغ, ولكنها جاءت نتاجا تطوريا لمراحل مختلفة من الزمن, تمتد الى العصر الجاهلي, بل ابعد من ذلك. وثمة من يؤكد انه يمكن اضفاء السمة العالمية على مسألة الثقافة العربية فإنها, وذلك من منطلق ان المنطقة العربية كانت هي مهبط الوحي لكل الديانات السماوية. وهذا اعطاها رصيدا فكريا واخلاقيا واسعا ليس له نظير في اي مكان من العالم. ويتفق العلماء الآن على ان هذه الرسالات السماوية الى اهل الارض, والتي ظهرت في البلاد العربية, وهي عبارة عن نظم ثقافية وفكرية في جوهرها, وبالتالي فإنه من الضروري القول بأن جذور الثقافات العالمية كلها قد زرعت وبدأت في الارض العربية. وهذه الخاصية تعطي للثقافة العربية قدرة هائلة, ليس على المشاركة في حوار الثقافات العالمي فحسب, ولكن ايضا حتى على قيادة هذا الحوار, لان اطرافه الاساسيين لابد ان يعيدوا اكتشاف الثقافة العربية, من خلال عودتهم الى الجذور والأحوال التاريخية. وتشكل هذه العودة قوة دفع وإظهار بالنسبة للمعرفية ــ الثقافية لدى العرب, لأن الأنبياء والرسل الذين ظهروا في المنطقة وانطلقوا منها لنشر دعواتهم الدينية والأخلاقية الى كل أنحاء الأرض, قد حملوا جوهر الثقافة العربية كعنوان بارز لما دعوا إليه. ومن هنا التأكيد على أن أي حوار ثقافي عالمي سيظل ناقصاً وجزئياً ومحدوداً, إذا لم يدخل الحضارة والثقافة العربية في صلبه وجوهره. ذلك أن الإبداعات الفكرية والأيديولوجية والمعرفية التي أفرزتها الحضارة العربية, قد تحولت بالفعل الى معلم ثقافي لكل دول العالم القديمة والحديثة. وإذا كان الغرب يدعي الان تفوقه من الناحية الصناعية والتكنولوجية, فإنه يحق للعرب ادعاء التفوق في المجال الثقافي والحضاري والفكري, والدليل هو هذا الغنى الواسع والتنوع المثير للجدل اللذين تتسم بهما الحضارة والثقافة العربية. ولا حاجة للتأكيد أن المقصود هو الاعتراف بمركزية الحوار الثقافي العالمي في الموقع العربي, لأنه دون الإقرار بذلك فإن مسألة الحوار برمتها ستتحول الى نوع من الهرطقة الفكرية, وبالتالي فإنه من حق العرب قيادة هذا الحوار, وحتى تحديد جدول أعماله, اذا كان الهدف هو الوصول الى الثقافة العالمية المنصفة والشاملة. * كاتبة صحفية من سوريا